يبرز ملف حقوق الإنسان في تركيا باعتباره واحدًا من ضمن العديد من الملفات الشائكة المؤثرة على مسار العلاقات التركية مع الغرب، ومن المرجح أن يكتسب هذا الملف زخمًا متزايدًا خلال الفترة المقبلة.
ففي نهاية شهر فبراير الماضي، وقع أكثر من 170 نائبا من مجلس النواب الأمريكي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على خطاب أُرسل إلى وزير الخارجية أنطوني بلينكين يحث إدارة الرئيس جو بايدن على الضغط على تركيا بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

وضع حقوق الإنسان في تركيا


بحسب ما جاء بالخطاب الذي نشرته وكالة “رويترز” في الأول من مارس الجاري، “فقد استخدم الرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية خلال مدة تقارب العقدين سلطتهم لإضعاف القضاء التركي، وتنصيب حلفاء سياسيين في مناصب عسكرية واستخباراتية رئيسية، وقمع حرية التعبير وحرية الصحافة، وسجن السياسيين المعارضين والصحفيين والأقليات ظلماً.”
وعلى الرغم –وفقًا للنواب الأمريكين- من أهمية بقاء الولايات المتحدة وتركيا كحليفين استراتيجيين وإصلاح الخلافات بينهما، ولكن من الضروري أيضًا وجود تغييرات في سلوك الرئيس أردوغان وحزبه لاستعادة العلاقة الأمريكية التركية. وفي ختام الخطاب، أعرب النواب عن أملهم في أن تعمل وزارة الخارجية الأمريكية وإدارة بايدن على نطاق أوسع على رفع مستوى حقوق الإنسان والديمقراطية في علاقات الولايات المتحدة الثنائية مع تركيا.
سبق إرسال تلك الرسالة توقيع غالبية أعضاء مجلس الشيوخ (54 عضوًا) في العاشر من فبراير الماضي على رسالة أخرى اتهمت الرئيس التركي بتهميش المعارضة وإسكات وسائل الإعلام الناقدة وسجن الصحفيين وشن حملة “إطاحة” في صفوف القضاة المستقلين.
وفي أواخر يناير الماضي، شددت وزارة الخارجية الأمريكية على الخطر البالغ من لوائح الاتهام ضد المجتمع المدني والإعلاميين والسياسيين ورجال الأعمال في تركيا، إلى جانب احتجازهم المطول قبل المحاكمة. كذلك، فقد تزامن التنديد الأمريكي مع ما نشرته المفوضية الأوروبية من تقرير حول تركيا جاء فيه “أن التراجع الخطير في احترام المعايير الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الأساسية مستمر في تركيا”.
وبحسب التقرير الصادر عن مركز “استوكهولم” للحريات حول أوضاع حقوق الإنسان في تركيا لعام 2020، عانت تركيا من أزمة عميقة في مجال حقوق الإنسان منذ محاولة انقلاب يوليو 2016. فقد نفذت الحكومة التركية عملية تطهير واسعة النطاق لمؤسسات الدولة في أعقاب محاولة انقلاب يوليو 2016، حيث تم فصل أكثر من 130.000 موظف عمومي، بما في ذلك 4156 قاضياً ومدعياً ​​عاماً، فضلاً عن 20610 من أفراد القوات المسلحة من وظائفهم بزعم عضويتهم أو علاقاتهم مع “منظمات إرهابية”، هذا إلى جانب فصل أكثر من 33000 ضابط شرطة وما يزيد عن 5000 أكاديمي من وظائفهم، كما تم إغلاق 164 مؤسسة إعلامية و 1058 مؤسسة تعليمية وما يقرب من 2000 منظمة غير حكومية دون أي إجراءات قانونية.
وبحسب بيان صادر عن وزير الداخلية التركي، فقد تم اعتقال ما مجموعه 292 ألف شخص، بينما تم سجن 96 ألف آخرين بسبب صلات مزعومة بحركة “غولن” منذ الانقلاب الفاشل.
ووفقًا لوزارة الداخلية أيضًا، فقد أقالت السلطات التركية ما مجموعه 151 رئيس بلدية منتخبًا من مناصبهم بتهم الإرهاب في السنوات الست الماضية، جميعهم تقريبًا من حزب الشعوب الديمقراطي، واستبدلتهم ببيروقراطيين معينين من قبل الحكومة.
وفي شأن حرية الصحافة والإعلام، تصف منظمة “مراسلون بلا حدود” تركيا بأنها “أكبر سجن للصحفيين في العالم”. وبحسب تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2020 حول تركيا، فإن “90% من وسائل الإعلام التركية مملوكة الآن لجماعات موالية للحكومة”.
وبحسب مركز استوكهولم للحريات، يوجد أكثر من 175 صحفيًا في السجون التركية، ولا تزال الصحافة مرتبطة بالإرهاب في تركيا، ويستخدم العمل الصحفي كدليل ضد الصحفيين في الغالبية العظمى من الإدانات. في معظم المحاكمات، تتكون الأدلة عادةً من منشورات على وسائل التواصل وقصص إخبارية ومقالات وبث تلفزيوني.

تشريعات خانقة


على الرغم مما يبدو من محاولة انقلاب يوليو 2016 من كونها تهديدا لسلطة أردوغان، ولكنها منحت النظام التركي فرصة لتوسيع سلطاته وترسيخ أسس حكمه. تمثلت البداية في إدخال تعديلات على الدستور وتغيير النظام التركي إلى النظام الرئاسي، والذي بمقتضاه أدى إلى زيادة سلطة الرئاسة التركية، وتآكل سيادة القانون، وزيادة السيطرة التنفيذية على السلطة القضائية.
وعلى المستوى القانوني، فقد شهد العام 2020 مناقشات حول قوانين (منها ما تم إقراره فعلًا، ومنها مازال تحت المناقشة) تسهم في ترسيخ سيطرة العدالة والتنمية في مقابل تقييد أو منع أي رأي مخالف لرؤية الرئاسة التركية أو رؤية التحالف الحاكم (حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية).
في أكتوبر 2020، دخل قانون تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا حيز التنفيذ، وذلك بعد مصادقة البرلمان التركي عليه في يوليو من نفس العام. وكان حزب العدالة والتنمية قد تقدم بمشروع القانون إلى البرلمان بدعوى محاربة الجرائم الإلكترونية، ولكن يعزو السبب الحقيقي فيما أبداه الرئيس التركي من استياء إزاء تلك المواقع جراء ما تعرضت له عائلته من إهانة عبرها.
يجبر القانون الجديد شركات التواصل الاجتماعي التي لديها أكثر من مليون مستخدم يوميًا في تركيا، مثل “تويتر” و”فيسبوك” و”يوتيوب”، على تأسيس حضور رسمي أو تعيين ممثل لها في البلاد يكون مسؤولًا أمام السلطات بشكل قانوني، ومن أجل الأغراض الضريبية. ومن المقرر مطالبة شركة وسائل التواصل الاجتماعي أو ممثلها بالرد في غضون 48 ساعة على الشكاوى المتعلقة بالمشاركات التي تنتهك الحقوق الشخصية وحقوق الخصوصية. وفي حال رفضت الشركات تعيين ممثلين لهم في تركيا، ستطبق عليهم عقوبات تتضمن غرامات مالية بملايين الليرات.
تعد منصات التواصل الاجتماعي آخر المساحات المتاحة أمام المواطنين الأتراك للتعبير عن آرائهم نظرًا لما توفره تلك المنصات من مساحات للآراء المختلفة والمنتقدة للنظام. ولكن مع ذلك تخضع تلك المنصات إلى رقابة الحكومة التركية، وهو ما يستدل عليه عبر استناد العديد من الدعاوى القضائية التي تندرج بها تهم “إهانة رئيس الدولة” أو “الدعاية الإرهابية” إلى تغريدة واحدة أو بضع تغريدات. وبحسب جريدة “لو فيغارو” الفرنسية، فقد قامت تركيا بالفعل خلال عام 2019 بحظر الوصول إلى أكثر من 408 آلاف موقع و40 ألف تغريدة على تويتر و10 آلاف فيديو على يوتيوب وأكثر من 6 آلاف منشور على فيسبوك.
وبجانب تضييق الواقع الافتراضي، أقر البرلمان التركي في يونيو 2020 قانون “حراس الليل”، والذي من شأنه منح حراس الأحياء الذين يقومون بدوريات ليلية للإبلاغ عن سرقات وحالات إخلال بالنظام العام، الصلاحيات نفسها التي يتمتع بها رجال الشرطة. وسيكون بإمكانهم حيازة واستخدام أسلحة نارية في حال الضرورة واعتراض أفراد للتدقيق في هوياتهم أو تفتيشهم. وبحسب المعارضة التركية، فإن استحداث تلك القوة سيعني وجود قوة عسكرية مسلحة مكونة من أفراد غير مؤهلين، صلاحياتهم موازية لقوات الأمن، وتُدار من جانب الحزب الحاكم بغرض تقييد حرية المواطنين، وإضعاف دولة القانون وزيادة الضغط على المجتمع للبقاء في السلطة.
واتصالًا بإضعاف دولة القانون، أقر البرلمان التركي في يوليو 2020، قانونًا بشأن تغيير هيكل نقابات المحامين يسمح بتشكيل أكثر من نقابة للمحامين في كل إقليم، بدلًا من النظام السابق الذي كانت فيه لكل إقليم نقابة واحدة، وهو ما يقلل من قوة ووحدة تلك المؤسسات النقابية في مواجهة الحكومة. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن القانون الجديد “موضوع فيما يبدو لتقسيم مهنة المحاماة وفقا للانتماءات السياسية والقضاء على دور نقابات المحامين الكبرى في الرقابة على حقوق الإنسان”.
إلى جانب ما تم إقراره بالفعل من قوانين، نوقشت خلال العام الماضي مشروعات آخرى من شأنها ضمان السيطرة السياسية والحكومية للعدالة والتنمية على كافة مفاصل الدولة. في يونيو 2020، قدم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مقترحًا للبرلمان من أجل إعادة “التحريات الأمنية” كشرط للتعيين في الوظائف الحكومية. المشروع الذي ألغته المحكمة الدستورية في وقت سابق، قوبل باعتراضات من قبل المعارضة التركية والتي رأت في المشروع وسيلة للحزب الحاكم لجعل الوظائف حكرًا فقط على أنصاره.
من جانب آخر، سعي الحزب الحاكم إلى جانب حليفه القومي إلى إدخال تعديلات على قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات. فمن ناحية، اقترح حزب العدالة والتنمية تعديلات من شأنها منع النائب المستقيل من حزب معيّن من الانضمام لحزب آخر لمدة تتراوح ما بين 6 أشهر إلى عام، وبقاء العضو المستقيل عن الحزب مستقلًا حتى نهاية الفترة البرلمانية، كما حظر أيضًا نقل عدد محدد من البرلمانيين بشكل يؤدي لتشكيل كتلة برلمانية.
ولتحصين فرصه بالانتخابات الرئاسية المقبلة والمفترض عقدها عام 2023، عمل الحزب الحاكم أيضًا على إعداد مشروع يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية التركية ضمن جولة واحدة، بجانب إلغاء النسبة الاعتيادية للفوز فيها، حيث يقترح الحزب بدلاً من نسبة (50+1) أن يقر القانون الرئاسي الجديد على فوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات حتى ولو كانت نسبة التصويت لصالحه أقل من 50%.
وفي فبراير الماضي، دعا الرئيس التركي إلى مناقشة صياغة دستور جديد للبلاد، وهي الدعوة التي تزامنت مع توافق المعارضة بخصوص أهمية العودة إلى تطبيق النظام البرلماني. بحسب العديد من المحللين، يمكن تصور العديد من البنود التي سيتضمنها الدستور الجديد كتدعيم أكبر للسلطة التنفيذية في مقابل تحييد للسلطتي القضائية والتشريعية، تقييد عمل المنظمات غير الحكومية، وإلغاء نسبة الفوز ب 50%+1 بالانتخابات الرئاسية، لاسيما في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من تراجع شعبية الرئيس التركي وهو ما قد ينعكس في عدم قدرته الحصول على تلك النسبة في أي انتخابات مقبلة. كذلك، من المتوقع أن يتضمن الدستور المقترح موادًا تمكن السلطات التركية من إغلاق أحزاب سياسية متهمة بالتورط في جرائم إرهابية، وذلك بغرض التخلص من حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، ولمنع أي تحالف مستقبلي ما بين الحزب والمعارضة.
وفي النهاية، قد يلجأ النظام التركي إلى إحداث مجموعة من الإجراءات الشكلية التي تمكنه من مواجهة التنديدات الغربية المثارة، ولكن دون أن يستتبع ذلك أي تغيير هيكلي قد يحقق أي شكل من أشكال الانفراجة بالمشهد الحقوقي التركي. وفي ظل تراجع الشعبية في الداخل، قد يلجأ الرئيس التركي إلى استخدام التنديدات الأمريكية والأوروبية كأداة خطابية بغرض رفع نسبة شعبيته في مقابل المعارضة – التي يجب تمكينها وذلك وفقًا لما جاء من قبل في حديث للرئيس الأمريكي “جو بايدن”.
من ناحية أخرى، قد يلجأ الرئيس التركي إلى استخدام الدستور الجديد كأداة لقياس شعبيته. فمع إدراكه لصعوبة تمرير الدستور الجديد داخل البرلمان (حيث يستلزم تمريره موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، أي موافقة 400 عضو من أصل 600 عضو، في حين أن التحالف الحاكم يضم فقط 337 عضو داخل البرلمان)، قد يلجأ الرئيس التركي إلى طرح الدستور الجديد للاستفتاء الشعبي، والذي إذا ما تم إقراره شعبيًا سيعني هذا بالنسبة للرئيس التركي وحزبه قدرتهما على الفوز بالانتخابات المقبلة، إما في حال الفشل، فسيعني هذا حاجة الرئيس التركي إلى البحث عن وسائل قانونية جديدة ومخرج دستوري من شأنه ضمان استمراره في السلطة.

Scroll Up