بدت الساحة السورية في الآونة الأخيرة وكأنها تتهيأ لمرحلة جديدة، على وقع الكثير من التحركات والمتغيرات التي شهدتها من قبل مختلف الفاعلين في الأزمة. اتخذت هذه التحركات أشكالًا عدة متراوحة بين السياسي والعسكري، فيما يشبه إعادة ترتيب الأوراق على خريطة الأزمة السورية وفي مختلف قضاياها، وهو ما يقتضي نظرة على هذه التحركات الجيوسياسية وبحث مساراتها.

اشتعال الجبهات

منذ أواخر العام الماضي ومع بداية العام الجديد ازداد عدد من الجبهات السورية اشتعالًا، ولا سيّما مناطق الشمال والشمال الشرقي التي تتمركز فيها قوات لمختلف الفاعلين (روسيا – إيران – الولايات المتحدة – تركيا – الجيش السوري – قوات سوريا الديمقراطية)، فضلًا عن مناطق إدلب وحلب ومحيطهما بالشمال الغربي والتي كانت الأكثر اشتعالًا خلال العام الماضي بسبب التدخلات العسكرية التركية وصراع السيطرة على الطرق الدولية الذي لم يُحسم جزء منه حتى الآن. ولم يكن الجنوب السوري بعيدًا عن هذا التصعيد؛ إذ شهدت البادية السورية تناميًا مطردًا في نشاط تنظيم داعش.

1 – غرب الفرات

شهدت منطقة غرب الفرات بالشمال الشرقي السوري منتصف شهر ديسمبر الماضي تنسيقًا واتفاقًا بين روسيا وإيران على إعادة انتشار وتمركز القوات في هذه المناطق؛ تم بموجبه انتشار قوات تابعة لروسيا وانسحاب قوات تابعة لإيران بمنطقة البوكمال بالقرب من الحدود العراقية وعند معبر القائم الحدودي، وذلك بعد اجتماعات بين أطراف روسية وإيرانية من أجل تنسيق الانتشار الجديد في المنطقة، وتحسبًا لضربات إسرائيلية.

وبالفعل، نفذت إسرائيل (13 يناير) قصفًا هو الأعنف على أهداف مرتبطة بإيران في مدينة دير الزور وبالقرب من مدينتي الميادين والبوكمال. استهدفت هذه الضربات التي خلّفت –حسب المرصد السوري- نحو 57 قتيلًا معظمهم من مقاتلي الميلشيات المدعومة من إيران، مستودعات كانت تُستخدم لتخزين وتجهيز أسلحة إيرانية ومكونات تدعم البرنامج النووي الإيراني، وتمت بتنسيق مسبق بين واشنطن وتل أبيب حسبما أكد مسؤول استخباراتي أمريكي.

وأعادت إيران قبل هذه الضربات انتشار قواتها غرب الفرات؛ ونقلت جزءًا من القوات والعتاد إلى مناطق سكنية مأهولة في دير الزور، طالت الضربات بعضها أيضًا. واستكملت بعد الضربات إعادة توزيع القوات في هذه المناطق السكنية، ونقلت ذخائر وأسلحة ثقيلة من بينها صواريخ في مواقع أخرى بمحاذاة الحدود العراقية.

2 – شرق الفرات 

غلب على الحراك غرب الفرات طابع التنسيق وإعادة انتشار القوات، إلا أن منحىً تصعيديًا في الصراع قد اتخذته الأحداث شرق الفرات، وخاصة في مناطق عين عيسى والحسكة والقامشلي، مع تكثيف نشر القوات في القواعد العسكرية الموجودة في هذه المناطق وإنشاء قواعد جديدة.

أول هذه التوترات كان التصعيد في محيط بلدة عين عيسى الاستراتيجية التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”؛ إذ عمدت تركيا والفصائل الموالية لها في شهر نوفمبر الماضي إلى القصف المتزايد للمنطقة وإنشاء قاعدة عسكرية في محيطها تُضاف إلى ثلاث نقاط أخرى في محيط البلدة تتمركز فيها قوات تركية. ومع تزايد وتيرة التصعيد التركي منذ ذلك الوقت، عملت أنقرة مطلع العام الجديد على إنشاء قاعدة جديدة، واستمرار القصف الجوي والمدفعي للبلدات الواقعة في محيط عين عيسى وإرسال التعزيزات العسكرية إلى مختلف مناطق الشمال السوري.

هذا التصعيد التركي جاء وسط حديث عن نية تركية لشن عملية عسكرية خامسة في شمال سوريا، ونشر روسيا لقوات من شرطتها العسكرية في عين عيسى، وهو ما دفع قوات التحالف الدولي والولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في شرق الفرات عبر استقدام تعزيزات إلى قواعدها في محيط مدينة الحسكة.

 وتشهد الحسكة هي والقامشلي في أقصى الشمال الشرقي السوري شكلًا آخر من أشكال التصعيد شرق الفرات بين النظام السوري و”قسد”؛ تمثل في قيام القوات الكردية بفرض حصار مستمر منذ أكثر من 20 يومًا على المربعين الأمنيين الخاضعين لسيطرة النظام داخل المدينتين. 

وفي المقابل فرضت القوات السورية حصارًا على المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” في ريف حلب، ولم تخلُ هذه التوترات من اشتباكات بين الجانبين. وتبذل روسيا التي دفعت بتعزيزات عسكرية إلى القامشلي جهودًا للوساطة بين النظام السوري و”قسد” لإنهاء هذا التوتر. وسط أنباء عن التوصل إلى اتفاق مبدئي (1فبراير) يقضي بفك الحصار بعد اجتماعات عُقدت في القامشلي بين روسيا وقياديي “قسد”.

3 – الشمال الغربي

شهدت مناطق الشمال الغربي السوري وخاصة محافظة إدلب هدوءًا عسكريًا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا (14 مارس 2020)، إلا أنه مع مطلع العام الجديد بدأ التصعيد العسكري يعود إلى الواجهة من جديد، من خلال تكثيف القصف المدفعي والصاروخي على مواقع الفصائل المسلحة في إدلب ومحيطها 

وتواصل تركيا إرسال تعزيزات عسكرية عبر معبر كفرلوسين الحدودي مع لواء الإسكندرون، مع إخلاء نقاط المراقبة التي أقامتها سابقًا في مواقع خاضعة لسيطرة النظام السوري في محيط إدلب وحلب وحماة، ويبلغ عددها 15 نقطة، ودفع كل هذه القوات إلى نقاط المراقبة التابعة لها جنوب إدلب. وبلغ عدد التعزيزات التي أدخلتها تركيا منذ اتفاق وقف إطلاق النار وحتى نهاية الشهر الماضي –حسب المرصد السوري- نحو 8155 آلية عسكرية و10000 جندي.

وأضحى هذا الوجود التركي في محيط إدلب وحلب هدفًا للكثير من الهجمات والتفجيرات المجهولة طالت القوات التركية والفصائل الموالية لها والمناطق التي تسيطر عليها خلال الأسابيع الأخيرة مخلفة عشرات القتلى والجرحى، وخاصة في مدن أعزاز والباب وعفرين، وهي مناطق العمليتين العسكريتين التركيتين (درع الفرات 2016) و(غصن الزيتون 2018). ذلك فضلًا عن التصعيد المتواصل في الاستهداف السوري بالمدفعية الثقيلة والروسي بالغارات الجوية لمناطق ريف إدلب.

وبالتوازي مع ذلك كله، كثّف تنظيم داعش مؤخرًا نشاطه في مناطق البادية السورية من ريف دير الزور إلى ريف دمشق، مستهدفًا الجيش السوري والقوات الروسية وقوات سوريا الديمقراطية. وباتت هناك تحذيرات دولية رسمية وغير رسمية من استعادة التنظيم لقوته ونشاطه الذي كان عليه قبل القضاء على آخر معاقله في بلدة الباغوز بدير الزور (مارس 2019).

إعادة ترتيب الأوراق

يمكن تفسير هذه التحركات الميدانية من قبل الفاعلين في الأزمة السورية وفق منطق إعادة ترتيب الأوراق على خريطة النفوذ في سوريا خلال عام 2021 الذي قد يشهد مرحلة جديدة بفعل قدوم إدارة أمريكية جديدة تتهيأ الأطراف كلها للتعامل مع استراتيجيتها، وذلك لتحقيق عدد من الأهداف لكل من الفاعلين في الأزمة.

1 – تكامل ضغط وردع إيران

يتمثل الهدف الرئيس للضربات الإسرائيلية المتتالية لمواقع تمركز القوات والميلشيات الإيرانية في سوريا هو الضغط الأقصى لإنهاء الوجود الإيراني في سوريا. وإثر نقل إيران لمواقع الثقل العسكري الخاصة بها من الغرب إلى الشرق بالقرب من الحدود مع العراق وتأسيس مستودعات لتخزين وتجهيز الأسلحة والصواريخ هناك وكذا تأسيس قاعدة الإمام علي في محيط مدينة البوكمال، نقلت إسرائيل نطاق ضرباتها من دمشق ومحيطها إلى دير الزور ومحيطها.

وجاءت الضربة الإسرائيلية الأكبر (13 يناير) في ضوء تولي إدارة أمريكية جديدة أعلنت نيتها التفاوض مع إيران على اتفاق نووي جديد أو العودة إلى الاتفاق القائم، مع تخفيف العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، وهو ما يمثل تهديدًا لإسرائيل في ظل تسبب هذه الأمور في زيادة قوة إيران ووكلائها في مختلف البلدان ومنها سوريا، ومن ثم زيادة مخاطر استهدافها لإسرائيل.

وهدفت إسرائيل من هذه الضربة والضربات التي لحقتها (25-30 يناير) لمواقع إيرانية في مناطق متفرقة إلى تأكيد استمرار مواجهتها للوجود الإيراني في سوريا حتى مع قدوم إدارة أمريكية جديدة، فضلًا عن إفشال مخططات إيران لتعزيز وجودها وبنيتها العسكرية في مناطق جديدة، والاستفادة القصوى من سياسة الضغط الأقصى التي انتهجها ترامب إزاء إيران ووكلائها.

وعلى الجانب الآخر، تعمل إيران على ترسيخ واقع وجودي يصلح كورقة تفاوضية مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ولذلك أعادت انتشار قواتها وميلشياتها بعد الضربة الإسرائيلية، وعملت على إخفائها، وكثفت من عمليات التجنيد في ريف دير الزور الغربي، ونقلت –حسب المرصد السوري- شحنة من صواريخ أرض-أرض قصيرة ومتوسطة المدى إلى كتائب حزب الله العراقية المتمركزة في محيط دير الزور، وخاصة في البوكمال؛ لإبقاء احتمالات استهدافها لأي منطقة داخل سوريا أو خارجها قائمة.

2 – إعادة التموضع الروسي

هدفت موسكو عبر تحركاتها الميدانية مؤخرًا بإعادة انتشار قواتها في محيط دير الزور وعند معبر القائم الحدودي مع العراق، وكذلك بتعزيز قواتها في مدينتي الحسكة والقامشلي، وإدخال قوات من شرطتها العسكرية إلى بلدة عين عيسى، وتعزيز وجودها في قاعدتها العسكرية التي أقامتها هناك، إلى إعادة التموضع داخل الميدان السوري استباقًا لأي ترتيبات ميدانية أو سياسية ستتخذها الإدارة الأمريكية الجديدة.

وعلى الرغم من تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عقب الضربة الإسرائيلية للمواقع الإيرانية بأنه “إذا كانت إسرائيل مجبرة حقًا على الرد على التهديدات للأمن الإسرائيلي القادمة من الأراضي السورية فإن عليها أن تخبر روسيا بالمعلومات الاستخبارية حول مثل هذه التهديدات لتتمكن تحييدها”. فإن هذا يمكن قراءته في إطار الرغبة المشتركة للكثير من الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية –ومنها روسيا- في تقليص الوجود الإيراني.

فالضربات الإسرائيلية استهدفت منطقة سبق –كما أٌشير سابقًا- التنسيق بين روسيا وإيران على إعادة انتشار القوات وخلق وجود عسكري روسيا فيها، ومن ثم تحقق هذه الضربات لموسكو مساحة لانتشار عسكري أوسع في المنطقة، مدفوع بالخشية الإيرانية من تكرار الاستهداف الإسرائيلي، لا سيّما وأن تنسيقًا روسيا إسرائيليًا يتم منذ سنوات لتنظيم التحركات العسكرية في الميدان السوري وفقًا لآلية عدم الاشتباك المتفق عليها بين البلدين (2015). 

وهو ما يصب في النهاية إلى تقوية الموقف الروسي في أي ترتيبات جديدة تخص الأزمة السورية مع واشنطن وتل أبيب، وموازنة الوجود العسكري الأمريكي في شرق سوريا عمومًا من خلال الانتشار في القامشلي والحسكة وعين عيسى، وغرب الفرات خصوصًا من خلال الانتشار بالقرب من قاعدة التنف الأمريكية، فضلًا عما أشارت إليه تقارير من اجتذاب روسيا لمقاتلين منشقين عن الميلشيات الإيرانية وضمهم إلى تشكيلات مسلحة مدعومة من قِبلها في غرب الفرات.

3 – شبح المواجهة التركية-الكردية

تخضع المناطق التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دائمًا للمواءمات التركية الروسية، وهو ما سبق تحققه إبان العملية العسكري (غصن الزيتون 2018) بغض الطرف الروسي عن العملية، وسيطرة تركيا على مدينة عفرين التي رفضت “قسد” قبل العملية تسليمها للجيش السوري. ومع تزايد القصف التركي لبلدة عين عيسى والتي تتمتع بأهمية جيواستراتيجية ورمزية كبيرة للأكراد، سعت روسيا إلى استغلال الأمر للتفاوض مع “قسد” على تسليم البلدة للجيش السوري، ومن ثم تولي حمايتها من أي هجوم تركي محتمل.

وفي المقابل، عمدت “قسد” إلى فرض الحصار على مناطق سيطرة النظام في كل من الحسكة والقامشلي؛ لتصبح ورقة مساومة لها مع روسيا، وخاصة مع قدوم إدارة أمريكية جديدة يُتوقع أن تكون أكثر دعمًا للأكراد من الإدارة السابقة. 

ويبدو أن المفاوضات بين موسكو و”قسد” لم تنجح حتى الآن، فبينما كانت هناك أنباء (1 فبراير) عن تفاهم مع “قسد” لإنهاء الحصار، وبدئها في إزالة الحواجز التي أقامتها في القامشلي والحسكة، بدأت “قسد” (3 فبراير) في إعادة نصب الحواجز مجددًا، ومن ثم يستمر الحصار، وتبقى احتمالات تعثر هذه التفاهمات وغض الطرف الروسي مجددًا عن عملية عسكرية تركية واردة.

4 – الصراع على الطرق الدولية

لا يمكن فصل التحركات الأخيرة من قبل روسيا وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية عن الصراع الدائر منذ سنوات للسيطرة على الطرق الدولية في سوريا، وخاصة طريقي حلب-اللاذقية (M4) وحلب-دمشق (M5).

تسعى روسيا من خلال تفاهماتها مع “قسد” وفرض وجودها في عين عيسى الواقعة على طريق (M4) إلى تسليم المدينة ومحيطها إلى الجيش السوري، ومن ثم فرض السيطرة على جزء مهم من طريق (M4) ،فيما تريد “قسد” التمسك بعين عيسى لاستمرار السيطرة على الطريق، فضلًا عن أنباء تشير إلى رغبتها في طريق تجاري إلى إدلب.

أما تركيا فتهدف من خلال تعزيز انتشار قواتها جنوب إدلب وخاصة في منطقة جبل الزاوية إلى تثبيت نقاط ارتكاز ومراقبة جديدة هناك بعيدًا عن مناطق سيطرة النظام السوري تمثل حائطًا دفاعيًا لأي هجوم مستقبلي من قبل روسيا والنظام لاستعادة إدلب واستكمال بسط السيطرة على طريق (M4)، لا سيّما وأن تركيا والفصائل الموالية لها تسيطر على جزء من الطريق يمتد من وادي العقيب بالقرب من سراقب وحتى عين الحور في ريف إدلب الجنوبي الغربي، مرورًا بمدن أريحا وجسر الشغور. بالإضافة إلى الرغبة التركية في الجاهزية لنشر قواتها في أي وقت تضطر فيه لاحقًا إلى تنفيذ تعهداتها بإخراج الفصائل المسلحة من إدلب.

إجمالًا، يمكن القول إن الميدان السوري يشهد حراكًا محمومًا من مختلف الفاعلين لتثبيت ما تحقق لكل منهم من مكاسب خلال السنوات الماضية، والعمل على كسب مواقع جديدة تصلح لأن تكون أوراقًا تفاوضية مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي يُتوقع أن يكون الملف السوري في مقدمة الملفات التي تحظى باهتمامها في منطقة الشرق الأوسط التي لن تكون بؤرة اهتمامها الأولى، مع توقعات بتنسيق أمريكي روسي عند التطرق للملف السوري؛ لتقليص الحضور والتهديد الإيراني، ومكافحة داعش.

Scroll Up