تنهي الأزمة السياسية الناجمة عن التعديل الوزاري في تونس أسبوعها الخامس منذ موافقة البرلمان على التعديل (27 يناير) مع اتجاه الأحداث نحو التصعيد من مختلف الفاعلين في الأزمة؛ فبينما يصر رئيس الحكومة هشام المشيشي على تمرير التعديل الوزاري الذي حاز ثقة البرلمان كونه هو المنوط به دستوريًا اختيار الوزراء وإقالتهم، صعّد رئيس الجمهورية قيس سعيد موقفه من ضرورة تغيير الوزراء الذين تثار حولهم شبهات فساد إلى ضرورة استقالة الحكومة كلها وفي مقدمتها رئيس الوزراء. وبين هذا وذاك تدفع حركة النهضة صاحبة الأكثرية داخل البرلمان والمكون السياسي الأهم ضمن الائتلاف البرلماني الداعم لهشام المشيشي الأزمة إلى التصعيد الشعبوي بالدعوة إلى التظاهر “للثبات ودعم المؤسسات”.

تحركات متوازية

انبرى كل طرف فاعل في الأزمة في مسار مختلف خلال الأيام الأخيرة سعيًا إلى تحسين موقعه على طاولة الأزمة، والعمل على إثبات صحة موقفه وإظهار أنه هو الممسك بزمام الأمور التي تزداد تعقيدًا وهو من بيده أمر حلها وعقدها.

وصف رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي نفسه بأنه مثل الجندي الذي لا يهرب من المعركة، ومن هذا المنطلق أخذ على عاتقه العمل على تمرير التعديل الوزاري الذي صادق عليه البرلمان ويأبى الرئيس التونسي أن يُتمه بأداء الوزراء المعينين حديثًا اليمين الدستورية أمامه. ولتحقيق هذا المأرب وفي ظل شغور سلطة المحكمة الدستورية اجتمع المشيشي مع عدد من الهيئات القضائية وبحث معها النظر في أزمة أداء اليمين الدستورية، إلا أن هذه الهيئات أكدت عدم اختصاصها في النظر في مثل هذه القضية.

أما رئيس الجمهورية قيس سعيد فيحتفظ لنفسه بحق وسلطة تأويل النصوص الدستورية في ظل غياب المحكمة الدستورية المنوط بها تأويل الدستور والفصل بين السلطات في حالة التنازع مثل الوضع القائم الآن، والتي كان من المفترض تشكيلها في غضون عام واحد من إجراء الانتخابات البرلمانية وفق نص الدستور، ولكن لم يتم ذلك. ويرفض سعيد كل الدعوات للحوار ومنها دعوة الاتحاد العام للشغل الذي صرح رئيسه نور الدين الطبوبي بعد لقاء مع الرئيس بأن الرئاسة تريد رحيل كل الحكومة وليس فقط انسحاب الوزراء الذين تعلقت بهم شبهات فساد.

فيما دفعت حركة النهضة الأزمة برمتها إلى الشارع، ودعت إلى مظاهرة تحت اسم “مسيرة الثبات ودعم المؤسسات” احتشد لها في العاصمة التونسية الآلاف من أنصارها (27 فبراير) تلويحًا بأن لديها شعبية كبيرة ظهرت في هذه المسيرة التي وجه فيها رئيس الحركة راشد الغنوشي خطابًا أكد فيه دعوته إلى الوحدة والحوار وأن الشعب يقول كلمته من خلال هذه المسيرة.

وهدفت النهضة من وراء هذا التحرك التأكيد أنها مازالت حاضرة في المشهد بقوة وقادرة على حشد الآلاف لتثبيت مواقعها في مواجهة الرئيس التونسي الذي يرفض الحوار معها ووصف أمام حشد من المواطنين في نفس اليوم خلال زيارة إلى “منزل المهيري” بالقيروان هذا التحرك النهضوي بأنه “إفلاس سياسي” قائلًا “يتحدثون كل يوم عن الإفلاس وعن أن تونس على وشك الإفلاس، ولكن ترون بأعينكم اليوم مظاهر الإفلاس السياسي، وليس الإفلاس المالي، وكيف تظهر وتهدر الأموال في العاصمة”. وهو ما عُد إصرارًا منه على الموقف التصعيدي الذي اتخذه ضد النهضة.

أزمة متأصلة

بات جليًا أن الأزمة السياسية الحالية في تونس لا تنفصل عن أزمات أخرى شهدتها البلاد خلال العام الأخير كان دافعها الأبرز هو الصراع بين الرئيس التونسي قيس سعيد من جهة وحركة النهضة بزعامة رئيس البرلمان راشد الغنوشي من جهة أخرى. وتتغير أداة هذا الصراع بتغير الحكومات المتعاقبة؛ فالخلاف الراهن حول حكومة هشام المشيشي يدور في نفس فلك الخلاف حول حكومة رئيس الوزراء السابق إلياس الفخفاخ والذي انتهى باستقالته على إثر الدفع ضده بتهم فساد وتضارب مصالح.

المتغير الأبرز في أزمة حكومة المشيشي عن حكومة الفخفاخ هو سعي أطراف الأزمة إلى إشراك الشارع التونسي كطرف مُحكّم بينهم. فرغم تلويح كل من الرئيس سعيد ورئيس البرلمان الغنوشي بفكرة الشرعية الشعبية من قبل وسعي كل منهم إلى احتكار تمثيل هذه الشرعية، إلا أن الأزمة لم تصل إلى حشد المظاهرات والمسيرات أو الحديث وسط الجموع تعبيرًا عن القوة.

وبقدر ما يمثل حشد حركة النهضة لأنصارها متغيرًا في الأزمة التونسية فإنه في الوقت ذاته كان متوقعًا بالنظر إلى الأصول التي تستقي منها الحركة ديناميات تحركها وهي جماعة الإخوان. وقد كانت تجربة حكم الإخوان في مصر شاهدة على وقائع مشابهة لجأت فيها الجماعة إلى حشد أنصارها؛ تعبيرًا عن القوة والهيمنة، والقفز بهذه الحشود على أزماتها مع مختلف الأطراف السياسية.

ولكن ينضوي رهان حركة النهضة على الشارع في هذا التوقيت ليكون وسيلة ترجيح كفة على حساب أخرى في الأزمة مع الرئيس التونسي على مخاطر جمة؛ وذلك بالنظر إلى الغضب الشعبي الواسع الذي شهدت تونس تجلياته خلال الأسابيع الأخيرة في صورة احتجاجات شعبية في مختلف الولايات والمناطق اعتراضًا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يواجهونها. وقد وصل عدد هذه الاحتجاجات إلى 2675 احتجاجًا منذ بداية العام وحتى 23 فبراير الماضي حسب إحصاءات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم قد يقود هذا الاحتقان إلى حالة من الانفلات.

وتتعزز هذه الفرضية بالإشارة إلى التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي والذي حض الحكومة التونسية على خفض الأجور التي تبلغ كلفتها 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي، والحد من دعم الطاقة لتقليص العجز المالي الذي قُدر خلال 2020 بنحو 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات الصندوق بانكماش الاقتصاد التونسي بنحو 3.8% خلال عام 2021. ذلك فضلًا عن قيام وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني بخفض التصنيف الائتماني لتونس من B2 إلى B3 مع نظرة مستقبلية سلبية.

توازنات القوة

يتضح من المعطيات السابقة أن كل طرف من أطراف الأزمة قد رسم خطوطه الحمراء التي لن يقبل التراجع عنها، ومن ثم فإن الأزمة السياسية التونسية على الأرجح ستستمر خلال الفترة المقبلة ما لم يحدث تغير في موازين القوة أو قبول من الرئيس التونسي الذي يحرص على ألا يفصح عن موقف واضح من الأزمة بأن يجلس مع الفرقاء رئيس الحكومة المشيشي ورئيس البرلمان والنهضة الغنوشي للخروج من الأزمة وفق مسار يحفظ ماء وجه كل طرف.

ويبقى رئيس الوزراء هشام المشيشي هو الطرف الأضعف في الصراع السياسي الدائر في تونس بين السلطتين المنتخبتين؛ إذ يكتسب قوته فقط من الائتلاف البرلماني الذي أعطاه الثقة في سبتمبر الماضي ووافق على تعديله الوزاري قبل خمسة أسابيع، والذي يتكون من حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة. وإذا ما اقتضت متطلبات اللعبة السياسية أو ضغوط أطراف أخرى مثل اتحاد الشغل خلال الفترة المقبلة أن يكون هناك حوار بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان فإن أول ما يمكن التنازل عنه هو التعديل الوزاري الذي أجراه المشيشي باستبعاد الوزراء الذين أثيرت حولهم شبهات فساد، أو التخلي عن الحكومة كلها.

Scroll Up