استضافت مصر الأسبوع الماضي وزير الخارجية الباكستاني مخدوم شاه محمود قريشي، وفي لقائه بكل من الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، تم التطرق إلى مجالات التعاون والتنسيق المشترك مثل الجوانب الأمنية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية، واستكشاف آفاق التعاون بين ميناء جوادر الباكستاني والمنطقة الاقتصادية الخاصة بقناة السويس لإقامة مشاريع تكاملية في إطار مبادرة الحزام والطريق. كما تم الاتفاق على استمرار التعاون في الجهود الخاصة بـ”صون السلم والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وتجديد الخطاب الديني ونشر صحيح الدين الإسلامي”.  

تعد الزيارة إحدى نتائج التشاور المشترك بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان على هامش قمة مؤتمر التعاون الإسلامي في 2019، والدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإضافة للاتصال الهاتفي الذي تم بين الرئيس السيسي وقريشي في 2020 حول المبادرة العالمية لتخفيف ديون الدول النامية.

وعليه، يشير هذا التقرير إلى مجالات التعاون بين البلدين، وسبل التكامل بينهما في إطار مبادرة الحزام والطريق، وذلك مع إلقاء الضوء على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني وميناء جوادر الباكستاني.

مجالات التعاون بين البلدين

يتجاوز عمر العلاقات الرسمية بين الدولتين السبعين عامًا، إذ ترتكز على التشابه في العقيدة والثقافة والقيم المشتركة. ويأتي تطوير الشراكة الباكستانية مع مصر ضمن مبادرة إسلام أباد لإقامة علاقة أقوى مع العالم الإسلامي وشمال أفريقيا، ناهيك عن الجوانب المؤسسية لشراكة البلدين مثل اللجنة الوزارية المشتركة ومجلس الأعمال المشترك واللقاءات الثنائية السنوية، وحوالي 40 اتفاقية تم توقيعها من الجانبين في مجالات مختلفة لتعزيز التعاون بينهما، ويشتركان أيضًا في اتفاقية التجارة التفضيلية لمنظمة التعاون الإسلامي، وعضوية مجموعة الثماني الإسلامية النامية D8. يمكن النظر أيضًا إلى أهمية باكستان كونها دولة نووية يمكن الاستفادة من خبراتها في قطاع الطاقة.

في المجال الأمني، أشار قريشي أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة إلى أن بلاده فقدت 83 ألف ضحية بسبب الإرهاب. يمكن في هذا السياق إلقاء الضوء على أن الجانبين استمرّا في العمل على الاستفادة من الخبرات المتشابهة لمكافحة الإرهاب، فقد وقّعا اتفاقية لتبادل وتسليم المجرمين عام 1994، واتفاقية أمنية عام 1996، بالإضافة لوجود قنوات اتصال بين الأجهزة الأمنية من البلدين للتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي، وهناك لجنة للتعاون العسكري بين البلدين، التي بدأت انعقادها في 2002.  وأكد السفير السابق حسن هريدي وجود تعاون استخباراتي بين البلدين وبرامج تعاون في هذا المجال منذ مارس 2010 بعد زيارة وفد مصري لباكستان، كما سيتم تبادل المعلومات لمنع انتشار الإرهاب بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.

ومن ناحية الشراكة التجارية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2018 حوالي 200 مليون دولار. كما تتنوع السلع التبادلية بين البلدين، ومن أمثلة الصادرات المصرية إلى باكستان هناك الفواكه والمشروبات والآلات وأدوات المائدة والأسمدة، ومن أمثلة مثيلتها من باكستان هناك القطن والألياف ومواد كيماوية والحبوب والمطاط والورق.

وفي المجال الصحي، خاصةً خلال جائحة كورونا، تبادل قيادات البلدين الاتصال في أبريل 2020 لاستعراض جهودهما لمكافحة انتشار الفيروس وإجراءات الوقاية الصحية. وفي ذات الفترة، تم الاتفاق بين وزير الدولة للإنتاج الحربي محمد العصار والسفير الباكستاني في مصر على تعزيز التعاون في مجال الصناعات العسكرية، ونقل وتوطين أحدث التكنولوجيات.

التكامل المصري- الباكستاني في إطار مبادرة الحزام والطريق

تشمل مبادرة الحزام والطريق الصينية BRI خططًا لربط القارات بريًا وبحريًا، لكن تعد الروابط البحرية هي الأكثر سهولة والأقل عُرضة للتقلبات السياسية. وهنا ظهرت أهمية إنشاء شبكة موانئ ومناطق اقتصادية مثل ميناء جوادر في باكستان والمنطقة الاقتصادية الخاصة بقناة السويس.

أبدت الحكومة المصرية تأييدها لمبادرة الحزام والطريق كونها تتكامل مع جهود مصر التنموية والمشروعات القومية الكبرى التي يتم العمل عليها، بالإضافة لسعيها لجذب الاستثمار. وكانت مصر من أوائل الدول المشاركة في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وتعد تنمية محور قناة السويس أحد أكبر المشاريع العملاقة التي تتضمن إنشاء مناطق صناعية ولوجستية وموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، إذ تعد القناة الممر المائي الرئيسي للجزء البحري لمبادرة الحزام والطريق، وهو ما سيؤدي لزيادة السفن والحمولات العابرة للقناة ومن ثم زيادة إيرادات هيئة القناة وتطوير الخدمات المقدمة فيها. بناءً عليه، يتم إجراء اتصالات بين الجانبين المصري والصيني لمعرفة أفق التعاون ومتطلبات تنفيذها في إطار المبادرة، بالإضافة إلى بحث سبل منح على امتيازات وإعفاءات لجذب مزيد من الاستثمارات. كما تعزز الفرص التي توفرها المبادرة قدرة المنتج المصري التنافسية، وزيادة مهارة الطاقة البشرية الوطنية عبر التدريب المكثف.  

وأشار الوزير سامح شكري في سبتمبر 2020 في إطار المباحثات التي عُقدت في نيويورك إلى اهتمام مصر بالتنسيق والتعاون المشترك بين ميناء جوادر وقناة السويس في إطار مشروعات الممر الاقتصادي، ودعوة رجال الأعمال الباكستانيين لاستكشاف فرص الاستثمار المتاحة بمحور تنمية قناة السويس.

في ذات التوقيت، عُقدت قمة اقتصادية مصرية باكستانية بعنوان “قمة الحوار والتجارة: بناء شراكة من أجل التحول التجاري” وتمت الإشارة إلى أن المواقع الجغرافية لكلا البلدين وإمكانيتهما الاقتصادية يجعل من المتوقع أن يحققا استفادة كبيرة في إطار مبادرة الحزام والطريق. وبحثت الغرفة التجارية بالقاهرة مع الملحق التجاري الباكستاني في ذات الشهر أوجه التعاون في مجال التجارة والاستثمار في الأدوات الرياضية والسلع الغذائية ومستلزمات المنتجات الجلدية والمستلزمات الطبية وغيرها.

وفي اللقاء الذي جمع بين السفير المصري في باكستان ورئيس مجلس الاستثمار الباكستاني في ديسمبر 2020 تم التطرق إلى مجالات الاستثمار المشترك مثل السياحة والنقل العام والسكك الحديدية، بالإضافة إلى تخصيص مركز مؤتمرات للمناطق الاقتصادية الخاصة، بالإضافة لاستعراض فرص الاستثمار في ميناء جوادر والتعاون مع هيئة قناة السويس. وأوضح الفريق إيهاب مميش مستشار رئيس الجمهورية لمشروعات قناة السويس والموانئ البحرية أن ميناء جوادر ساهم في توفير منفذ لباكستان على بحر العرب، ومن ثم إتاحة مرور السفن منه إلى قناة السويس ومنه إلى أوروبا.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس

بموجب القرار الجمهوري الصادر عام 2015 تم إنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، على أن تكون “منطقة اقتصادية ذات طابع خاص”، وصدر تبعًا لذلك قرارًا بإنشاء أربعة مجالس تخصصية للأراضي الواقعة في منطقة قناة السويس، بالإضافة إلى ستة موانئ. تمتلك هيئة قناة السويس صلاحيات كاملة حول الأنشطة والمشروعات المقامة في الإطار الجغرافي التابع للهيئة. وتهدف إقامة الهيئة إلى تنمية وتعزيز الفرص الاستثمارية في القطاعات الاقتصادية بما فيها الخدمات اللوجستية والصناعية وفقًا للمعايير العالمية، وجعلها ذات دور محوري في سلاسل الإمداد العالمية. بالإضافة لخلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي. تقوم استراتيجية المنطقة بحلول 2025 على إنشاء فرص استثمارية في قطاعات صناعية وبحرية وتوطين الصناعات بهدف إحلال الواردات واعتماد سياسة التجمعات الصناعية. 

ومن الصناعات المستهدف إقامتها بالمنطقة تجميع السيارات والإنشاء ومواد البناء والصناعات الكهربائية والإلكترونية والكيماويات والبتروكيماويات وتصنيع المواد الغذائية والزراعية وصناعة الملابس والمنسوجات والصناعات الدوائية. ويعد مجال الطاقة المتجددة على رأس المجالات محل الاهتمام لتحفيز صناعات الطاقة النظيفة لتلبية الشروط الخاصة بوجود بيئة نظيفة تطابق المعايير الدولية.

وقد تم إصدار الدليل الجمركي للمنطقة لتحقيق هذه الأهداف، ويشمل تخفيض التكاليف الإنتاجية وزيادة الحوافز وتيسير إجراءات الإفراج الجمركي، وتسهيل التداول بين مشروعات المنطقة لخلق مجتمع صناعي متكامل. كذلك بات هناك 250 منشأة صناعية بالمنطقة، وتوفير حوالي مائة ألف فرصة عمل، وبلغت تكلفة تطوير البنية التحتية حوالي 18 مليار دولار حتى الآن، إذ تشتمل على محطات لتوليد الكهرباء والمياه والصرف الصحي والغاز الطبيعي والاتصالات وشبكة طرق وأنفاق عملاقة.

الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني

تم الإعلان عن الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني عام 2015، وقد احتل زخمًا كبيرًا في وسائل الإعلام ضمن مبادرة الحزام والطريق، ويعد إطار عمل للتواصل الإقليمي، ومن المفترض أن يساهم في تعزيز الروابط الجغرافية عبر تحسين نظام النقل البري والسكك الحديدية والنقل الجوي، بالإضافة إلى تعزيز التفاهم من خلال المعرفة والثقافة وزيادة حجم نشاط التجارة والأعمال، والتعاون في مجال الطاقة والتخطيط للتنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر التخفيف من حدة الفقر والعلاج والتعليم وإمدادات المياه والتدريب المهني، كذلك هناك التعاون في مجال السياحة وتطوير الموارد البشرية، بما يساهم في نهاية المطاف في النمو والسلام الإقليمي في ظل العولمة.

وقد أوضح رئيس وزراء باكستان عمران خان أن الممر فرصة كبيرة لبلاده لأنه يربطها بالصين التي تعد أحد أكبر الأسواق. وأشار الرئيس الصيني شي جين بينج إلى أن الثقة والدعم المتبادل هو أساس علاقة البلدين، وبناءً عليه سيتم استخدام الممر الاقتصادي لخدمة المصالح والتنمية المشتركة عبر تطوير البنية التحتية والتعاون الصناعي، وتوفير فرص تدريب عملية بالإضافة إلى تعليم اللغة الصينية.

استنادًا لما تقدم، يُعتبر الممر إحدى عوامل تغيير الاقتصاد الباكستاني خاصةً إذا تم النظر إلى أن الصين تعتبر من أكثر الدول استثمارًا في باكستان. لكن يواجه الممر تباطؤ في الإنجاز في الفترة الأخيرة بسبب الافتقار إلى الضروريات الأساسية مثل المياه والكهرباء، بالإضافة إلى عامل سياسي يتمثل في الاحتجاجات التي قام بها الجماعات الوطنية في بلوشستان التي تُعارض إقامة مشاريع الممر في المناطق الخاصة بهم، وكانت هناك عدد من الهجمات في جوادر ومناطق أخرى لتثبيط الاستثمارات الصينية، كذلك هناك توقعات بأن السلطة المخولة بإدارة الممر يرأسها جنرال متقاعد مما يثير مخاوف بأن تتحول سلطة المشاريع نت الحكومة المدنية إلى السلطات العسكرية في باكستان. لكن يحاول الجانبان تنحية أية معوقات عبر إعلانهما الرضا عن التقدم المحرز بالممر وأنهما ملتزمان بتحويل المشروع إلى نموذج يحتذى به.

ميناء جوادر الباكستاني

استأجرت شركة الصين القابضة للموانئ الخارجية ميناء جوادر الباكستاني من الحكومة الباكستانية عام 2017 لمدة 40 عامًا. يعد الميناء جزءً من مشاريع الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني CPEC الذي سيربط إقليم شينجيانج الصيني بميناء جوادر على ساحل مكران غرب كراتشي، وفي المجمل تصل مشاريع الممر بين الصين وغرب آسيا وصولًا إلى قناة السويس والمنطقة الاقتصادية الخاصة بها حتى شمال أفريقيا وأوروبا، وذلك بفضل ما يشمله من بنية تحتية للنقل وخطوط أنابيب نفطية ومحطات لتوليد الكهرباء ومناطق صناعية بتكلفة تُقدّر بحوالي 70 مليار دولار.

كما يعتبر ميناء جوادر ثاني أكبر مظهر للتعاون بين الصين وباكستان بعد طريق قراقرم السريع الذي يربط البلدين. وسيتم إنشاء معمل لتكرير النفط على مقربة من جوادر. لكن تعتبر دراسات أن الاستثمارات الصينية في مشاريع البنية التحتية الباكستانية ستساهم في أن تملك الصين دورًا أكبر في عملية السلام والاستقرار في باكستان خاصة في ظل تواجد عدد كبير من المواطنين الصينيين هناك. كما يرى البعض أن سياسة الديون الصينية ستؤثر على عملية صنع القرار في باكستان في المستقبل بما يخدم المصالح الصينية.

Scroll Up