دخلت الأزمة السياسية الحادة في أرمينيا منعطفا جديدا، عقب اصدار الجيش لبيان استثنائي، مذيل بتوقيع 40 قيادة عسكرية رفيعة على رأسها رئيس هيئة الأركان أونيك جاسباريان، يطالب باستقالة رئيس الوزراء الموالي للغرب نيكول باشينيان.

البيان الذي صدر صباح الخميس 25 فبراير 2021، حمل عبارات شديدة اللهجة بحق رئيس الوزراء، بوصفه “غير مسؤول ومناهض للدولة”، وان عليه “اتخاذ قرارات مناسبة في الظروف العصيبة والمصيرية الحالية”.

وأضاف البيان نقلاً عن قيادات الجيش الوطني إن صبرهم استنزف إزاء ما وصفوه “اعتداءات الحكومة على الجيش”، وأن “الإدارة غير الفعالة والأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها السلطات الحالية في مجال السياسة الخارجية أودت بالبلاد إلى حافة الهاوية”.

وتابع البيان: “نظرا للظروف الحالية، تطالب القوات المسلحة باستقالة رئيس الوزراء والحكومة، محذرة في الوقت نفسه من استخدام القوة ضد الشعب الذي مات أبناؤه دفاعا عن الوطن”.

رئيس الوزراء نيكول باشينيان سارع بعنونة ما يجرى باعتباره “انقلاب عسكري”، وطالب أنصاره بالنزول الى الشارع وبالفعل ما ان انتصف النهار حتى كان نيكول باشينيان على رأس مظاهرة وسط العاصمة يريفان.

ولكن المشهد في أرمينيا ابعد من التعاطي السطحي للأحداث باعتبارها انقلاب عسكري، اذ تشهد البلاد ثورة شعبية منذ 10 نوفمبر 2020، على ضوء الهزيمة العسكرية امام أذربيجان في حرب آرتساخ (27 سبتمبر 2020 – 10 نوفمبر 2020)، حينما وافقت حكومة نيكول باشينيان على تسليم أذربيجان 3 مناطق حول قره باغ، هي: “أجدام” و”لاتشين” و”كالباجار”، كما أنها ستفقد السيطرة على 7 مقاطعات استولت عليها في حرب وقعت بين الجانبين في التسعينيات.

وبموجب التسوية، انتشر نحو 2000 جندي حفظ سلام روسي بين الجانبين، وعلى طول ممر لاتشين، وهو طريق بطول 60 كيلومتراً يربط عاصمة الإقليم ستيباناكيرت، بأرمينيا، ما يعني عملياً ان روسيا أصبحت المسيطر الأول على إقليم آرتساخ.

وعقب انتهاء الحرب اندلعت ثورة شعبية في البلاد ضد الحكومة المؤلفة من النخبة الموالية للغرب الأوروبي، وقاد الثورة النخبة الموالية لروسيا، في صراع تقليدي في الجمهوريات السوفيتية السابقة ودول الجوار الروسي ما بين الموالين لروسيا والموالين لأوروبا، حيث يقود المعارضة الموالية لروسيا فازجين مانوكيان رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق، والذي يحظى بدعم عدد من الشخصيات البارزة في البلاد، منهم الرئيسان السابقان، روبرت كوتشاريان وسيرج ساركيسيان.

ولم يأت بيان الجيش في 25 فبراير الا دعماً للثورة الشعبية وانحيازاً لها، خصوصاً على ضوء التظاهرات الهادرة الحاسمة التي قامت بها المعارضة في 20 فبراير 2021 قبل خمسة أيام من بيان الجيش.

ويأتي تحرك الجيش ومن قبله المعارضة الوطنية الموالية لروسيا من اجل تخليص أرمينيا من الضغوط الأوروبية لكي تتحول الى خنجر في الخاصرة الروسية، وان تتحول أرمينيا الى دولة مواجهة لروسيا في حزام الجمهوريات السوفيتية السابقة، ما جعل أرمينيا تخسر الحليف الروسي الموثوق فيه الذي كان دائماً ما يدافع عن مصالح الأرمن ضد تركيا وأذربيجان وهو ما لم يحدث في الحرب الأخيرة بسبب تخوف الكرملين من الحكومة الموالية لأوروبا.

الرئيس الأرميني أرمين ساركيسيان، ذو الصلاحيات المحدودة وفقا للدستور، رفض التوقيع على قرار رئيس الوزراء بإقالة رئيس هيئة الأركان ودا جميع الأطراف للذهاب الى مائدة المفاوضات.

وكانت أرمينيا قد شهدت ثلاث ثورات شعبية من قبل، أعوام 2011 (19 يناير 2011 – 25 نوفمبر 2011) والثانية عام 2013 (19 فبراير 2013 – 23 ديسمبر 2013) والثالثة عام 2018 (31 مارس 2018 – 8 مايو 2018) وفى الثورة الأخيرة نجحت المعارضة الموالية لأوروبا في اسقاط النظام الموالي لروسيا واختير نيكول باشينيان رئيساً للوزراء في 8 مايو 2018 عقب انتخابات برلمانية سريعة.

ولكن نيكول باشينيان قاد البلاد للصدام مع روسيا ولاحقاً مع التحالف التركي الاذربيجاني والخسارة العسكرية المرة الى جانب عدم التوفيق في التصدي لتداعيات وباء كورونا والتفرغ لتمشيط المؤسسات الارمينية من النفوذ القومي الموالي لروسيا دونما العمل على ممارسة صلاحياته الدستورية لرفعة دولة الأرمن، ما أدى الى اندلاع ثورة شعبية رابعة لم تنته حتى الان.

Scroll Up