ظاهرة الباعة الجائلين هي ظاهرة موجودة منذ ستينات القرن الماضي وظلت تتضاخم وتتضاخم إلى أن تفاقم الوضع في وقتنا هذا، مما دعا الحكومة الحالية لضرورة تقنين الأوضاع ووضع حلول جادة للنهوض بوضع الباعة الجائلين ووضع عموم الناس والمجتمع أجمع… و ما بين محاولة الدولة تقنين وضع الباعة الجائلين وحمايتهم، وبين خوف وقلق الباعة الجائلين من التغيير ومدى ملائمته لحركة البيع والشراء وتأثير ذلك التقنين على أحوالهم المعيشية نجد أنفسنا بين شقي الرحى وسوف نتناول الموضوع من وجهة نظر كل من الدولة المصرية والباعة الجائلين.

من هو البائع المتجول؟

هو كل من يبيع سلعًا أو بضائع أو يعرضها للبيع أو يمارس حرفة أو صناعة في أي طريق أو مكان عام دون أن يكون له محل ثابت. كما أنه كل من يتجول من مكان إلى آخر أو يذهب إلى المنازل ليبيع سلعًا أو بضائع أو يعرضها للبيع أو يمارس حرفة أو صناعة بالتجول.

ما بين أهمية وجود الباعة الجائلين وبين تقنين أوضاعهم

وافق مجلس الوزراء مؤخرًا على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 277 لسنة 1959 في شأن نظام السفر بالسكك الحديدية، وذلك لتنظيم ظاهرة الباعة الجائلين داخل محطات السكك الحديدية وعلى الأرصفة، وداخل القطارات، للحد من انتشارها بشكل عشوائي.

في حين يُبدي الباعة الجائلين عدم رضا عن الأماكن البديلة والأسواق المراد تقنين أوضاعهم إليها، فقد لا تكون أماكن البيع والشراء المتوفرة إليهم من قِبل الدولة أماكن حيوية بها حركة بيع وشراء. وأيضًا يتخوفون من الرسوم المقرر دفعها نتيجة تقنين أوضاعهم وهل ستتناسب مع أوضاعهم البضائعية المختلفة وستتوافق مع ما يجنوه من مكاسب أم لأ؟

ومن وجهة نظر الحكومة أن مشروع القانون يهدف إلى تقنين عمل الباعة الجائلين وتنظيمه وضبط حركة السوق عن طريق تقنين أوضاعهم القانونية وتوفير المكان المناسب لهم بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم.

ما هو عائد تقنين أوضاع الباعة الجائلين

 أولًا- البعد الاقتصادي: يشير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى وجود ٧ ملايين بائع متجول، حجم تجارتهم تجاوز ٨٠ مليار جنيه لا تستفيد منها الدولة، وهى التجارة المنتشرة في شوارع مصر دون رقيب بين الباعة المتجولين والتي يطلق عليها الاقتصاد الأسود أو الاقتصاد السري، ومن هنا رأت الدولة المصرية وجوب تقنين أوضاعهم ودمجهم تحت مظلة الدولة وادراجهم ضمن الاقتصاد الرسمي.

ونجد كثير من شكاوي الباعة الجائلين بأنهم يعانوا من صعوبة الظروف الاقتصادية، وخاصة في ظل أزمة كورونا ويشتكون من ركود أوضاعهم، ويتخوفون من الرسوم المقررة عليهم في حال ادراجهم ضمن الاقتصاد الرسمي؛ في حين نجد تصريحات المسئولين بأن الرسوم سوف تحدد بُناءً على نوع النشاط والمنطقة الذي سيتواجد بها، الأمر الذي سوف ينعكس بشكل إيجابي على حركة السوق في مصر، ودمج الاقتصاد الغير رسمي بالاقتصاد الرسمي؛ بما يعود بالنفع على الباعة الجائلين وعلى المجتمع.

ثانيًا- البعد الأمني: تقنين وضع الباعة الجائلين سيوفر لهم صيغة قانونية لوضعهم حتى لا يكونوا تحت التهديد بالطرد من مكان عملهم في الشارع، فنظرًا لوضعهم غير القانوني فدائمًا كانوا عرضة لملاحقة الشرطة، وقد تتعرض بضائعهم إلى الفقد نتيجة إشغالهم غير القانوني للطرقات والأماكن، كما أن انتشار الباعة الجائلين بشكل غير قانوني يؤدي غالبًا إلى انتشار ظواهر السرقة والسطو على البضائع والجرائم بأشكالها من (عنف، وقتل، ومخدرات… الخ) مما يتسبب في الانفلات وعدم الاستقرار الأمني،  ولذلك كان لابد من وضع تقنين لهم؛ حيث أن الشارع المصري له قوانين تحكمه، وعدم وجود الأمان للآخرين بسبب الباعة الجائلين من الجرائم التي يعاقب عليها القانون.

ثالثًا- البعد الاجتماعي: وقد أعلن الرئيس السيسي عن وثيقة التأمين على العمالة غير المنتظمة، والتي كان من ضمنهم الباعة الجائلين، الأمر الذي اعتبره الباعة الجائلين أهم إنجاز في تاريخهم بالشارع؛ لأنها ستتيح للعامل تأمينًا اجتماعيًا وتأمينًا صحيًا، ليس فقط للبائع الجائل، ولكن لكل العمالة غير المنتظمة. وتكلفة هذه الوثيقة تتحملها الدولة المصرية دون أن يتحمل العامل أي تكلفة؛ فالدولة تسعى لتوفير الرعاية والحماية لكل العمالة وخاصة العمالة الغير منتظمة.

رابعًا- البعد الحضاري: مما لا شك فيه أن الباعة الجائلين ينتشرون بشكل عشوائي في الشوارع والطرقات ومحطات المترو والقطارات مما يشكل واجهة غير حضارية، كما أنهم بالإضافة للشكل العام العشوائي غير الحضاري؛ فإنهم يتسببون في عرقلة الشوارع ومحطات القطار والمترو مما يسبب الضيق والإزعاج للآخرين.

     وقد شدد رئيس الوزراء على ضرورة منع الباعة الجائلين من التواجد في الشوارع بوجه عام. خاصةً بأن الدولة المصرية قد قطعت شوطاً كبيراً في النسق الحضاري من طلاء واجهات المباني، وتطوير الأرصفة بنسق واحد، وإيجاد مناطق للتنزه والترفيه للمواطنين.

    وسبق أن وضعت الحكومات المصرية المتعاقبة خططًا لنقل جميع الباعة الجائلين من شوارع القاهرة والمدن الرئيسية، وعمل تجمعات كبيرة لهم بشكل رسمي وحضاري، غير أن الباعة عادة ما يتجاهلون تلك التجمعات، مفضلين التواجد في الشوارع الرئيسية ومحطات القطار ومترو الأنفاق. الأمر الذي دفع الحكومة في اجتماع مجلس الوزراء مؤخرًا على الموافقة على نص مشروع قانون لتنظيم ظاهرة الباعة الجائلين، واستحداث تجريم بعض الأفعال من قبل الباعة الجائلين التي من شأنها زيادة تلك الظاهرة، مثل قيام الباعة الجائلين بممارسة أعمال البيع داخل القطارات بكافة درجاتها، أو القيام ببيع السلع والمنتجات أيًا كان نوعها بالمحطات سواء على الأرصفة أو داخل مُنشأة المحطة دون تصريح من الهيئة القومية لسكك حديد مصر بذلك، أو بخلاف الشروط والقواعد التي تضعها الهيئة لتنظيم ظاهرة الباعة الجائلين، واقتراح “مشروع القانون” تشديد العقوبة لتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سنتين، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه، ولا تزيد على 10 آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر.

     ومما سبق يتضح أن الباعة الجائلين من حقهم العمل خاصةً أنهم يمارسون عملًا حرًا، ولم يكلفوا الدولة عبء احتياجهم لفرص عمل؛ فلهم كل الحق في العمل ولا أحد يريد قطع أرزاقهم، ولكن يجب أن يتم تقنين أوضاعهم بما يحفظ شكل الشارع المصري، وبما لا يضر بالآخرين وبالمجتمع. ولذا نرجو من جميع المؤسسات أن تجري حوارًا مجتمعيًا مع الباعة الجائلين ويتكامل كلٌ في موقعه “مجلس الشيوخ” مع “مجلس النواب” مع “الحكومة” لكي تَوجد حل للقضايا الجدلية التي يكون فيها لكل طرف وجهة نظر وتؤثر على كلٍ من الفرد والمجتمع، فنرجو التناول التكاملي للمؤسسات وتوسيع دائرة الحوار ومعرفة وجهة نظر الباعة الجائلين والتوافق معهم في تحديد الأماكن والأسواق الحيوية التي يصلح أن ينتقلوا إليها وتحقق لهم مكاسب مالية لكي نقضي على هذه الظاهرة الأزلية.

Scroll Up