لم يكد يمر زهاء أربع سنوات على التعديل الدستوري الأخير في تركيا، الذي تم تمريره بأغلبية بسيطة تقدر بـ 51.41% في الاستفتاء الذي جرى يوم الأحد 16 أبريل 2017 على 18 تعديلًا كان أبرزها تحويل البلاد إلى النظام الرئاسي وتوسيع صلاحيات الرئيس لتشمل: قيادة الجيش وتعيين نوابه والوزراء وإقالتهم وإعلان حالة الطوارئ وعرض الميزانية العامة على البرلمان، وإلغاء منصب رئيس الوزراء، ورفع عدد المقاعد في البرلمان إلى 600 واحتفاظ رئيس الدولة بصفته الحزبية، وإلغاء المحاكم العسكرية، وعدم جواز الجمع بين منصب نيابي ووزاري في ذات الوقت، وغيرها من التعديلات التي هدفت بالأساس إلى تعزيز صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتركيز السلطة بشكل أكبر في يده، حتى أفصح في الأول من فبراير عن نيته كتابة دستور جديد للبلاد، خلال كلمة أعقبت اجتماعه بمجلس الوزراء.

وسارع حلفاؤه ومناصروه للترحيب بتلك الدعوة؛ ففي اليوم التالي للدعوة قال زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي في بيان: “من الواضح أن تركيا بحاجة إلى دستور جديد، وإن هدف ومنظور وفكر حزب الحركة القومية يصبّ في هذا الاتجاه”. وفي وقت لاحق، قال وزير العدل عبد الحميد غول إن تأكيد أردوغان على دستور جديد بشرى باعثة للحماسة للجميع وسيكون أثمن إرث نتركه لمستقبلنا وأطفالنا”. 

في المقابل، عدّت المعارضة دعوة أردوغان “بمثابة عملية تحريف وطمس ورهن للأجندة السياسية الرئيسية للبلاد”، بالإفلاس و”ضربة استباقية للديمقراطية”، ومحاولة لتوسيع صلاحياته وترسيخ حكمه، ومناورة لتجنب الحديث عن مشاكل الفلاحين والتجار، ومحاولة إلهاء الشعب عن المشكلات الاقتصادية بدلًا من إيجاد حلول لها.

دوافع إعادة كتابة الدستور التركي

الحديث عن صياغة دستور جديد لتركيا بعيدًا عن تلك التي كتبت خلال العهد العسكري، وآخرها دستور 1982 المعمول بيه حاليًا، ليس بجديد، فقد سبق تكراره مرارًا على مدار الـ 15 عامًا التي سيطر فيها حزب العدالة والتنمية على مقاليد الحكم، رغبة منهم في ترسيخ وضعهم الجديد وقطع الصلة تمامًا بإرث الماضي الأليم بالنسبة لهم. لكن على مدار السنوات الماضية اكتفى نظام العدالة والتنمية بإجراء تعديلات دستورية في أعوام 2007 و2010 و2017 –كلها جاءت بدعوى تحييد الجيش وتعزيز الديمقراطية والحريات وتهيئة تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي- رغم مطالبات الأطراف الديمقراطية والليبرالية بتغيير الدستور، ليصل إجمالي المواد المعدلة منذ وضع الدستور حتى الآن 80 من أصل إجمالي 167 مادة، بما في ذلك المواد المؤقتة، حتى جاءت دعوة كتابة دستور جديد للبلاد في 1 فبراير 2021. فما الذي تغير هذه المرة؟  

• مناورة لإلهاء الأتراك: عبر خلق عدو وهمي؛ إذ يحاول أردوغان صرف انتباه المواطنين بعيدًا عن مسؤوليته وحكومته عن التردي غير المسبوق للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد والتي عززت منها جائحة كورونا، بتحميل الفشل لعدو غير مباشر ولا موجود، بقوله “من الواضح أنه في صلب مشاكل تركيا دساتير صاغها انقلابيون منذ التسعينات”، وبالتالي تنصرف البلاد لمحاربة عدو وهمي متجاهلة معالجة الأوضاع والأسباب الحقيقة التي أفضت لهذا التدهور، والتي كان على رأسها إسناد مهمة إدارة الاقتصاد لأهل الثقة لا الكفاءة.

فقد أسند أردوغان وزارة المالية لصهره بيرات البيراق قبل أن يستقيل في نوفمبر الماضي، فضلًا عن تدخله في السياسة المصرفية وتبنيه منهجًا غير علمي بتخفيض أسعار الفائدة تسع مرات متتالية أملًا في خفض معدل التضخم، بالمخالفة لكافة النظريات الاقتصادية، وكنتيجة لذلك قفزت البطالة وارتفع التضخم إلى 15% بعد أن سجلت الليرة أدنى مستوياتها القياسية المتتالية مقابل الدولار العام الماضي.

• إعادة حشد أنصاره: تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها شركة “متروبول” ومقرها أنقرة، تراجع شعبية التحالف الحاكم (حزب العدالة والتنمية وحليفة اليميني المتطرف حزب الحركة القومية) إلى 39.6%، مقابل 48.3% لصالح تحالف الأمة المعارض. وأظهر مسح أجرته شركة “Rawest Research”، فقدان حزب العدالة والتنمية أرضه أمام أحزاب المعارضة في المحافظات التي يسكنها الأكراد، فقد انصرف 25 من أصل 100 شخص صوتوا لحزب العدالة والتنمية في 2018 عن تأييد الحزب. 

وتثير تلك المؤشرات مخاوف الائتلاف الحاكم من فقدان الأغلبية في الانتخابات المقبلة، ويعززها الهزيمة التي مني بها أردوغان في الانتخابات البلدية 2019 بعد خسارة المدن الرئيسية وأهمها إسطنبول وأنقرة التي سيطر عليهما الإسلاميون المحافظون منذ ربع قرن. 

علاوة على ذلك، تصاعد السخط ضد النظام بين الطلاب الذين خرجوا بآلاف إلى الشوارع في احتجاجات متواصلة على مدار الأيام الماضية تنديدًا بتعين أحد الموالين لحزب العدالة والتنمية رئيسًا لجامعة بوغازيجي، أبرز مؤسسات التعليم العالي في تركيا، واصفين إياه بأنه هجوم مباشر على استقلال الجامعة العلمانية التقليدية. وسادت حالة من الغضب الشعبي الحاد بعد اعتقال 150 طالبًا، وإصدار الادعاء العام مذكرات توقيف بحق 294 شخصًا (بينهم 292 عسكريًا حاليًا أو سابقًا) في 42 ولاية بحجة دعم حركة “الخدمة” التابعة لفتح الله جولن الذي يتهمه أردوغان بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة 2016.

وعليه، قد يمهد الدستور الجديد طريقًا أسهل لأردوغان وحزبه للبقاء في السلطة متفادين رفضًا شعبيًا محتملًا خلال الانتخابات المقبلة، وقد يسمح تنظيم استفتاء دستوري للنظام بحشد قواعده الانتخابية، فضلًا عن أن نتائجه ستعطي مؤشرًا على حجم التأييد الذي يتمتع به النظام وبالتالي احتمالات بقاؤه.

• سحب ورقة الدستور الرابحة من أيدي المعارضة: تصاعدت في الآونة الأخيرة دعوات أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري لإجراء تعديل دستوري يستهدف بالأساس العودة للنظام البرلماني بعدما ثبت فشل النظام الرئاسي المعمول به منذ انتخابات 2018 الرئاسية التي فاز بها أردوغان. 

وفي أواخر يناير، وضع عليْ باباجان زعيم حزب الديمقراطية والتقدم المنشق عن حزب العدالة والتنمية يده في يد كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، معلنين مسعاهم لتشكيل لجنة دستورية مشتركة للانتقال إلى نظام برلماني مع وضع دستور جديد، وقد أحدث إعلانهما دفقة داخل أجنحة المعارضة بما في ذلك حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. 

وعليه، أراد أردوغان القفز على تلك الخطوات واستباق كل الجهود المبذولة لتوحيد المعارضة على هذا الهدف، خاصة أن البعض كان يتوقع لجوء النظام لهذا الخيار لكن في مرحلة لاحقة. ويبدو أن الرئيس التركي قلق من تكرار استراتيجية “الأصدقاء” التي اعتمدها كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري خلال الانتخابات البلدية 2019، عبر التحالف مع حزب الخير، وحزب السعادة، وحزب الشعوب الديمقراطي، خاصة مع إمكانية توسيع التحالف لشمل حزب المستقبل وحزب الديمقراطية والتقدم.

• تراجع هيمنة الدولة العميقة: غالبًا ما يقصد بالدولة العميقة التركية طبقة العسكريين والتي لها الحق بموجب الدستور المعمول به حاليًا التدخل لإعادة الدولة إلى مسارها الصحيح. لكن منذ الانقلاب الفاشل في 2016، كرس أردوغان جهوده لتطهير الجيش وإضعافه وإخضاعه لهيمنته عبر عزل الكفاءات وتعيين موالين له. وبحلول يناير 2019، كان قد تم فصل 15 ألفًا و213 من عناصر القوات المسلحة، بينهم جنرالات وضباط برتب كبيرة، والتحقيق مع 6 آلاف و838 ضابطًا، وعقب التدخل السافر في ليبيا، أطاح أردوغان بـ 30 جنرالًا من قادة الجيش، وبالمقابل ترقية صغار الضباط وتعيين الموالين بغض النظر عن ضعف خبراتهم وكفاءتهم العسكرية، وهو ما أضعف المؤسسة العسكرية، وقلص احتمالات معارضتها لتلك الخطوة. 

التعديلات المتوقعة وأهدافها

حتى الآن ليس معروفًا محتوى الدستور الذي يريده أردوغان وبهجلي، المعروف فقط ما لا يريدون تعديله؛ ففي اجتماعات حزبية مغلقة، تحدث أردوغان عن خطين أحمرين؛ “النظام الرئاسي” و”الطبيعة الموحدة المركزية للدولة”. وهذا يعني أن جوهر الدستور الحالي سيظل كما هو، بما في ذلك التأكيد على التركية كلغة رسمية للبلاد و”قومية أتاتورك” كأيديولوجيا تأسيسية، أي الحفاظ على المواد الأربع الأولى من الدستور التي تتضمن الأسس العامة لتركيا، وتشير لهوية الدولة بأنها “دولة قانون ديمقراطية وعلمانية واجتماعية” وللحقوق السيادية للامة التركية ولأجهزة الدولة الدستورية، وهي مواد يمنع الدستور الحالي أي تعديل لها.

• تعزيز حكم العدالة والتنمية: أيًا كان شكل الدستور الجديد المقترح إلا أنه بلا شك سيصب في صالح ترسيخ حكم العدالة والتنمية وتقوية موقع أردوغان، الذي لا يريد ترك السلطة بحلول انتخابات 2023. وفي هذا الصدد، يتوقع البعض أن تنص مواد الدستور الجديد على فوز المرشح الرئاسي الحاصل على أعلى الأصوات ضمن جولة انتخابية واحدة، خلافًا للمعمول به حاليًا من ضرورة حصول الفائز على “50% +1” من الأصوات، والدخول في جولة ثانية حال لم يستطع المرشح تحقيق النسبة المقررة من الجولة الأولى. كما يُتوقع وضع عقبات أمام مشاركة الأحزاب الجديدة في الانتخابات، بغرض التضييق على الأحزاب التي شكلها حلفائه السابقين المنشقون وعلى رأسهم أحمد داود أوغلو وعليْ باباجان.

ويجادل البعض بأن أردوغان قد يأخذ من الدستور الجديد ذريعة للبقاء في السلطة لفترتين رئاسيتين جديدتين باعتبار أن الانتخابات ستجري بناء على دستور جديد وهنا لا يعتد بالفترات الرئاسية التي تسبقه، لكن النائب عن حزب الخير آيطون تشيراي أكد أن الأمر لن يكون دستوريًا ما لم يتم النص عليه صراحة في الدستور الجديد، مستشهدًا بعدم تعديل المادة 101 المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية في استفتاء 2017.

• إعادة هيكلة النظام القضائي: بما في ذلك المحاكم العليا وعلى رأسها المحكمة الدستورية، كونها يُمكن أن تمثل عقبة في طريق طموحات أردوغان السياسية وتهديدًا لمستقبله السياسي، حيث تجعلها صلاحياتها صاحبة القرار الأعلى في مختلف التحولات الجوهرية في البلاد؛ فمن حقها مراجعة أي عرض لتغيير الدستور والبت في دستورية القوانين والمراسيم التي يوافق عليها البرلمان والتحقيق في القضايا التي تُثار حول رئيس الجمهورية ونائبة وأعضاء مجلس الوزراء والقضاء في المحاكم العليا، وتتمتع حاليًا باستقلالية نسبية كون قضاتها يأتون بترشيحات من مؤسسات أخرى كمحكمة النقض العليا ومجلس الدولة ومجلس التعليم العالي وإن كان يعينهم أردوغان. 

لكن الرئيس التركي لا يألو جهدًا لإحكام قبضته عليها، وكان آخرها تعيين عرفان فيدان المعروف بعلاقته الوثيقة مع حزب العدالة والتنمية عضوًا في المحكمة، ليصل إجمالي الأعضاء الموالين له المعينين في المحكمة 7 من أصل 16. وقد يسعى أردوغان عبر الدستور الجديد لتقويض صلاحيات المحكمة وتوسيع دوره في اختيار أعضائها، لترسيخ الوصاية الرئاسية المفروضة عليها، وهو ما يستشف من تصريحات سابقة لبهجلي يدعو فيها لتعديلات دستورية تقضي بأن “تكون المحكمة الدستورية متوافقة مع نظام الحكم الرئاسي”.

• إزاحة الأكراد من المشهد السياسي: يتوقع أغلب المحللين أن يتضمن الدستور الجديد مادة تحظر حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، ويوحي بذلك قول أردوغان إن “صياغة دستور ليست عملاً يمكن القيام به في الخفاء وتحت ظلّ الفئات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، ومع أسماءٍ عقولُهم وقلوبهم منفصلة عن وطنهم”، قاصدًا بالطبع حزب العمال الكردستاني. كما يؤكد ذلك مجيء دعوة أردوغان بعد أسابيع من اقتراح دولت بهجلي إجراء تعديلات دستورية لحظر حزب الشعوب الديمقراطي بدعوى نزعاته الانفصالية وصلاته المزعومة بحزب العمال الكردستاني المحظور في البلاد، وهو أمر نفاه الحزب مرارًا. 

وفي هذا الصدد يعتزم أردوغان إجراء تعديلات بقانون الأحزاب السياسية والقوانين المنظمة للعملية الانتخابية، للتضييق على الأحزاب المعارضة وبالأخص حزب الشعوب، عبر إضافة مادة تنص على “حرمان الأحزاب السياسية التي لها صلة بالإرهاب من المخصصات المالية”، وإضافة النص للدستور الجديد، وهو ما سيتأثر به حزب الشعوب، الذي تبلغ ميزانيته عام 2021 ما يقدر بـ 57 مليونًا و550 ألف ليرة، يليه بشكل غير مباشر حزب الشعب الجمهوري. 

ومنذ يناير، تثار أقاويل بشأن عزم الائتلاف الحاكم اتخاذ إجراءات لغلق حزب الشعوب الديمقراطي، استنادًا للمادة 68 من الدستور التي تنص على أنه “لا يحق للأحزاب السياسية التشجيع على ارتكاب جرائم”، حيث يتهم النظام الحزب بالتشجيع على العنف، لمشاركته بالاحتجاجات التي اندلعت يومي 6 و7 أكتوبر 2014، للتضامن مع أكراد سوريا بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينة عين العرب السورية ومقتل 37 شخصًا. 

وعزز من غضب النظام على الحزب الكردي رفضه التوقيع في بيان برلماني يدين العقوبات الأمريكية على تركيا. ولا شك أن نجاح الحزب في انتزاع 63 بلدية خلال انتخابات 2019 (استولت الحكومة على 51 منها) أثار مخاوف أردوغان من تصاعد شعبية الحزب بين الأتراك وإمكانية حصده عدد أكبر من الأصوات في الانتخابات المقبلة (ممثل حاليًا بـ 65 نائبًا).

• تحييد دور الجيش في العملية السياسية: برغم حملة التطهير التي نفذها أردوغان بحق الجيش –والتي أشرنا لها سلفًا -لا يزال مرتابًا من حدوث انقلاب ضده مع انهيار شعبيته داخليًا وتصاعد سياساته العدوانية في الخارج. وقد أرجعت عدة دراسات لمراكز أبحاث أمريكية مقربة من البنتاجون إقحام أردوغان للجيش في حروب خارجية إلى الرغبة في إلهائه وإضعافه خوفًا من أي انقلاب محتمل، وهو ما قاله أحمد داود أوغلو حول احتمال فرض وصاية على الحكم في تركيا نتيجة سياسات أردوغان الخاطئة. وفي هذا الصدد، من غير المستبعد أن ينطوي الدستور الجديد على إحداث تغيرات جذرية في دور وصلاحيات الجيش.

• تقنين انتهاكات حقوق الإنسان: حتى الآن لم يرد ذكر لمقترحات تتعلق بتوسيع الحقوق والحريات في الدستور الجديد، بالمقابل، قد يرمي أردوغان إلى التنصل من التزاماته الدستورية والقانونية بإعادة النظر في القوانين التي تُلزم الحكومة بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وهو في هذا الشأن يريد تفادي تكرار حكم المحكمة الأوروبية الذي طالبه بالإفراج عن عثمان كافالا وصلاح الدين دميرطاش.

وتاريخيًا، شهدت الجمهورية التركية أربعة دساتير؛ الأول عام 1921، ولم يستمر سوى ثلاث سنوات حيث جرى كتابة دستور جديد بعد حرب الاستقلال عام 1924، وصاغت الحكومة التي جاءت عقب انقلاب عام 1960 دستور 1961، الذي استمر حتى انقلاب عام 1980، الذي وضع دستور 1982، المعمول به حتى الآن، والذي خضع لـ 19 تعديلًا، آخرها عام 2017. 

أبرز التحديات أمام تعديل الدستور

لم يكن الإعلان عن نية كتابة دستور جديد للبلاد مفاجئًا، فقد جرى الإعداد له مسبقًا عبر ثلاث جلسات خاصة بين أردوغان وبهجلي خلال يناير الماضي، وعلى الرغم من أن الرجلين لم يفصحا عن محتوى المحادثات، إلا أن مصادر إعلامية كشفت أن عملية تغيير الدستور كانت في القلب منها. لكن هل الطريق ممهد أمام تحقيق مسعاهما؟ الإجابة لا. ويرجع ذلك إلى الآتي:

• صعوبة تمرير التعديلات من خلال البرلمان: يتطلب إقرار الدستور الجديد المزعوم اتباع أحد طريقين؛ إما الموافقة عليه بأغلبية الثلثين في البرلمان أي بواقع 400 صوت من أصل 600 هو العدد الإجمالي للنواب، أو عرضه على الاستفتاء الشعبي بعد موافقة أكثر من 60% من أعضاء البرلمان أي 367 صوتًا، وفي الحالتين لن يتمكن الائتلاف الحاكم وحده بلوغ أي من النسبتين، حيث يمتلك حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية 337 مقعدًا فقط(289 للأول و48 للثاني)، وهو ما يتطلب إقناع أحزاب المعارضة، فعلى سبيل المثال يحتاجون على الأقل جميع أصوات أعضاء حزب الخير، الذي تتزعمه ميرال أكشنار. 

ومع ذلك، يجادل البعض ومنهم الكاتب يافوز بيدر بأن تلك ليست مهمة مستحيلة، إذ توفر الثقافة السياسية في تركيا مجال للترتيبات النفعية السرية، كما أن المناخ السياسي ملوث بمزيج من الإسلاموية والقومية، متوقعًا أن يلعب أردوغان على هذه الاتجاهات ويواصل دق إسفين داخل المعارضة، واللجوء للحشد الديني والقومي لاجتذاب الطيف السياسي المحافظ بأكمله.

• توحد قوى المعارضة: يبدو أن أردوغان خدم خصومه عن غير قصد، فدعوته لدستور جديد أضافت نقطة جديدة لرصيد وحدة معارضيه، الذين انخرطوا في محادثات ونقاشات عقب تصريحاته؛ إذ عقد كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري اجتماعًا مع رئيس حزب السعادة المحافظ تِمِل كارامولا أوغلو. كما تواصل مع رئيسة حزب الخير ميرال أكشنار، ورئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو، ومنظمات غير الحكومية وغيرها، للاتفاق على خطة لمواجهة “دستور أردوغان الجديد”. وأيضًا، استقبلت أكشنار، علي باباجان رئيس حزب الديمقراطية والتقدم. 

وتبحث اللقاءات جميعها الاستعدادات لطرح برنامج رامٍ إلى العودة إلى النظام البرلماني. وفي هذا السياق، أكد كليتشدار أوغلو “أن تركيا بحاجة إلى نظام برلماني معزز ببرلمان قوي ورئيس وزراء، بالإضافة إلى تنفيذ فعال لمبدأ فصل السلطات”، بينما أفاد كارامولا أوغلو بأن رؤية حزبه بشأن النظام البرلماني المعزز ستكون جاهزة للإعلان عنها في الأيام المقبلة، الأمر نفسه كشفته ميرال أكشنار التي قالت إن حزبها سينشر قريبًا دراسة بشأن مشروع النظام البرلماني، مشددة على أن المعارضة تتفق على أفضلية الديمقراطية البرلمانية.

وتثور مخاوف في هذا الإطار، من استخدام الورقة الكردية لشق صفوف المعارضة، عبر طرح مواد تتعلق بحقوق الأكراد ومستقبل حزب الشعوب الديمقراطي، وتكون الأحزاب المعارضة مرغمة على اتخاذ موقف بشأنها في إطار الدفاع رفض صياغة دستور جديد، ومن ثم تصنيفها بانها مدافعة عن أو مناوئة لتركيا، والصاق تهم الإرهاب لها، حيث تصنف أنقرة حزب العمال الكردستاني “إرهابي”، وتعتبر حزب الشعوب الديمقراطي الواجهة السياسية له. وعادةً ما يستخدم النظام التركي هذا التكتيك لتحييد المعارضة.

• تراجع التأييد الدولي: لا شك أن مزيدًا من التضييق على الحريات من شأنه أن يواجه باعتراض حلفاء أنقرة الغربيين ويضاف إلى أجندة مثقلة بالقضايا الخلافية، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على أنقرة، والتباعد المحتمل مع واشنطن في ظل إدارة بايدن، فحتى الآن لم يتمكن الرئيس التركي من فتح قناة اتصال مع بايدن، سوى المكالمة الهاتفية بين المتحدث باسمه إبراهيم كالين ومستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان. ويبدو أن استخدام أردوغان تعبيرات مثل “الدستور المدني” و”التخلص من نص عفا عليه الزمن فرضه الجيش”، يهدف إلى إقناع الغرب -خاصة قادة الاتحاد الأوروبي -بأنه ينوي العودة إلى صيغة ديمقراطية. 

ختامًا، يتضح أن الخطوة المقبل عليها النظام التركي تهدف إلى مزيد من إضعاف مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية والعسكرية، وتحييد المعارضة، وصولًا إلى نظام رئاسي أقوى يكون فيه للرئيس الحالي أردوغان دورًا محوريًا يمتد لما بعد عام 2023. كما أنها حلقة جديدة في سلسلة الصراع مع المعارضة تحت غطاء الديمقراطية.

Scroll Up