منذ إعلان فوز جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأمريكية نوفمبر 2020، بدأت الدوائر السياسية السورية في دمشق اجتماعات مكثفة لبحث مستقبل البلاد بعد انتهاء عهد ترامب على ضوء اقتراب الذكرى العاشرة من اندلاع الحرب السورية مارس 2011.
إن تقييم ما وصلت اليه الحرب السورية اليوم يستلزم العودة إلى سنوات حكم الرئيس بشار الأسد الأولى، حينما تولى الحكم في 17 يوليو 2000، حيث اتضح للحليف قبل العدو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استغلت سنوات والده حافظ الأسد الأخيرة في التهام النفوذ السوري في لبنان إلى جانب اختراق الأراضي السورية، ومع رحيل الأسد الاب أصبحت سوريا هي الطرف الأضعف في معادلة تضم إيران كرئيس لمحور أطلق عليه محور الممانعة او المقاومة إلى جانب مسمى المحور الفارسي او الإيراني.
وفي العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، حاولت إدارة جورج بوش الابن ابعاد سوريا عن إيران، عبر رسائل دبلوماسية واضحة بأن ترك سوريا للمحور الفارسي سوف يجنبها سيناريوهات بشعة مثلما جرى للجار العراقي البعثي حينما غزت أمريكا وحلفائها بغداد في 9 ابريل 2003.
ولكن النظام السوري الذي يحكمه شبكات مصالح معقدة ما بين حزب البعث الاشتراكي ورجال أعمال الى جانب آل الأسد وآل مخلوف وحتى بعض النفوذ للطائفة العلوية، رفض فكرة الانصياع للرؤية الامريكية بالانفصال عن المشروع الإيراني.
ودخلت دمشق في لعبة النفس الطويل مع المجتمع الدولي والرئيس بوش الابن إضافة الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك فيما يتعلق بالملف اللبناني وتبعات اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام انتفاضة الاستقلال الثاني اللبنانية، حيث تمسكت سوريا بنفوذها في لبنان.
كما فتحت سوريا حدودها من لاستقبال عناصر الإسلام السياسي من أجل “الجهاد الإسلامي” داخل العراق المتاخم لحدود سوريا، وكانت رؤية دمشق في هذه اللعبة انه يجب إنهاك الغرب عموماً وأمريكا على وجه التحديد في المستنقع العراقي حتى لا تفكر في التمدد عسكرياً الى سوريا او لبنان.
وكانت آخر محاولة لإغراء سوريا البعثية بالابتعاد عن المحور الإيراني، هي جهود الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي لتدشين قوة ثالثة في الشرق الأوسط بعيداً عن ثنائية أمريكا وروسيا، وذلك عبر صناعة محور فرنسي يضم قطر وتركيا وسوريا ولبنان، رغم ان جهود ساركوزي لم تحظ برضا بوش الابن ولاحقا باراك أوباما، الا ان واشنطن في الحالتين كانت تنتظر بل وترسل رسائل إيجابية الى دمشق.
باريس ضغطت على الرئيس سعد الحريري لزيارة دمشق عقب تأليف وزارته اللبنانية الأولى، وهكذا فأن إعلام حزب المستقبل التابع لـ “آل الحريري” الذي صنف الرئيس الأسد الابن بانه القاتل الأول للحريري الاب، هو ذاته الإعلام الذي أجبر على تسويق زيارة سعد الحريري إلى بشار الأسد باعتبارها سياسة احتواء ووحدة للصف!
ولكن محاولة ساركوزي فشلت، على ضوء تعنت دمشق ومن خلفها طهران، ومع استقالة حكومة الحريري في يناير 2011، كانت قواعد اللعبة تختلف، حيث قرر الغرب تحريك قطر وتركيا بحق سوريا ولبنان، إلى جانب بعض العناصر الموالية للغرب في لبنان والأردن، وهكذا تمت صناعة اضطرابات درعا جنوب سوريا في مارس 2011 قبل تمويل انشقاقات الجيش السوري لتبدأ حرب عالمية مصغرة في الأراضي السورية، على ضوء التدخل العسكري الإيراني الواسع في سوريا منذ عام 2011 ثم روسيا عام 2015 بالإضافة لوجود قوات من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا في شمال شرق سوريا ومشاركة استراليا وكندا في غارات جوية على مناطق تنظيم داعش وصولاً الى احتلال تركيا الى مناطق في شمال سوريا ابرزها محافظة ادلب كاملة.
ولكن أهدأ سنوات الحرب السورية كانت سنوات دونالد ترامب الأربع، الذى حل بالبيت الأبيض مع سياسة” الاعتراف بالأمر الواقع” ومحاولة سحب جنود بلاده مما اسماه “حروب عبثية لا تنتهي”، حيث جرى الاتفاق مع روسيا على تقاسم النفوذ في إعادة لتقاسم المانيا عقب الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت سوريا الشرقية من نصيب الولايات المتحدة فارسل ترامب الجيش الأمريكي لهزيمة “داعش سوريا” شرقاً والسيطرة على منابع النفط السوري وإعادة الأمن للحدود السورية العراقية وفتح الطريق أمام الجيش السوري للسيطرة على الجنوب الشرقي ولاحقاً تقليم أظافر الوجود التركي شمال شرق سوريا واخيراً ضرب توسعات “جمهورية روج آفا” او قوات سوريا الديموقراطية التي تدير منطقة مستقلة شمال شرق سوريا، وهو ائتلاف ما بين قومية الكرد بكافة طوائفهم الدينية والقبائل العربية المنتشرة في الجزيرة السورية الى جانب بعض الأقليات الإيزيدية والاشورية.
وفى المقابل فأن أمريكا تركت روسيا تهيمن على سوريا الغربية، وتزيد من قواعدها العسكرية، وتقلم أظافر النفوذ التركي والإيراني غرب البلاد، مع انتهاء أدوار لبنان والأردن والعراق بحلول عام 2017 وانتهاء داعش سوريا، وان ظلت الميلشيات العراقية واللبنانية التابعة لإيران تعمل في البلاد حتى اليوم، الى جانب غارات إسرائيل على مناطق النفوذ الإيراني داخل سوريا.

حرب روسية إيرانية في سوريا


في سنوات ترامب بدأ بوتين في محو النفوذ التركي والإيراني، وإذا كان التفاهم مع رجب طيب اردوغان لا يستدعي إلا اجتماعا قصيرا في سوتشي الروسية، الا ان التفاهم مع إيران كان على الأراضي السورية.
وبحلول عام 2019 شهدت سوريا الغربية اشتباكات بين قوات حكومية سورية موالية لروسيا واخري حكومية موالية لإيران، حيث يقود القوات التابعة لروسيا العميد سهيل الحسن بينما يقود القوات الموالية لإيران ماهر الاسد شقيق الرئيس بشار الاسد.
يقود سهيل الحسن قوة نخبة النمر المؤلفة من 70 ألف مقاتل ينتمون الى الطائفة العلوية، وتقوم روسيا بغطاء جوي لهذه القوات التي اعادت بسط سيطرة الدولة السورية على حلب وحماه.
سهيل الحسن هو أقرب شخصية سورية لروسيا، والسوري الوحيد الحاصل اليوم على وسام الصداقة الروسية، وحينما زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوريا كان في استقباله اثنين، بشار الاسد وسهيل الحسن، وكان حضور الاسد مجرد حضور بروتوكولي
قوات سهيل الحسن سحقت قوات ماهر الاسد عام 2019، وتواصل القوات الحكومية المخترقة روسياً في عملية بسط نفوذ موسكو على حساب القوات الحكومة المخترقة ايرانياً والتي تنسق مع الميلشيات الإيرانية والعراقية والافغانية والباكستانية واليمنية والسورية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني في سوريا.

مأزق النظام البعثي


ومع تغيير رأس السلطة في واشنطن، تدرك دمشق أن سنوات التوتر مع أمريكا قادمة مرة أخرى، فإدارة بايدن هي امتداد لإدارة باراك أوباما التي صنعت وراعت قيام الحرب السورية، وتمتلئ إدارة بايدن بمستشارين أوباما الذين صاغوا مراحل الحرب في سنواتها الأولى، وتصريحات كامالا هاريس نائب الرئيس في حملتها الانتخابية اشارت الى عودة الدعم الأمريكي المسلح لما يسمى بالمعارضة السورية.
عودة رجالات أوباما الى البيت الأبيض يناير 2021 ليس التحدي الوحيد لدمشق، او حتى الصراع الإيراني الإسرائيلي على الأراضي السورية والاحتلال التركي غرباً والدويلة الكردية الاشورية العربية شرقاً او حتى الاحتلال الأمريكي في سوريا الشرقية، ولكن الصراع بين طهران وموسكو على تحويل دمشق الى “سوريا الفارسية” او “سوريا السوفيتية” هو الذى ارهق النظام السوري في العامين الأخيرين، سواء محاولات ايران نشر “التشييع على النمط الإيراني والافغاني” في دمشق ومحافظات الساحل السوري، او هيمنة روسيا على الطرق الرئيسية والعسكرية لمنع مشاريع مد انابيب للغاز القطري او الإيراني عبر العراق الى سوريا ومنها الى البحر المتوسط، حيث تدرك موسكو ان تلك المشاريع كانت واحدة من أسباب صناعة الحرب السورية من اجل ان ينافس الغاز القطري نظيره الروسي الى التصدير الى أوروبا بعيداً عن غاز شرق المتوسط الذى ينافس روسيا في المضمار ذاته اليوم.
وعلى ضوء المشهد المرتبك خرجت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 3 فبراير 2021 لتشير الى حدوث اتصالات بين حكومة بشار الأسد وإدارة جو بايدن، وان تلك الاتصالات لم تحظ بموافقة موسكو التي أرسلت مبعوثها الرسمي الى سوريا الدبلوماسي المحنك ألكسندر لافرينتييف الذي التقى الأسد سراً في دمشق لوضع خط احمر امام الاتصالات السورية الامريكية المفاجئة.
وللمفارقة فأن روسيا هي التي مهدت لتلك الاتصالات، عبر الترحيب على انفتاح سوريا على مبعوثي إدارة ترامب طيلة الفترة ما بين يناير 2017 ويناير 2021، كما ان قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية قد شهدت اجتماع نادر بين وفد من سوريا وآخر من إسرائيل وبحسب جريدة الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ 17 يناير 2021 فأن الوفد السوري ترأسه اللواء على مملوك مدير مكتب الامن الوطني السوري والمسؤول الأمني الأول في حكومة الأسد، بحضور قائد القوات الروسية في سوريا ألكسندر تشايكوف.
وإذا كانت موسكو هي التي فتحت الباب امام الاتصال السوري الإسرائيلي الا انها تفاجئت لاحقاً بخروج هذا الاتصال عن السيناريو الروسي، وذلك خلال الساعات القليلة الأخيرة.

سيناريوهات الحوار مع واشنطن وتل أبيب


وبعيداً عن غضب موسكو وصمت طهران حيال حوار دمشق مع واشنطن وتل أبيب، يبقى ان نرصد سيناريوهات هذا الحوار:
1 – جولة جديدة من المماطلة السورية: مجرد محاولة من دمشق لكسب الوقت والتهدئة كما فعلت مع بوش الابن عامي 2007 و2008، واوباما ما بين يناير 2009 ويناير 2011، ومع ساركوزي، دون رغبة حقيقة في الانفصال عن المحور الفارسي والتوقف عن دعم حزب الله وحركة حماس الفلسطينية والتواصل المباشر مع طهران.
في هذه الحالة فأن الولايات المتحدة الامريكية سوف تعيد تسليح المعارضة السورية المعتدلة الى جانب قوات سوريا الديموقراطية وربما يتم ابتكار “معارضة سورية جديدة” ليس عليها فواتير او مآخذ كما الحال مع كافة الفصائل السورية المشاركة في الحرب السورية طيلة عقد من الزمن.
كما ان تسليح الكرد واطلاق العنان لمشروعهم شمال شرق سوريا من اهم بنود رؤية إدارة بايدن للملف السوري، على ضوء تعيين بريت ماكجورك Brett McGurk في منصب مبعوث أمريكا للشرق الأوسط وشمال افريقيا، وهو دبلوماسي ذو باع طويل بالملف العراقي والسوري منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وعمل مع إدارات بوش الابن واوباما وترامب على حد سواء، ويطلق عليه المثقفين الاتراك الموالين لاردوغان لقب “لورانس الاكراد” على ضوء تعاونه الطويل مع كرد سوريا والعراق طيلة عقدين من الزمن وهو مرحب بالتعاون الأمريكي الكردي بكافة اشكاله.
2 – مفاوضات سورية أمريكية بموافقة إيرانية: تحظى إيران بمعاملة خاصة في حسابات إدارة جو بايدن، امتداداً لنفس الروى في سنوات باراك أوباما، ولا يستبعد ان يكون من ضمن أهداف التواصل الأمريكي الايران في الفترة المقبلة هو كبح جماح روسيا في المناطق التي تريد إيران ان يكون لها اليد العليا.
ان موسكو لم تفكر في تقليم أظافر النفوذ الإيراني في سوريا خاصة الساحل السوري فحسب، ولكن ايضاً خلال حرب 2020 بين أذربيجان وأرمينيا أيدت روسيا الجانب التركي نكاية في إيران، وصنعت أزمة حقيقية لإيران بأن أحيا التحالف الاذربيجاني التركي آمال الأقلية الآذرية شمال إيران في الثورة والتمرد على حكم طهران الى جانب “كارثية” وجود قوات حفظ سلام روسية على مرمى الحدود الأذربيجانية الإيرانية.

Scroll Up