اختتمت جلسات الحوار الوطني الفلسطيني التي استضافتها القاهرة يومي 8 و9 فبراير 2021، التي شملت 14 فصيلا فلسطينيا أبرزهم حركتي فتح وحماس.

لم يكن الحضور الفلسطيني في القاهرة مؤخرا هو الأول في تاريخ الدور المصري لتوحيد الانقسام بين الفلسطينيين، بل سبقه جلسات وجولات متعددة. وكان في كل مرة تحاول القيادة المصرية النفاذ إلى القضايا الجوهرية التي حسمت الانشقاق بين رام الله في الضفة الغربية وبين قطاع غزة؛ سعيا لحلحلتها ومن ثم استدامة الحل النهائي والمصالحة، كانت تنجح مصر في بادئ الامر ولكن لم تلبث الفصائل الفلسطينية إلا الحيد عن الاتفاق والعودة إلى المربع الأول.

لذا من الممكن أن يُثار السؤال في هذا السياق، ما الذي اختلف هذه المرة عن المرات السابقة التي اخذت ذات العنوان تقريبا “المصالحة الفلسطينية”؟

الانتخابات الفلسطينية وسط تغيرات الإقليم

شهد النظامان العربي والشرق الاوسطي أحداثا سياسية غاية في الأهمية بدءا من اتفاقات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل تحت رعاية إدارة دونالد ترامب الأمريكية (الامارات والبحرين والسودان والمغرب مع إسرائيل)، التي فتحت النافذة لتغيير بيئة التفاعل بين أطراف الشرق الأوسط، وإحداث أنواع مختلفة من التعاون الإقليمي على المستويات السياسية، والاقتصادية، والأمنية كذلك.

أما على المستوى الدولي، فعَقِبَ إدارة دونالد ترامب صعود إدارة أمريكية جديدة وهي إدارة جو بايدن تختلف في أدواتها وتكتيكاتها السياسية عن ترامب، التي أكدت على أولوية الأداة الدبلوماسية في سياستها الخارجية من أجل تحييد الصراعات خاصة في الشرق الأوسط، مما حفّز الأطراف في المنطقة إلى عقد اتصالات إقليمية للتباحث حول كيفية إدارة الأزمات في المنطقة.

ارتأت القيادة المصرية في القاهرة ضرورة التصرف بالكيفية التي تتلاءم مع توصيفات المشهدين الإقليمي والدولي السالف ذكرهما فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني، عبر ترتيب صف فلسطيني وطني موحد يلقى الشرعية الشعبية الفلسطينية ومن ثم تتحضر الشرعية الفلسطينية أمام الدبلوماسية الدولية وهي عقد مفاوضات جادة مع الإسرائيليين تحسم مبدأ “حل الدولتين”، وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية.

لذا بدأت مصر تتحرك بخطة تستهدف أولا عقد انتخابات فلسطينية من أجل تشكيل حكومة وطنية موحدة، تنتهي بالجلوس على طاولة المفاوضات.

دوافع وأهداف عقد الانتخابات

وجهت السلطة الفلسطينية في أكتوبر 2019 الدعوة إلى اجراء انتخابات فلسطينية تشريعية ورئاسية من أجل تجديد دماء الشرعية السياسية الممثلة عن الشارع الفلسطيني، ثم تجددت الدعوة في 2020؛ وتدخلت مصر لتنظيم الدعوة وعقد انتخابات نزيهة وناجحة، تحركها دوافع محددة، يمكن عرض أبرزها فيما يلي:

أولا: اتجاهات الرأي العام الفلسطيني السلبية: ظهرت اتجاهات رأي عام فلسطينية أخذت طابعا سلبيا منذ يوليو 2019: إذ يرى ثلاثة أرباع الفلسطينيين أن إسرائيل ستقضي على السلطة الفلسطينية، وتصفية حماس في غزة مما يجعل حل الدولتين سيناريو غير واقعي. فيما يرى النصف أن العمل المسلح هو الحل الأول لحل الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي، و57% يريدون استقالة الرئيس (حسب نتائج استطلاع الرأي العام يوليو 2019 الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث المسحية).

فيما كان يرى 78% من الفلسطينيين تخلي مصر عن القضية الفلسطينية بترحيبها اتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية. (استطلاع رأي سبتمبر 2020 الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث المسحية).

لذلك كان لزاما أمام مصر أن تتحرك في مسارات نوعية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تسعى لتصحيح الرؤية السلبية من الشارع الفلسطيني، كما تصحح مسار حل القضية الفلسطينية إيمانا بضرورة الحل السياسي السلمي على أساس حل الدولتين.

ثانيا: محاولة لبناء مؤسسات وطنية (الأمن والقضاء): تتمسك مصر بمبادئ ثابتة في سياستها الخارجية يمنح تفسيرا مناسبا لسلوكها السياسي، أحد هذه المبادئ هو إيمانها بالمؤسسات الوطنية التي تعبر عن تماسك الدولة. لذلك يمكن القول إن مصر واتت الفرصة بعقد جلسات حوار فلسطينية وطنية تسهم في منح الشرعية لمؤسسات محددة وهي المؤسسات الأمنية والقضائية. ويستدل على ذلك تصميم مصر والفلسطينيين على تأمين الانتخابات بشرطة فلسطينية وطنية وتحييد فكرة الشرطة الأوروبية (كما يظهر في البيان الختامي)، وينصرف الامر على الهيئات القضائية التي ستضمن نزاهة الانتخابات بحيادية تامة دون تأثر حزبي. فحسب البيان تشكل محكمة قضايا الانتخابات، بالتوافق من قضاة من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتتولى هذه المحكمة حصرا دون غيرها من الجهات القضائية

ثالثا: استحضار الشرعية: اعتمدت مصر في تنظيمها الحوار الفلسطيني عدم الاقصاء، فتمت دعوة الفصائل التي تحمل ثقلا سياسيا في الشارع الفلسطيني، وتؤمن بأولوية الحوار والحل السلمي؛ تمهيدا لعقد انتخابات تفصح عن تشكيل حكومة وطنية موحدة تحفظ القوة السياسية للجميع، بما فيهم المعتقلين في السجون الإسرائيلية. لذلك تعد الانتخابات الإطار الشرعي الوحيد حاليا أمام كل من يرغب في الدخول في المشهد والاعتراف بشرعيته، وهو ما يمنح رسالة إلى إسرائيل والمجتمع الدولي أن انضواء حماس والمعتقلين الذين تسمهم إسرائيل “إرهابيين” هو رسالة سلام تبعث على تصحيح الصورة، وربما ذلك يفسر موافقة حماس على عقد الانتخابات.

تذليل المعوقات

أشار البيان الختامي في البند الثالث إلى “التأكيد على دعم الانتخابات المركزية والعمل على تذليل أية معوقات تواجهها، كي تتمكن من القيام بمهامها على أكمل وجه.”

وفيما يتعلق بالمعوقات المحتملة التي أشار إليها البيان، هي:

أولا: احتمال اجراء انتخابات في القدس الشرقية من عدمه: لا تنظر إسرائيل إلى الزخم السياسي الفلسطيني الذي تحركه الانتخابات العامة بعين الرضا، خاصة فكرة إقامتها في القدس الشرقية التي تدخل ضمن نطاق التهويد عبر إقامة المستوطنات ونقل المجتمعات الحريدية إليها تمهيدا لضمها للقدس الغربية وإعلانها عاصمة مستقلة، خاصة أن التوجه أصبح مركز صياغة السياسات في الحكومات الإسرائيلية لضمان بقائها واستمرار شرعياتها. لذلك من المحتمل بقوة أن ترفض إسرائيل إقامة الانتخابات في القدس الشرقية.

ويمكن تقييم هذا السيناريو بالإشارة إلى تزامن الانتخابات الفلسطينية مع الانتخابات الإسرائيلية، التي تشهد فرصا كبيرة للمعسكر اليميني الذي يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية.

ولكن رفض إسرائيل سيعرضها لحرج أمام المجتمع الدولي لا سيما وأن إسرائيل تعلن في كل موقف أنها تبحث عن شريك فلسطيني جاد يرفض العمل المسلح، وهو ما تسمح به مستجدات الحوار الوطني الفلسطيني.

ثانيا: إطلاق سراح المعتقلين: ربما تستمر إسرائيل في تصنيف المعتقلين في سجونها بصفة إرهابية مما قد يشكل تعارضا معها وفكرة دمجهم، وبالأخص النواب، في أفق سياسي فلسطيني. وهو ما دفع الأطراف في صياغة بيان ختامي يشدد على ضمان دمج المعتقلين في المجال السياسي.

ثالثا: الاعتراف بنتائج الانتخابات: يبدو من البيان الختامي ومن مستهدفات مصر والفلسطينيين من نتائج الحوار الوطني أن الحكومة القادمة سترسم طبيعة المشهد الفلسطيني ككل وتقديرات موازين القوى للفصائل الفلسطينية بشكل عام، لذا يمكن القول إن نتائج الانتخابات ستكون مفصلية للبعض واقصائية للبعض الآخر وهو ما قد يعرضها للفشل في حال عدم الاعتراف بها، سيما وأن المشهد لا ينعزل عن تأثيرات القوى الخارجية في الإقليم التي ترى فيها مساحات نفوذ وتمدد إقليمي.

رابعا: تشكيل لجنة المصالحة: حسب البيان الختامي سيتم تشكيل لجنة بالتوافق مع الفصائل ترفع تقاريرها للحكومة المشكلة، وستبحث إفرازات الانقسام بكل جوانبه الإنسانية والاجتماعية والوظيفية والقانونية، على أسس وطنية شاملة وعادلة وخالية من كل مظاهر التميز الجغرافي والسياسي. يمكن فهم انفصال اللجنة عن الحكومة المستقبلية في أنه لا يمكن وضع تصور دقيق لطبيعة الحكومة، التي يمكن ان تكون حكومة وحدة بين الفصائل، أو تكنوقراط، أو حكومة من حزب واحد؛ لذا على اللجنة أن يتم تشكيلها بطابع سياسي يتلاءم من طبيعة المشهد.

ختاما، يمكن القول إن الانتخابات مثلت فرصة غير تقليدية لاختراق الانقسام طويل الأمد بين الفلسطينيين، ويرتهن الموقف باستكمال الإرادة الفلسطينية التي حضرت في القاهرة بعودتها إلى فلسطين. ولا يمثل المشهد الانتخابي إلى فصل مبدئي في سلسلة من التحركات التي تنتهي بعقد المفاوضات مع إسرائيل.