عرض – محمود قاسم

تمكنت مصر خلال السنوات الماضية من تغيير قواعد اللعبة في منطقة شرق المتوسط، وذلك بفضل اكتشاف حقل ظهر عام 2015 كأكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في المنطقة، كما وضعت الدبلوماسية والجهود المصرية القاهرة كمحور مؤثر في كافة التفاعلات والتحركات في تلك المنطقة الغنية بالموارد الهيدروكربونية، ولم تقف حدود التأثير على السياسة الخارجية فحسب، بل امتد التأثير للداخل، خاصة بعدما نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي.                       

وفي هذا السياق، نشر “المعهد الايطالي للدراسات السياسية والدولية” ISPI تقريرًا بعنوان مصر.. الرهان الكبير على الطاقة، أكد من خلاله الطلب المتزايد على الطاقة في مصر، وذلك على خلفية الزيادة السكانية والنمو الاقتصادي، ما يمثل تحديًا كبيرًا يرتبط بالحفاظ على إمدادات الطاقة بصورة دائمة وموحدة لكافة المواطنين والأعمال التنموية والإنتاجية في الداخل. ومن هنا برز التوجه المصري في تطوير قطاع الطاقة لعدد من الأسباب أولها: أن قطاع الطاقة يمثل أكثر من 13٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وثانيًا: موقع مصر المميز في حوض البحر الأبيض المتوسط والذي يؤهلها لأن تصبح مركزًا لصادرات الطاقة من الغاز الطبيعي والكهرباء لأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، وصولًا لدول أوروبا.

تنمية الطاقة.. اتجاهات حاكمة

أشار الكاتب إلى أن توجهات الدولة المصرية لتطوير وتنمية الطاقة تدور وفقًا لرؤية استراتيجية تقوم على استغلال موارد الغاز الطبيعي والعمل على تعزيزها، بالإضافة إلى العمل على تنفيذ برنامج لتحويل الطاقة يركز بالأساس على الموارد المتجددة. وتسعى مصر من خلال تلك الرؤية إلى الوصول للهدف الأكبر والمتمثل في ضمان الاكتفاء الذاتي لمصر، وتحويلها إلى واحدة من أكبر مصدري الطاقة في المنطقة، وهو ما يضمن لها دورًا بارزًا في التغيرات الجيوسياسية المسيطرة على المشهد.

وقد ساعدت اكتشافات الغاز قبالة السواحل المصرية في تعزيز هذا التوجه، ومن بينها اكتشاف حقل “ظهر” والذي يقدر حجم الاحتياطي فيه بنحو 850 مليار متر مكعب. وقد دخل مرحلة الإنتاج منذ عام 2017 بمعدل يصل إلى 85 مليون متر مكعب يوميًا، أي ما يعادل 40٪ من إنتاج الغاز اليومي لمصر، بالإضافة لحقل “نورس” بمنطقة أبو ماضي الغربية بدلتا النيل باحتياطي يصل إلى120 مليار متر مكعب.

وقد انعكست تلك الاكتشافات على الوضع الداخلي لمصر من خلال دمجها في المشاريع الإنتاجية والتنموية للدولة، بعدما نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع الغاز بنهاية عام 2018، مما أدى إلى خفض تكاليف الطاقة للاستخدام الداخلي وبالتالي وقف الاستيراد المكلف من الغاز الطبيعي المسال – الذي وصل بين عامي 2017 و2018 إلى ما يُقدر بنحو 11 مليار متر مكعب، مع توفير حوالي 250 مليون دولار شهريًا. علاوة على ذلك سمحت تلك الاكتشافات بجعل مصر مُصدّرًا صافيًا للغاز الطبيعي.

سياسة خارجية استباقية

عملت مصر على تبني دبلوماسية نشطة من خلال تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، والذي اكتسب زخمًا كبيرًا على صعيد تطوير الإنتاج وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، خاصة بعدما أصبح المنتدى منظمة حكومية دولية في يناير 2020، والذي يهدف إلى تعزيز وتسهيل التكامل بين الدول الأعضاء، والاستفادة من البنية التحتية، والعمل على ضمان تأمين إمداد الغاز الطبيعي للدول الأعضاء، وتشكيل سوق إقليمي للغاز الطبيعي؛ بهدف تعزيز الصادرات بأسعار تنافسية إلى الاسواق الاستهلاكية وفي مقدمتها أوروبا.

وفي هذا الصدد تمتلك مصر مقومات تساعدها على قيادة وتولي زمام الأمور في المتوسط، من بينها حجم الاحتياطات في مناطقها الاقتصادية، وموقعها في منطقة المتوسط، وقربها من الحقول الإسرائيلية، علاوة على قدرتها على الاستفادة من البنية التحتية لتسييل الغاز ومن ثم تصديره في ظل امتلاك مصر لمحطتي دمياط وإدكو بطاقة إجمالية تزيد على 15 مليار متر مكعب سنويًا.

وعلى خلاف الغاز، يلعب النفط دورًا مهمًا من منظور محلي؛ إذ تهدف الاستثمارات الرئيسية إلى زيادة طاقة التكرير وتحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2023، في مواجهة الزيادة المستمرة في الاستهلاك المحلي.

ولدعم القطاعين، اتبعت الدولة المصرية سياسة خارجية استباقية من خلال تعزيز العلاقات مع إسرائيل واليونان وقبرص في ترسيم وإدارة المناطق الاقتصادية الخالصة، ومن ناحية أخرى تعزيز التعاون مع شركات الطاقة العالمية الكبري العاملة في مجال التنقيب عن الغاز في المتوسط، علاوة على تشكيل مجموعة من الشراكات التي ساهمت في دعم النشاط والتحركات الدبلوماسية المصرية.

استثمارات مستدامة

تركز استراتيجية الطاقة المصرية على عامل الاستدامة؛ إذ يمكن أن يؤدي استخدام الطاقة المتجددة إلى تغطية احتياجات الطاقة الداخلية بشكل دائم وخاصة للكهرباء، وبالتالي تجنب تكرار مراحل انقطاع التيار الكهربائي التي شهدتها مصر في مراحل سابقة، علاوة على خلق وظائف جديدة وتعزيز النمو الاقتصادي بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ومكافحة تغير المناخ. بالإضافة إلى ذلك، فإن إمكانات الإنتاج العالية التي تضمنها مصادر الطاقة المتجددة ستتيح لمصر أن يكون لديها فائض من الطاقة لإعادة طرحه في السوق، كجزء من مشروع محور الطاقة الإقليمي الذي تنفذه القاهرة.

وتحقيقًا لهذه الغاية، أطلقت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في عام 2015 “الاستراتيجية المتكاملة للطاقة المستدامة حتى عام 2035” ، والتي تهدف إلى تنويع وإعادة تحويل الطاقة، بحيث يصل من 8.5 إلى 20٪ من كمية الطاقة المنتجة من الطاقة المتجددة. بحلول عام 2022 و 42٪ بحلول عام 2035.

وقد تبدو هذه الأهداف طموحه للغاية، لكن المشاريع العديدة المكتملة أو في مرحلة التطوير تشير إلى آفاق مشجعة على المدى البعيد، والتي يقع معظمها في قطاعي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومن بين هذه المشاريع، حديقة بنبان للطاقة الشمسية التي تعد الأكبر في العالم بسعة تبلغ 1.8 جيجاوات، والتي ستعمل على تشغيل مليون منزل وتمنع انبعاث مليوني طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بالإضافة إلى محطة رأس غارب لتوليد الكهرباء من الرياح، وهي الأكبر في البلاد بقدرة تشغيلية كاملة تبلغ 262.5 ميجا وات، وتكفي 500 ألف منزل.

أما بالنسبة للغاز، فسيتم إعادة توزيع فائض الكهرباء الناتج عن مصادر الطاقة المتجددة في السوق الإقليمية، وذلك بفضل المشاريع الجديدة لتحديث شبكة الكهرباء المصرية ودمجها مع الدول المجاورة -ولا سيما ليبيا والمملكة العربية السعودية واليونان وقبرص- بإجمالي 5 جيجاوات. 

وتعتزم الحكومة المصرية تصدير الفائض من الكهرباء بنسبة 20٪ إلى الدول الأفريقية المجاورة. بالإضافة إلى الفوائد البيئية وفائض الطاقة، فإن الاستخدام الملموس للطاقة المتجددة سيضمن عائدًا كبيرًا من حيث التكاليف الاقتصادية والاجتماعية، ويقلل من تكاليف الطاقة وتأثير التلوث على صحة المواطنين والتكاليف الصحية ذات الصلة بقيمة تقديرية تبلغ 9 مليار مقارنة بخطة الطاقة الحالية.

وخلص الكاتب إلى أن موقع مصر الاستراتيجي في المتوسط والوصول المباشر لقناة السويس يمنحها مزايا ومكاسب هيكلية لتطوير قطاع الطاقة، إلا أن هناك عددًا من التحديات، من بينها: التحديات الاقتصادية الناجمة عن وباء كورونا، علاوة على استمرار المنافسة الجيوسياسية والتحركات التركية العدائية في المتوسط، خاصة في ظل مساعي أنقرة لأن تصبح مركزًا لنقل الطاقة بين آسيا وأوربا.

Scroll Up