تشهد إسرائيل انتخابات الكنيست الرابعة في مارس المقبل، حيث ساد المشهد الإسرائيلي، خلال العامين الماضيين، حالة من سيولة الأحداث السياسية وعدم الاستقرار. فبعد إخفاق حكومة نتنياهو-جانتس في التوصل لاتفاق بشأن الميزانية، والاضطرار للذهاب إلى انتخابات رابعة، في ظل ارتفاع حالة الاحتقان في الشارع الإسرائيلي بسبب تعامل الحكومة الإسرائيلية مع أزمة جائحة كورونا وتبعاتها؛ شهدت الحلبة الحزبية الإسرائيلية حالة من التشظي والانقسامات، ليس بين اليمين واليسار فحسب، ولكن داخل كل معسكر بعينه، مما زاد من ضبابية المشهد السياسي وصعوبة التنبؤ بما قد تؤول إليه الأمور بشكل دقيق. لكن بتحليل الوضع الراهن في الداخل الإسرائيلي، تشير المؤشرات إلى استمرار المأزق السياسي الإسرائيلي.

لذلك فمن الجدير بالاهتمام، إلقاء الضوء على المشهد الإسرائيلي في ظل استعدادات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للانتخابات المقبلة التي تتمحور حول شخصه ويعتبرها البعض بمثابة استفتاء على بقائه في السلطة، بالتزامن مع وجود العديد من الأزمات التي تهدد مصيره السياسي، وفي والوقت الذي تفتقر فيه الساحة السياسية إلى حزب قادر على تشكيل الحكومة منفرداً. فالحياة السياسة في إسرائيل، لم تشهد قط حالة التشرذم التي تعاني منها الآن في ظل الانقسامات والانشقاقات التي تشهدها مؤخراً، وهشاشة الوضع السياسي والاقتصادي الاجتماعي في وقتٍ تقلصت فيه ثقة الإسرائيليين في القادة السياسيين و قدرتهم على الخروج من الأزمة التي تشهدها إسرائيل.

نظرة عامة على المشهد

بلغ عدد القوائم ‏الانتخابية التي أعلنت عنها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية قبل إغلاق باب التسجيل ، 39 قائمة وحزباً، وهو رقم قياسي في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية. وتتمحور هذه الانتخابات حول شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه محاكمة بتهم فساد ‏وخيانة ‏الأمانة، وتتميز بمنافسة داخل معسكر اليمين لاستبداله مع الإبقاء على حكم اليمين.

تميزت هذه المرحلة بالاصطفاف والتوحد داخل معسكر أقصى اليمين الداعم لنتنياهو من خلال تشكيل ‏قائمة ‏تحالف “الصهيونية الدينية” ممثلة في رئيس حزب الوحدة القومية “بتسلئيل سموتريتش”، ‏وحزب ‏‏”عوتسما يهوديت” برئاسة إيتمار بن غفير، وهو من أتباع الحاخام مئير كهانا، حيث تتعزز فرصها لتجاوز نسبة الحسم وتكون ورقة الحسم لنتنياهو ‏لتشكيل حكومة ‏في أقصى اليمين بدعم 61 من أعضاء. وتغيب عن المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي أي احتمالات لمعسكر اليسار– المركز ‏لإحداث ‏انقلاب واستبدال حكم اليمين، الذي يهيمن على الحكم منذ العام 2009.‏

على الصعيد الآخر، شهدت مرحلة ما قبل الانتخابات ظهور حالات غير مسبوقة من التشظي الحزبي والانقسام السياسي، فضلا عن بروز انشقاقات وائتلافات، واستقالات وترشيحات، لم تسبق أن واجهتها الحياة السياسية في إسرائيل.

في الواقع، يمكن تقسيم الحلبة الحزبية في إسرائيل إلى ثلاثة معسكرات، الأول هو “معسكر نتنياهو”، وهو المعسكر الأقوى الذي يتزعّمه بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، ويضمّ إلى حزبه، الأحزاب الحريدية (شاس ويهدوت هتوراة)، بالإضافة إلى التحالف الجديد بين حزبي “الصهيونية الدينية” اليميني المتطرّف و “عوتسما يهوديت”. أما المعسكر الثاني فهو المناهض لنتنياهو، ويضمّ معارضوه وهم موزّعون على امتداد الخارطة الحزبيّة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وأبرزهم الحزب المؤسس حديثاً “أمل جديد” الذي أسّسه الوزير السابق، جدعون ساعر، و حزب”ميرتس” في أقصى اليسار، و حزب “يوجد مستقبل” فيما يطلق عليه الوسط. أما الثالث، فهو المعسكر المحايد، والذي يضم من هم ليسوا مع نتنياهو بالمطلق ولا ضدّه بالمطلق، مثل حزب “يمينا” برئاسة نفتالي بنيت، و “القائمة العربية الموحّدة” برئاسة منصور عباس.

الخارطة الحزبية في إسرائيل.. انشقاقات و تحالفات

شهدت الخارطة الحزبية في إسرائيل متغيرات عدة خلال الفترة السابقة لانتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في مارس المقبل، إذ برزت الانشقاقات والاستقالات داخل الأحزاب المختلفة فضلاً عن التحالفات، و تَمثَّل الانشقاق الأخطر في انفصال جدعون ساعر، أبرز خصوم نتنياهو، عن حزب الليكود، وخوض الانتخابات القادمة بشكل مستقل عبر حزبه. وأثار ساعر الانتباه بعدما حقق حزبه نتائج متقدمة إلى حد ما في استطلاعات الرأي في الوقت الذي دفع قادته لمهاجمة نتنياهو واتهامه بخدمة مصالحه الشخصية. وفي المقابل سعى نتنياهو من جهته لتعزيز صفوف الليكود بمرشحين جدد، جاء أبرزهم سفير إسرائيل في واشنطن منذ 2013، “رون دريمر” ، والجنرال “جال هيرش “، الذي رشّحه لمنصب قائد جهاز الشرطة قبل اتهامه بالفساد.

امتدت عدوى الانشقاقات إلى حزب أزرق – أبيض، حيث انفصل عنه “آفي نيسانكورن” وزير القضاء ووزير الخارجية جابي أشكنازي، نائب بيني جانتس وغيرهما، إذ وواجه الحزب سلسلة من الانشقاقات كان آخرها انشقاق وزيرة المساواة الاجتماعية “ميراف كوهين” واعلانها الانضمام إلى حزب “يوجد مستقبل”. فيما أكد جانتس اعتزامه خوض الانتخابات على رأس الحزب، على الرغم من حظوظه الضئيلة بتجاوز نسبة الحسم، بحسب مختلف استطلاعات الرأي العام.

كما أعلن عضو الكنيست “عوفر شيلح” عن انسحابه من حزب يوجد مستقبل برئاسة “يائير لابيد  “وعزمه تأسيس حزب جديد، عقب رفضه إجراء انتخابات داخلية على رئاسة الحزب، فقد أعلن رئيس بلدية تل أبيب “رون خولدائي” عن تشكيل حزب أطلق عليه اسم “الإسرائيليين”.

لم تستثنِ حالة عدم الاستقرار الحزبي أياً من القوى السياسية الإسرائيلية، فحزب العمل أعلن رئيسه “عمير بيرتس” تخليه عن موقعه، على خلفية توقع كافة الاستطلاعات بأنه لن يتجاوز نسبة الحسم، ودعا حزبه لانتخاب رئيس وقيادة جديدة، حيث أعلنت عضو الكنيست “ميراف ميخائيلي” تنافسها على هذا الموقع.

على الصعيد الآخر، تفكك تحالف القائمة العربية المشتركة الذي يضم 4 أحزاب سياسية، إذ تم الإعلان عن خوضها الانتخابات بقائمتين، وهما تحالف المشتركة (الجبهة والتجمع والتغيير) برئاسة أيمن عودة، والقائمة الموحدة والحركة الإسلامية الجنوبية برئاسة “منصور عباس”.

ويرجح أن يصب انقسام القائمة المشتركة لصالح نتنياهو، إذ سيسهم الانقسام في تشتيت وحرق أصوات العرب وتراجع قوة وتأثير الكتلة الانتخابية العربية، وهو ما سيعزز من قوة معسكر اليمين، ويدخل ذلك في إطار استراتيجية نتنياهو لجذب أصوات العرب خلال حملته الانتخابية الحالية، ومحاولاته المتعددة للتأثير على الصوت العربي من خلال إعلانه عن ترشيح أول عربي، وهو “نائل الزعبي”، ضمن قائمة حزب الليكود في الانتخابات المقبلة، وقيامه بزيارات لبلدات وقرى عربية للتأثير على المصوتين العرب، فضلاً عن تقديمه خطة جديدة لمكافحة الجريمة في الوسط العربي بميزانية تبلغ 100 مليون شيكل.

اتفاقيات فائض الأصوات

لجأت بعض القوائم لتوقيع “اتفاقيات فائض الأصوات”، لضمان تجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة. ووفقاً للاتفاق يجري توزيع المقاعد المتبقية بعد احتساب أصوات المقترعين بين قائمتين عبرتا نسبة الحسم (3.25%). ويتم نقل الأصوات الفائضة من القائمة الأصغر إلى القائمة الأقرب للوصول إلى حاصل لمقعد إضافي. وفي هذا السياق؛ وقَّع حزب الليكود اتفاق فائض أصوات مع قائمة الصهيونية الدينية، وذكرت القائمة  في بيانٍ أن مرشحيها أصروا على أن يتعهد نتنياهو، في اتفاق فائض الأصوات بأن تكون هذه القائمة جزءاً من حكومة يمينية تُشكل بعد الانتخابات. وأثار توقيع هذا الاتفاق موجة من الغضب والانتقادات لحزب الليكود، كما حظيت هذه الخطوة باستياء أيضاً داخل الحزب.

كذلك وقع حزب “أزرق أبيض” برئاسة بيني غانتس اتفاق فائض أصوات مع “الحزب الاقتصادي” برئاسة “يارون زليخا”، اتفاق فائض أصوات. فيما وقّع حزبا العمل وميرتس على اتفاق فائض أصوات، في ظلّ مخاوف من عدم تجاوز ميرتس لنسبة الحسم، وفق ما أظهرت استطلاعات الرأي.

أيضاً، وقع رئيس تحالف أحزاب اليمين “يمينا”، نفتالي بينيت، ورئيس حزب “أمل جديد”، جدعون ساعر، على اتفاق فائض أصوات، كما تم توقيع اتفاق مماثلة بين حزب “يش عتيد”، برئاسة يائير لبيد، وحزب “يسرائيل بيتينو”، بقيادة أفيجدور ليبرمان.

سيطرة اليمين على المشهد

بالنظر إلى قائمة الأحزاب المرشحة وواقع الخريطة الحزبية الممثلة في الكنيست الحالي، فإن الانتخابات المقبلة تشهد تنافساً بين اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، واليمين المناهض له، مع هامش ضيّق لمعسكر اليسار. وتتركز الحملات الانتخابية داخل معسكر اليمين على بنيامين نتنياهو، حيث تهدف الحملة بشكل أساسي إلى ضمان الحفاظ على قوة حزب الليكود من جهة، وإضعاف خصومه في معسكر اليمين كحزبي “أمل جديد” برئاسة جدعون ساعر، و”يمينا” برئاسة نفتالي بنيت، ومن جهة ثانية، و لك لتخفيض قوّة مساومتهما بعد الانتخابات بالإضافة إلى تفكيك الأحزاب الأخرى. كما تركز الحملة بشكل أساسي على نقل أصوات من أحزاب اليمين الأخرى إلى حزب الليكود. ففي الفترة الأخيرة، كرّر نتنياهو رسائل مفادها أن حزب الليكود هو القادر على تخقيق حلم حكومة يمين صرفة، ودعا ناخبيه إلى عدم تشتيت الأصوات داخل معسكر اليمين.

من زاوية أخرى، فإن أحزاب اليمين عملياً تخوض الانتخابات على الحكم فيما بينها، لكونها تملك حسب الخريطة الحزبية الحالية أكثر من 90 مقعداً في الكنيست، وبالتالي فإن لبّ الصراع على الحكم هو بين من يتبعون معسكر نتنياهو وبين من يسعون لتغييره من داخل اليمين، والذين يشكّل ساعر اليوم نقطة جذب لهم.

وبالرغم من تشرذم الجبهة اليمينية، إلا أن الاتجاه العام في المشهد الإسرائيلي يرجح استمرار كفة حكم اليمين، وبالنظر لاستطلاعات الرأي، فقد أظهر أحدث استطلاع أجرته قناة كان العبرية بتاريخ 22 فبراير 2021، حصول معسكر اليمين المؤيد لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على أكثر من نصف المقاعد في الكنيست الإسرائيلي، في الانتخابات المقبلة ما يؤهله لتشكيل الحكومة وأعطى هذا الاستطلاع تقدماً للأحزاب اليمينية ببضعة مقاعد، وتوقع أن تحصل على 62 مقعد، في حين تراجع منافسو نتنياهو؛ أبرزهم حزبا «يش عتيد» و«أمل جديد»، عدة مقاعد، ما يمكن اليمين من تشكيل الحكومة وحده. لكن في كل الأحوال سيبذل نتنياهو قصارى جهده لتشكيل ائتلاف يمكنه من الاستمرار في الحكم وإنقاذ مصيره السياسي في الانتخابات المقبلة.

تململ الناخب الإسرائيلي

لا شك أن المجتمع الإسرائيلي يعاني من تصدعات عدة تعززت خلال السنوات الأخيرة في ظل تولي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وقد شهد العام السابق على وجه التحديد متغيرات عدة ساهمت في زيادة الاحتقان في الداخل الإسرائيلي، بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا و ما ترتب عليها من تبعات سياسية واقتصادية و اجتماعية، وقد صاحب ذلك ارتفاع حالة الغضب لدى الإسرائيليين وإعلانهم عن رفض سياسات الحكومة الإسرائيلية و ما اعتبروه فشلاً ذريعاً لنتنياهو في إدارة الأزمة، و هو ما دفعهم للخروج للتظاهر في أنحاء إسرائيل و مطالبة رئيس الوزراء بالاستقالة.

وبناء على ما سبق، تقلصت ثقة المواطن الإسرائيلي في الحكومة وسئم من الذهاب إلى صناديق الاقتراع  لأربع مرات خلال عامين، دون أن يشعر بتحسن حقيقي في القطاعات المختلفة، هذا في ظل تولي حكومة غير قادرة على حل مشكلاته، فضلاً عن شعور الإسرائيليين المتزايد بأن القادة يضعون مصالحهم الخاصة على المصالح العامة. بشكل عام، هناك حالة تذمر عامة من ضعف آداء الحكومة خلال أزمة كورونا وما أظهرته من ضعف البنية التحتية في القطاع الصحي، وعدم قدرتها على احتواء تداعيات تلك الأزمة. بالإضافة إلى تراجع ثقة الإسرائيليين في الأحزاب المتواجدة و القادة السياسيين الذين اعتادوا تقديم وعود انتخابية تتلاشى مع فوزهم بالانتخابات. ويرجح أن تشهد الانتخابات الإسرائيلية القادمة تقلصاً للعامل الأيديولوجي وانتشاراً الفوضى وتزايداً في موجة العنصرية، حيث ظهر ذلك خلال الحملات الانتخابية، وهو ما ساهم في تململ المواطن الإسرائيلي = من السياسة الإسرائيلية التي تحولت مرتعاً خصباً للاضطرابات والمعارك السياسية.

فضلاً عما سبق، فالمجتمع الإسرائيلي الذي يتسم بمكوناته المعقدة يصعب عليه التوافق على حزب بعينه، خاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت تصاعداً للعنصرية والكراهية، و هو ما اتضح حتى من تصريحات القادة السياسيين. وبالرغم من عدم ثقة الأغلبية في شخص نتنياهو، كزعيم لليكود، بالصورة التي بدت عليها في الأعوام الماضية، إلا أنه لازال يحتل مراكزاً متقدمة في أغلب استطلاعات الرأي، حتى و إن اهتزت مكانته بسبب الأزمات المختلفة، لكن الساحة لازالت تخلو من منافس حقيقي بنفس قوته يمكنه التأثير على الإسرائيليون وجذب أصواتهم.

وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع رأي أجرته قناة i24 news ، في 12 فبراير 2021، أن 32% من الإسرائيليين يفضلون أن يتولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة القادمة، ويليه زعيم المعارضة يائير لابيد رئيس حزب “يوجد مستقبل” بـ14%.

إجمالاً، يمكن القول أن الانتخابات المقبلة مختلفة بصورة كبيرة عن سابقاتها، سواء من حيث القوى المشاركة فيها، كماً ونوعاً، أو طبيعة الائتلاف الذي ستسفر عنه، كما أن السمة الأبرز لتلك الانتخابات تكمن في ارتباطها الوثيق بالأبعاد الشخصية للقادة السياسيين في المشهد الانتخابي. ومن المرجح أن يعقب تلك الانتخابات مزيد من التهتك في المجتمع الإسرائيلي، ونشوب المزيد من الأزمات البنيوية بداخله، خاصة بعدما كشفت عنه من اضطرابات داخل المعسكر الواحد. ويتوقع أن يظهر كل ذلك في إطار تولي حكومة يمينية تتبنى سياسات أكثر تشدداً من سابقاتها.

Scroll Up