انتهت الجولات الانتخابية ضمن أعمال ملتقى الحوار السياسي الليبي (5 فبراير) بانتخاب السلطة التنفيذية الموحدة، ليصبح “محمد المنفي” رئيسًا للمجلس الرئاسي، وينوب معه كل من “عبد الله اللافي” و”موسى الكوني”. وحصد رجل الأعمال “عبد الحميد دبيبة” منصب رئيس الوزراء. 

وتتعدد الملفات العاجلة التي يتوجب على السلطة الجديدة التعاطي معها كأولوية؛ لإنجاز المهام المسندة إليها، وفي مقدمتها إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نهاية العام الجاري، وفقًا لخارطة الطريق المُعتمدة من لجنة الحوار. فما المهام التي ستتصدر أولويات السلطة الجديدة؟ وهل ستنجح في تجاوز الإشكاليات المُركبة المرتبطة بها؟ وما الذي يجعل المسرح الليبي مُرشحًا للتأزم رغم الاختراق الجاري؟ وهو ما سنسعى للإجابة عنه.

مهام مٌعقدة

تشير الحالة الليبية إلى أنه رغم التفاؤل والدعم المُكثف لإنجاح مسار التسوية السياسية للأزمة، وتجاوز الحوار السياسي تعثره بانتخاب سلطة تنفيذية موحدة جديدة، إلا أن كافة المؤشرات تؤكد أن السلطة الوليدة لديها مهام بالغة التعقيد؛ فهي منوطة بالوصول لاتفاق سريع حول تشكيل حكومة وحدة وطنية وبرنامج عملها، ثم التوجه بهما كحزمة واحدة لنيل الثقة والاعتماد من مجلس النواب، في غضون ثلاثة أسابيع لكل خطوة، أو العودة بهما إلى لجنة الحوار السياسي مجددًا. وإذا تم اعتماد البرنامج ومنح الثقة للحكومة، سيصبح المجلس الرئاسي الجديد وحكومة الوحدة الوطنية مطالبين بفتح ملفات لم تستطع سابقتها الاقتراب منها لسنوات، خلال (10) أشهر فقط.

فالسلطة التنفيذية الجديدة مُكلفة بإدارة مجتمع عانى من حروب وصراعات داخلية امتدت لعِقد من الزمن، والتعاطي مع مدن ومناطق تم تهميشها وإهمالها لفترات طويلة، وأخرى عانت من ويلات التهجير والعدوان، ليكون أول أدوارها إطلاق مسار للمصالحة الوطنية الشاملة. وهو ما سيتزامن مع إدارة اتصالات متوازنة مع كافة القوى السياسية المتنافسة، لاختيار شاغلين جدد للمناصب السيادية، بما يقود لتوحيد مؤسسات الدولة المُقسمة، فضلًا عن إنهاء الاستقطاب الدائر بين مكونات الشعب الليبي. 

وسيكون عليها أيضًا تحييد التدخلات الخارجية وتأثيراتها العاصفة بكيان الدولة الوطنية. فرغم تغلغل الفواعل الخارجيين بالأزمة، سيتوجب على السلطة الانتقالية إدارة دفة البلاد بمنأى عن تجاذبات الساحة الدولية والإقليمية. واستكمال استحقاقات اللجنة العسكرية (5+5) كفتح الطرق ونزع الألغام، ومعالجة المشهد الأمني والعسكري المُعقد، بعد أن تعددت الولاءات وأصبحت المليشيات والمجموعات المسلحة مسيطرة على أغلب المؤسسات، بالإضافة إلى إخراج آلاف المرتزقة الأجانب من البلاد.

الاتفاق على تشكيلة وبرنامج الحكومة

يتصدر أعمال السلطة الموحدة الاتفاق على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية، ووضع برنامج عمل يتوافق مع مخرجات الحوار السياسي، وحددت خارطة الطريق إطار زمنيًا لذلك أقصاه (21) يومًا من تاريخ انتخاب السلطة الانتقالية، أي بالفترة من 5 فبراير 2021 إلى 26 فبراير 2021. وبينما يتولى رئيس الوزراء المنتخب “عبد الحميد دبيبة” تسمية وزراء حكومته ووضع برنامجها، فقد أوجبت الخارطة (مادة2-فقرة5) عليه التشاور مع المجلس الرئاسي كاملًا لتسمية وزيري الدفاع والخارجية.

وأعلن المكتب الإعلامي لـ “دبيبة” بدء تقييم طلبات المرشحين والسير الذاتية لاختيار أعضاء الحكومة وفق معايير الكفاءة مع مراعاة التنوع والمشاركة الواسعة، وقال رئيس الحكومة في وقت سابق “سنكون حكومة تكنوقراطية وكل من أثبت فعاليته وجديته وقوته في الأداء سيكون ضمن فريق الحكومة”، أي أن “دبيبة” يميل إلى كونها وزارة تكنوقراط، ومنفتح على ضم عناصر وزارية من حكومة الوفاق. وكشفت تقارير عن اتجاه رئيس الوزراء لإشراك شخصيات من مدينة مصراته (مسقط رأسه) بحكومته، وأنه قد يستعين بوزير داخلية الوفاق “فتحي باشاغا” في حكومته دون تحديد حقيبة بعينها له.

ويتعين على “عبد الحميد الدبيبة” تمثيل المرأة بحكومته -وفقًا للخارطة الأممية- بنسبة لا تقل عن (30%)، بالإضافة إلى تمثيل الأقاليم الثلاثة (برقة وفزان وطرابلس) فيها بشكل متوازن؛ لضمان حشد الدعم وقبولها من عموم الليبيين. وحثت أطراف داخلية ودبلوماسية “دبيبة” على تبني تشكيل حكومي مُصغر أو حكومة أزمة؛ لتلافي الإشكاليات المُعطلة التي واجهتها سابقاتها، وتدعيم فرص نيل تشكيلته المقترحة ثقة البرلمان سريعًا. ويُركز رئيس الوزراء في تصريحاته على مجموعة ملفات أساسية، في مقدمتها الخدمات المفتقدة كالكهرباء والأمن

والرعاية الصحية والمُصالحة، ويُرجح أن يسير برنامجه في ذات الاتجاه، مع إعطاء اهتمام بتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم لامركزية الإدارة المحلية، وتحسين أوضاع الجنوب. 

طرح الحزمة المُقترحة لنيل الثقة

ستتجه السلطة التنفيذية الموحدة، بعد الاتفاق على تشكيلة وبرنامج الحكومة المُقترح، لطرحها على مجلس النواب لنيل الثقة، وحال تحقق ذلك ستنتقل كافة الصلاحيات التنفيذية للمجلس الرئاسي ووزارة الدبيبة. وتُمهل خارطة الطريق النواب مدة أقصاها (21) يومًا، أي بالفترة من 27فبراير2021 إلى 19مارس 2021، لمناقشة برنامج الحكومة وتشكيلتها المقترحة، والتصويت على اعتماد برنامجها ومنحها الثقة (كحزمة واحدة). وإذا تعذر على مجلس النواب منح الثقة للحكومة خلال تلك الفترة، سوف تؤول هذه المهمة إلى لجنة الحوار السياسي للبت فيها.

وتشير حالة مجلس النواب في الفترة الماضية إلى بروز إشكاليات قد تعطل دوره في منح الثقة للحكومة واعتماد برنامجها، فهناك حالة الانقسام المُضاعف بين أعضائه (188نائب)، حيث تُعقد جلساته بمقره المؤقت في المنطقة الشرقية بطبرق، فيما انشقت كتلة برلمانية وتعقد جلساتها بالمنطقة الغربية في العاصمة طرابلس. وعُقدت جولات متعاقبة لتوحيد المجلس ورأب الصدع في القاهرة وبوزنيقة وغدامس، إلا أن الانقسام مازال مستمرًا ويتصاعد. وبعد انتخاب السلطة التنفيذية الموحدة، تزايدت حالة الانقسام بالمجلس؛ إذ دعت لتجاوز الخلافات والالتحاق باجتماعاتها؛ لتوحيد المجلس وإعادة هيكلة أعماله، تمهيدًا لمنح الثقة للحكومة المنتخبة.

وصدرت عدة دعوات متزامنة لعقد جلسة موحدة للبرلمان منتصف فبراير الجاري، حيث دعا رئيس المجلس “عقيلة صالح” إلى عقد جلسة بالمقر الدستوري بطبرق، وخاطب نائبا صالح برئاسة المجلس اللجنة العسكرية (5+5) لتحديد موقع محايد ومناسب لعقد جلسة أخرى، فيما اجتمع (97) نائبًا بمدينة صبراته الساحلية (شمال غرب العاصمة) بدعوة من كتلة طرابلس، وانتهى هذا الاجتماع أيضًا بمطالبة لجنة (5+5) بالإفادة حول مدى إمكانية عقد جلسة موحدة للمجلس يومي الاثنين أو الثلاثاء (22و23فبراير2021)، في مدينة سرت أو تنعقد الجلسة بمدينة صبراته في ذات الموعد.

وتبدو إشكالية نيل الثقة أكثر الأولويات تعقيدًا؛ لتضاعف الانقسام داخل مجلس النواب، في ظل أهمية حصد حكومة الوحدة الوطنية شرعيتها منه بشكل قانوني لقطع الطريق أمام أية طعون أو ارتدادات سياسية قد ترتبط بتحول الملف للجنة الحوار السياسي. بالإضافة إلى الحاجة لإنجاز خطوات إجرائية مهمة قبيل جلسة منح الثقة للحكومة، والتي تتضمن معالجة إشكالية رئاسة المجلس، ويُرجح أن يتم التصويت على إعادة انتخاب هيئة رئاسته، بما يمنح منصب الرئيس للجنوب، وفقًا للتفاهمات الليبية السابقة.

وفي النهاية، يمكن القول إن مهام السلطة الليبية الجديدة الحكومة والمجلس الرئاسي لن تكون سهلة، وأولوياتها المٌلحة ستتحدد في التوافق بينهما على قائمة وزارية لها قبول داخلي وقدرة على إدارة قطاعات الدولة بفاعلية، ثم ستصبح الكرة في ملعب مجلس النواب، فإما يتجاوز انقسامه أو يحيد عن أهم ملفات التسوية الراهنة. وبذلك، فخلال الأسابيع القليلة المُقبلة ستكون الكيانات السياسية الليبية أمام اختبار مهم سيحدد من سيتشارك في إدارة المرحلة الانتقالية، وسيمهد لرسم ملامح الدولة الليبية فيما بعد انتخابات ديسمبر2021.

Scroll Up