عرض – أحمد السيد 

خلفية العلاقات الروسية – الصينية

في مقال منشور على موقع معهد الشرق الأوسط، تناول كلاً من “داني سيتروينوفيتش” (Danny Citrinowicz)، و “روي يلنيك” (Roie Yellinek)، احتمالات الصدام والمنافسة بين روسيا والصين في منطقة الشرق الأوسط. 

ذكر الكاتبان أنه وفي ضوء المصالح الصينية المتنامية في الشرق الأوسط، ومصالح روسيا الواسعة بالفعل في هذه المنطقة، فإن تلك المنطقة قد تصبح قريبًا جزءًا من تنافس القوى العظمى. 

وبينما دخلت الولايات المتحدة وروسيا في هذه المنافسة على الهيمنة على الشرق الأوسط منذ فترة طويلة، فإن الصين باتت اللاعب الجديد في العصر الحالي. كانت بكين في الماضي تركز فقط على القضايا الاقتصادية المتعلقة بالشرق الأوسط، لكنها اليوم تنظر إلى هذه المنطقة بشكل مختلف وتهدف إلى زيادة مشاركتها السياسية والعسكرية. 

وفي حين أنه من الواضح أن روسيا والصين ترغبان في تقليل نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المنطقة، إلا أنه يبدو من غير الواضح كيف سيؤثر نمط مشاركة هاتين القوتين العظميين على علاقاتهما الثنائية؟

فعلى الرغم من التقارب بين بكين وموسكو في العقد الماضي، يبدو أنه إذا لم يتمكن البلدان من التوصل إلى اتفاقات من شأنها أن تحدد حدود ومجالات التدخل والانخراط في الشرق الأوسط، فهناك احتمال كبير أن تجد بكين وموسكو نفسيهما في صراع على النفوذ قد يؤدي لصراع حقيقي بينهما، نظرا لتداخل مصالحهما في المنطقة. 

من المهم ملاحظة أنه بينما “اعتادت” روسيا على الوجود الأمريكي في المنطقة، فإن السياسة الصينية الجديدة تجاه الشرق الأوسط تبدو جديدة على الروس، الذين اعتادوا التعامل مع الصينيين في منطقة أخرى من العالم. وبالتالي فمن المحتمل أن تكون الصين -كقوة عظمى ناشئة- أكثر نفوذاً، في المجالات الاقتصادية وغيرها، خاصة إذا تبنت الولايات المتحدة موقفاً أقل تدخلاً في شؤون الشرق الأوسط في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة.

ظهرت كل هذه الحقائق مؤخرًا، نظرًا لأن روسيا تسعى لتعزيز والحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط لأسباب اقتصادية وسياسية وعسكرية. بالنظر إلى احتمال أن تؤدي سياسة “التوجه نحو آسيا” (Pivot to Asia)، التي تنتهجها الإدارة الجديدة في واشنطن إلى خلق مزيد من الفراغ في الشرق الأوسط، فإن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام الصين لزيادة تدخلها؛ بالنظر إلى أهمية مبادرة الحزام والطريق (BRI)، وبالتالي قد تجد القوتان العظميان نفسيهما في صراع من أجل الهيمنة في الشرق الأوسط، وهو صراع يمكن أن يضر بعلاقاتهما القوية.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، سعت الصين وروسيا إلى إقامة “شراكة بناءة”، أصبحت فيما بعد “شراكة استراتيجية”. وخلال زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى موسكو عام 2013، أشار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” حينها إلى أن البلدين يقيمان علاقات خاصة وقوية.

كان البلدان قادران على تطوير علاقات عسكرية واقتصادية وسياسية وثيقة مع تقديم الدعم لبعضهما البعض في مختلف القضايا العالمية. 

فجدير بالذكر أن كلا البلدين يشتركان في نفس الأيديولوجية، ولديهما ذات الرؤية في النظرة العدائية للغرب، وسعيهما باستمرار لفرض ضوابط وقيود صارمة على مجتمعاتهما. 

في هذا السياق، تقود روسيا والصين بإجراء مناورات بحرية وعسكرية مُشتركة، كما حدث في يوليو 2019 فوق المحيط الهادئ، ومرة أخرى في ديسمبر 2020.

نتيجة علاقات البلدين مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، خاصة في العامين الأخيرين من ولايته، فإن هذا الأمر قد عزز العلاقات بين موسكو وبكين بشكل كبير.

على الرغم من أن الصين وروسيا قد عززتا علاقتهما، لا تزال هناك عقبات أمام التعاون الوثيق بينهما. على سبيل المثال، أثار المعلقون الروس مخاوف متزايدة بشأن طموحات الصين وتأثيرها في آسيا الوسطى، وهي منطقة تقع تاريخيًا ضمن مجال النفوذ الروسي. 

كما أعرب القادة الروس عن مخاوف متزايدة بشأن استثمارات الصين في الشرق الأقصى الروسي الغني بالطاقة. 

وجاء تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، ليثير احتمالات الشك بين البلدين، وبات من الأهمية بمكان إعادة دراسة السياسات القديمة لكلاً من موسكو وبكين بشأن تحديد إمكانية التعاون أو الصراع بينهما في تلك المنطقة الاستراتيجية.

سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط

تاريخيًا، كان الشرق الأوسط (أو غرب آسيا كما وصفه وزير الخارجية الصيني) ذا أهمية منخفضة إلى متوسطة في السياسة الخارجية الصينية. ومع ذلك، فإن صعود الصين القوي إلى المسرح العالمي كقوة عالمية قد غير موقفها الاستراتيجي، وامتدت طموحاتها نحو الغرب.

فللصين مصالح استراتيجية في الشرق الأوسط، خاصة وأن المنطقة موطن لستة من أكبر عشرة مصادر للنفط في الصين، وهو مورد مهم لنموها الاقتصادي. ومع شهيتها الكبيرة للنفط، حيث ان انتاجها المحلي لا يغطي طلبها، كما تستورد الصين الآن نفطًا أكثر من الولايات المتحدة؛ فبينما تستورد الولايات المتحدة ما قيمته 1.03 مليار دولار من المملكة العربية السعودية، تستورد الصين ما قيمته 9.34 مليار دولار. 

وعندما حددت الصين أهداف مبادرة الحزام والطريق لضخ واستثمار مئات المليارات من الدولارات في ربط البنية التحتية والتجارة مع آسيا الوسطى وجنوب آسيا وأفريقيا وأوروبا من خلال تطوير البنية التحتية للنقل البري، كان الشرق الأوسط مكونًا حاسمًا في هذه المبادرة. 

في الماضي، كان الشرق الأوسط بمثابة منطقة تجارية مهمة ومحطة عبور للتجارة العالمية، ولا يزال هذا الأمر صحيحًا حتى اليوم. وعلى هذا النحو، فإن مصالح الصين في المنطقة لا تشمل فقط ضمان التدفق الآمن للنفط من المنطقة ولكن أيضًا ضمان الاستقرار الجيوسياسي حتى تتمكن الصين من تعزيز مشاريعها التنموية في البر والبحر.

سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط

مع عودة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” لسُدة رئاسة روسيا مرة أخرى في عام 2012، تبنى نهجًا أكثر طموحًا تجاه وضع بلاده على الساحة الدولية. إذ يرى بوتين أن الشرق الأوسط ذا أهمية كبيرة بالنسبة لبلاده لأن التحديات الأمنية الناشئة في المنطقة تؤثر على مجال النفوذ الروسي. 

في هذا السياق، بدأت روسيا تدخلها وانخراطها في سوريا في سبتمبر 2015 بنشر قوات في قاعدة حميميم العسكرية، للقتال ضد الجماعات المسلحة المعارضة السورية مثل الائتلاف الوطني السوري، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة (القاعدة في سوريا) وجيش الفتح. وشنت روسيا ضربات جوية على هذه الأهداف، كما تم نشر قوات عمليات خاصة روسية ومستشارين عسكريين في سوريا.

قبل هذا، كان التدخل الروسي في الحرب الأهلية السورية يتألف بشكل أساسي من تزويد الجيش السوري بالأسلحة والمعدات. 

سمح هذا التدخل لروسيا بالعودة إلى الظهور كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، ويرجع الفضل في ذلك إلى استخدام القوة الصارمة والدبلوماسية القوية. 

تتطلع موسكو إلى ترسيخ وجودها في المنطقة والاستفادة من موطئ قدمها العسكري في سوريا من خلال قاعدتها البحرية ووجود قواتها الجوية من أجل إظهار المزيد من النفوذ السياسي في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.

والآن، تشارك موسكو في جميع أنحاء الشرق الأوسط بأسره بطرق مختلفة يعزز بعضها بعضاً. إذ لا يقتصر التدخل الروسي على تدخلها العسكري في سوريا. فقد أبرمت روسيا اتفاقيات في مجال الطاقة مع المملكة العربية السعودية؛ وصفقات أسلحة توسطت فيها مصر وإيران وتركيا وقطر؛ كما طورت شراكة قوية مع دولة الإمارات العربية المتحدة. 

أيضًا، تقوم روسيا الآن بدوريات في الجانب السوري من مرتفعات الجولان. في الوقت نفسه، تسعى روسيا إلى إقامة قواعد بحرية وجوية في قبرص ومصر وليبيا وسوريا والسودان واليمن. 

علاوة على ذلك، تستخدم روسيا، مثلها في ذلك مثل الصين، القوة الناعمة في الشرق الأوسط، من خلال افتتاح المراكز الروسية للعلوم والثقافة (RCSC)، كما في الأردن ولبنان وسوريا ومصر والمغرب وتونس والضفة الغربية.

وبالتالي، فإن الوجود الروسي في الشرق الأوسط متعدد الأبعاد ويتضمن جوانب عسكرية ودبلوماسية وإعلامية واقتصادية.

مواجهات محتملة

فيما يلي مجالات الصراع المحتملة بين موسكو وبكين في الشرق الأوسط:

  • الوجود البحري: يساهم إنشاء الصين لأول قاعدة عسكرية خارجية في جيبوتي، فضلاً عن احتمال عسكرة ميناء “جوادر” الباكستاني، في نمو الوجود العسكري للبلاد بالقرب من نقاط الاختناق البحرية الهامة مثل مضيق هرمز وباب المندب. كما أقامت الصين شراكات رسمية مع خمسة عشر دولة في الشرق الأوسط، وتشمل العديد من هذه الاتفاقيات التعاون البحري. وتشارك في مهام مكافحة القرصنة والأمن البحري في بحر العرب وخليج عدن، كما أجرت عمليات واسعة النطاق لإنقاذ رعاياها من ليبيا في عام 2011 واليمن في عام 2015. وفي الوقت نفسه، تتمتع روسيا بالفعل بوجود كبير وراسخ في البحر الأبيض المتوسط ​​في قاعدة طرطوس البحرية، وقامت مؤخرًا بضع اللمسات الأخيرة على اتفاق مع السودان لإنشاء قاعدة بحرية في “بورتسودان”، مما يمنح القوات الروسية موطئ قدم صغير لكنه مهم في البحر الأحمر. القرب الجغرافي الوثيق بين القواعد البحرية لكلا البلدين وتداخل مصالحهما في منطقة البحر الأحمر يمكن أن يؤدي إما إلى التعاون (مثل المناورات البحرية المشتركة التي تم اجراءها بين القوتين مع إيران في عام 2019) أو إلى احتدام المواجهة.
  • مبيعات الأسلحة: تستند سياسة مبيعات الأسلحة الصينية إلى المكاسب الاقتصادية، والتي يتم استكمالها غالبًا بمساعدة التنمية. مما زاد من الإنفاق العسكري الصيني وإنتاج الأسلحة، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الصادرات الصينية إلى المنطقة. كما تنبع فلسفة الحكومة الصينية حول صادرات الأسلحة من اهتمامها بالحفاظ على علاقة استراتيجية مع دول الشرق الأوسط من أجل تأمين مجالات الاستثمار والطاقة.

وبشكل عام، تركز الصين على الأسلحة الصغيرة مثل الطائرات بدون طيار، التي تُستخدم لأغراض الهجوم والتجسس، بينما تستخدم روسيا مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط لتعزيز الاقتصاد الروسي وتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط. وترى موسكو أن مبيعاتها من الأسلحة وسيلة أخرى لزيادة اعتماد “المشتري” على روسيا وتقوية العلاقات الدبلوماسية وغيرها مع الدول التي تشتري الإمدادات العسكرية الروسية. 

القدرات النووية: الصادرات النووية هي امتداد للسياسة الخارجية لكلا البلدين حيث تسعى الدولتان إلى تأمين نفوذ جيوسياسي مُمتد مع دول الشرق الأوسط. في هذا السياق، قامت شركة Rosatom للطاقة النووية الروسية بزيادة نشاطها في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، حيث قامت ببناء مفاعلات في إيران ومصر والأردن وتركيا. بالإضافة إلى ذلك، افتتحت الشركة مكتبًا إقليميًا في دبي للاستفادة من خطط الإمارات والسعودية لزيادة قدرات الطاقة النووية. 

كما تعد التكنولوجيا النووية الروسية مثالية للعديد من دول الشرق الأوسط، لأنها غير مكلفة وسريعة. على عكس الولايات المتحدة والشركاء الغربيين الآخرين، أيضُا لا تضع روسيا شروطًا معينة لعدم الانتشار. 

في 21 سبتمبر 2018، نشرت وزارة العدل الصينية مسودة قانون الطاقة الذرية، الذي يدعو صناعتها النووية الواسعة لتأمين جزء من سوق التصدير النووي في العالم – بما في ذلك الشرق الأوسط. في هذا السياق، تعاونت الصين والمملكة العربية السعودية في بناء مرفق لاستخراج اليورانيوم، هذا ويتم بناء المرفق “المنشأة” بمساعدة شركتين صينيتين في موقع صحراوي بعيد بالقرب من مدينة العلا شمال غرب السعودية، في منتصف الطريق الواقع تقريبًا بين المدينة المنورة وتبوك، وعلى مسافة آمنة من إيران. 

في هذا السياقـ فإن المنافسة في السوق النووية يمكن أن تدخل القوتين العظميين في صراع كبير.

في الختام، أوضح الكاتبان أن الصين وروسيا تسيران في مسار تصادمي في الشرق الأوسط. فبينما كانت موسكو منخرطة في الشرق الأوسط لفترة طويلة نسبيًا، فإن وجود بكين بالشرق الأوسط حديث نسبيًا، ولكن من المرجح أن يصبح أكثر اتساعًا في قادم الأيام. بالنظر إلى مبادرة الحزام والطريق وغيرها من المشاريع الضخمة، فإن موقع الصين على المسرح العالمي ووجودها في الشرق الأوسط آخذ في التوسع، الأمر الذي من المرجح أن يؤدي إلى صراع عنيف مع موسكو، بالنظر إلى الوجود التاريخي للأخيرة في المنطقة.

Scroll Up