وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، بضرورة استعادة المكانة العالمية للقطن المصري أو ما يسمى بـ”الذهب الأبيض”، وإقامة صناعات وطنية تعتمد عليه لتوفير منتجات قطنية عالية الجودة بأسعار ملائمة للمواطنين، وتأكيده على متابعة محاور تطوير منظومة القطن المصري من زراعة وإنتاج وصناعة وإعادته إلى سابق عهده واستعادة مكانته العالمية، واستغلال الميزات التنافسية لما يحظى به القطن المصري من جودة وسمعة عالمية في الأسواق الدولية، وكذلك إقامة صناعات وطنية تعتمد على القطن المصري وتوفر منتجات قطنية عالية الجودة بأسعار ملائمة للمواطنين.

وتأتي توجيهات الرئيس السيسي مؤخرًا للحكومة المصرية وخاصةً وزرارة الزراعة بمثابة الأمل في إنعاش القطن المصري وعودته لمكانته العالمية؛ ليستعيد مكانته وعرشه عالميًا بعد الهبوط الذي عانى منه المحصول الاستراتيجي على مدار أعوام.

ويعد “القطن” سلعة أساسية ورئيسية لكل فلاح مصري ويعد من أولويات الزراعة حيث كان يُدر دخلًا كبيرًا للفلاح المصري، وهذا قبل حالة الركود التي أدت إلى التناقص المستمر عامًا تلو الآخر في زراعة محصول القطن.

الميزة التنافسية للقطن المصري

ويعد القطن المصري من أهم المحاصيل الاستراتيجية، وذلك نظرًا لكونـه مـن الـدعامات الرئيسية للبنيان الاقتصادي القومي، حيث يقوم عليه العديد مـن الـصناعات المحلية، مثل صناعة الغزل والنسيج وغيرها، بالإضافة إلى استيعابه ما يزيد عن 9 ملايين من العاملين مـا بـين الزراعة والتصنيع.

هذا فضلًا عن أهميته التصديرية التي تنبع من مكانته المتميزة بالنسبة للمحاصيل التصنيفية التصديرية الهامة؛ فمن الناحية التصنيعية يستخدم “القطن الشعر” في صناعة الغزل والنسيج، أما بذرة القطن فهي أحد مصادر الزيوت المهمة، ومخلفاتها تستخدم في تصنيع الأعلاف. ومن الناحية التصديرية فهو المحصول التصديري الأول لما اشتهر به القطن المصري في الأسواق الخارجية بجودته المتميزة من حيث طول التيلة والنعومة والمتانة والتجانس.

ونظرًا لجودة القطن المصري ومكانته وميزته التنافسية فإن مصر تطبق إجراءات صارمة للتحقق من مكونات أي منتج مُصنع من القطن المصري بنسبة 100%، حيث يتم إجراء مراجعة على الشركات المصرح لها استخدام “العلامة التجارية للقطن المصري” من خلال نظام تَتبّع كامل لمكونات القطن المصري في كافة مراحل الإنتاج في سلسلة الإمدادات، إلى جانب إجراء تحليل البصمة الوراثية DNA لعينات من النسيج المُصنع.

 فالعلامة التجارية للقطن المصري عالميًا لا تقارن بغيرها، وهذا هو مصدر قوتها التنافسية. ومن الجدير بالذكر أن شركة “ويلسبن” وهي إحدى كبرى الشركات الهندية في صناعة المنسوجات كشفت التحقيقات التي أجريت معها عن قيامها بعملية نصب وتحايل واستغلال للعلامة التجارية للقطن المصري، إذ باعت الشركة الهندية لسلسلة المحلات الشهيرة “جات” بالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها منسوجات على مدار أعوام تحت شعار أنه “100% قطن مصري” واستغلت سمعة القطن المصري لتمرير منتجاتها الأقل جودة، وكسب مليارات الجنيهات جراء استغلالها للعلامة التجارية للقطن المصري.

وقد أدت أسباب كثيرة ومتراكمة إلى فقدان القطن المصري أهميته الاستراتيجية بسبب ارتفاع تكاليف زراعة ورعاية محصول القطن من احتياج النبات للأسمدة والمبيدات بكثرة، وقلة الإنتاج، واعتماده أيضًا على العمالة اليدوية بكثرة طوال فترة النمو، وعدم وجود آلات حديثة لجنيه، مع انخفاض سعر بيع قنطار القطن مما يؤدي إلى عدم تحقيق هامش ربح للمزارعين.

اهتمام الحكومة المصرية بالقطن

وضعت الدولة المصرية ملف تطوير صناعة الغزل والنسيج والنهوض بزراعة وتجارة القطن المصري ضمن قائمة أولوياتها؛ وذلك حتى تعود هذه الصناعة إلى سابق عهدها الذي طالما اتسم بالتميز ليس محليًا فقط بل على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، تم التحرك في كافة المسارات من أجل تسوية مديونية شركة الغزل والنسيج، وتم وضع ملامح النظام الجديد لتجارة القطن محليًا وهو النظام الذي تم تنفيذه بمحافظتي الفيوم وبني سويف – موسم 2019، والذي يأتي في إطار توجيهات رئيس الجمهورية للنهوض بمنظومة القطن المصري، حيث تم تشكيل لجنة وزارية للقطن تضم وزراء قطاع الأعمال العام والزراعة والتجارة والصناعة لوضع استراتيجية نظام التداول الجديد للقطن المصري لاستعادة مكانته وسمعته المتميزة عالميًا.

ويهدف هذا النظام إلى مواجهة السلبيات في نظام التداول السابق، وضمان جودة القطن المنتج لعودة القطن المصري لسابق عهده ومكانته وسمعته المتميزة بين الأقطان العالمية، ويتمكن المزارعون، وفقا لنظام التداول الجديد الذي تم إقراره بالتنسيق بين وزارات قطاع الأعمال العام والزراعة والتجارة والصناعة، من الحصول على أعلى سعر بما يضاهي الأسعار العالمية للقطن.

ويحقق النظام الجديد الشفافية ويضمن أعلى عائد للمزارع من خلال المزاد، ويكون فتح المزاد بمتوسط السعر العالمي بين القطن الأمريكي طويل التيلة (البيما) والقطن قصير التيلة، ويتسلم المزارع أكياسًا من “الجوت” و”دوبارة قطنية” من مراكز التجميع لتعبئة القطن بها حرصًا على نظافة المحصول، ويسلم قطنه لمركز التجميع دون وسطاء.

وعقب ذلك، تبدأ عملية فرز الأقطان وتحديد الرتب، وفي نهاية اليوم يتم تفريغ البيانات في يومية توضح إجمالي الأقطان التي وردت للمركز وعلم الوزن ورقم الحيازة الزراعية، وتبدأ إجراءات المزاد في اليوم التالي لاستلام الأقطان من الساعة العاشرة صباحا. ووفقًا للنظام الجديد لتداول القطن، لن يسمح بدخول المزاد إلا لشركات التجارة المسجلة وتقديم خطاب ضمان لصالح شركة الوادي لتجارة وحلج الأقطان – المسؤولة عن إدارة مراكز التجميع.

استنبطت الحكومة أصنافًا جديدة من التقاوي عالية الإنتاجية ومبكرة النضج، تصل إنتاجيتها إلى نحو 10قناطير للفدان مع بعض الجهود لإدخال الماكينات الآلية لجني المحصول، حيث يلتهم الجني اليدوي أكثر من ثلث عوائد المحصول، ففدان القطن يحتاج نحو 50عاملًا لجمعه بمبلغ يصل إلى 5آلاف جنيه. وتتجه الحكومة إلى تطوير محالج ومغازل القطن وتشجيع المصانع المحلية لاستخدام القطن المصري بديلًا عن المستورد الذي حل محله في السنوات الأخيرة.

ووضعت وزارة قطاع الأعمال العام خطة لتطوير المحالج والانتقال من المحالج القديمة إلى الجديدة، لاستعادة عرش القطن عالميًا عن طريق تصنيعه كمنتجات تحمل اسم القطن المصري تباع بأسعار عالية للغاية وفى أرقى المحلات التجارية في العالم.

وتتركز هذه الخطة على عدة محاور أولها الاهتمام بزراعة القطن، بحيث يكون ذا جودة وبلا شوائب، ثم مرحلة حلج القطن من خلال محالج جديدة تعمل بتكنولوجيا الروتاري الهندية الأمريكية، ثم إضافة قيمة مضافة من خلال تصنيع القطن لغزول وقماش وتصنيعه، أو تصديره كمنتج بدلًا من تصديره في صورته الخام.

وقد تم الانتهاء من إنشاء وتشغيل أول المحالج المطورة، والذي يقع على مساحة 10 أفدنة على طريق الفيوم/ بنى سويف بعيًدا عن الكتلة السكنية، ويعمل بتكنولوجيا حديثة لأول مرة في مصر وبطاقة إنتاجية 5 طن/ ساعة. وتبلغ التكلفة الإجمالية لإنشاء المحلج نحو 250 مليون جنيه. وكذلك جارٍ حاليًا الانتهاء من تطوير 3 محالج هي: الزقازيق وكفر الدوار وكفر الزيات؛ لبدء التشغيل التجريبي في مايو 2021، ومن المقرر تطوير 3 محالج أخرى نهاية 2021 ليصبح إجمالي المحالج المطورة 7 محالج تكفي لحلج كافة الأقطان المصرية.

وتحاول الحكومة تطوير منظومة تداول القطن بداية من الزراعة من خلال المحافظة على السلالات المنتقاة، والخواص الطبيعية للقطن المصري، مرورًا بتحسين جودة ونظافة القطن. وعلى الرغم من الأهمية البالغة للمشروعات القومية الزراعية إلا أنها لا تُغني عن ضرورة الاهتمام بالفلاح المصري وبتحقيق هامش ربح له من زراعته إذا أردنا الحفاظ على الزراعة وأهميتها الاستراتيجية.

ووفقًا لما سبق تتضح أهمية رجوع القطن المصري لأهميته الاستراتيجية والعالمية؛ لذا من المهم أن يتم في الفترة المقبلة تعاون مثمر ومستمر بين الجهات المختلفة كوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ووزارة التجارة والصناعة، ووزارة قطاع الأعمال العام، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، والشركة الوطنية المصرية للتصدير والتنمية الصناعية، واتحاد مصدري الأقطان، وجمعية قطن مصر، بالإضافة إلى ممثلين عن المجلس الأعلى للصناعات النسيجية، ومعهد بحوث القطن، والشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس الجاهزة، واتحاد مصدري الأقطان، وجمعية قطن مصر وغيرهم من المعنيين؛ من أجل الخروج برؤية تكاملية لتذليل العقبات وحل المشكلات الخاصة بالقطن المصري.

وذلك بدايةً من تحفيز المزارعين على زراعته من خلال رفع سعر قنطار القطن، وعودة الدورة الزراعية، والإعلان عن سعر بيع القطن قبل زراعته، وتسويق الدولة لمحصول القطن، ودعم الدولة للفلاح مع توفير السلالات المحسنة عالية الانتاج وتوفير الدعم الفني، وصناعته من خلال تذليل العقبات التي تواجه الغزل والنسيج كتطوير المحالج، واستخدام ماكينات الغزل والنسيج الحديثة، ثم وضع خطة تسويقية لإعادة مجده عالميًا وتصديره كنسيج وليس كمادة خام لتعظيم الاستفادة منه.

Scroll Up