حالة من الترقب تشهدها العلاقات الأمريكية التركية على خلفية الجفاء الذي تتعامل به ادارة الرئيس الأمريكي جو بادين مع النظام التركي، بينما يحاو ل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القيام بتحركات للتقارب مع الإدارة الجديدة عبر الإعلان عن اصلاحات ديمقراطية وعودة الحوار مع دول حلف الناتو والتعهد بوضوع منظومة جديدة تحفظ حقوق الانسان في تركيا.

لا يشعر النظام الحاكم في تركيا بارتياح تجاه الانتقادات التي تتوالى من الإدارة الأمريكية الجديدة و الكونجرس الأمريكي التي تلاحق تركيا باعتبارها أكثر دول المنطقة والعالم قمعا وانتهاكا لحقوق الانسان فضلا عن تقاربها مع التنظيمات المتطرفة فى المنطقة وتعاونها العسكري والاقتصادي مع روسيا وتحديدا صفقة صواريخ S400   التى اشترتها أنقره من روسيا رغم الرفض الأمريكي القاطع لاتمام تلك الصفقة والتلويح بعقوبات جديدة ضد النظام التركي الذي لن يحتمل تلك العقوبات في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة وانهيار الليرة التركية المتوالي مع ارتفاع التضخم لمعدلات عالية بشكل يهدد استقرار الأسواق التركية.

وحاول أردوغان خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهدئة المخاوف الأوروبية من التحركات التركية ، وتلطيف الأجواء بين تركيا وفرنسا على خلفية قيادة تركيا لحملة مقاطعة البضائع الفرنسية والتصعيد ضد ماكرون خلال الصيف الماضى وتحرش القطع العسكرية التركية بالسفن الحربية الفرنسية في منطقة شرق المتوسط وهو ما وضع العلاقات التركية فى الفرنسية فى حالة من التازم المستمر فضلا عن اتخاذ فرنسا لخطوات صارمة ضد التغلل التركى فى المجتمع الفرنسى الذى يستخدم عناصر جماعة الاخوان ارهابية لنشر التشدد الدينى وتذكية روح الانفصالية والانعزالية للمجتمعات الاسلامية داخل فرنسا  .

لم تلق خطوة أردوغان تجاه فرنسا القبول لدى الولايات المتحدة، كما لم تفلح أيضا في تهدئة مخاوف المعارضة التركية التي أدانت مبكرا ما أعلنه من خطط اصلاحية بل وعززت المخاوف من تدهور أوضاع حقوق الانسان وحرية الصحافة التي تتعرض لقمع غير مسبوق من جانب نظام أردوغان وصل إلى درجة تصنيف تركيا أكبر سجن للصحفيين في العالم.

و فيما تتعامل واشنطن مع تحركات أردوغان بحذر شديد ، بدأ مسئولون في الادارة الأمريكية الإفصاح عن تعامل مختلف لواشنطن مع أنقرة خلال إدارة بايدن يتجه نحو الصدام الحتمي خلال المرحلة القادمة اذا لم تتغير الخطة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ، وظهر أن هناك إصرارا أمريكيا  على معاقبة أردوغان تجلى في تصريح أحد المسئولين لاذاعه صوت امريكا الأربعاء الماضي خلال تعليقة على اصرار تركيا شراء منظومة  صواريخ إس -400 مضاد للطائرات من روسيا أكد أن “هناك القليل من الإشارات على أن النمر قد غير مكانه بالفعل ” ، وهي إشارة إلى أن الغضب الأمريكي من الصفقة قد يغير موضع تركيا من حليف للولايات المتحدة إلى موقع اخر وان أمريكا ستكون عازمة على معاقبة تركيا لخرقها قواعد عضويتها في الناتو بشراء أنظمة دفاعية روسية .

وهو ما عبر عنه بشكل أوضح وزير الخارجية الأمريكي انتونى بلينكن خلال جلسة تثبيته في منصب وزير الخارجية أمام أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين من خلال حديثه عن تركيا باعتبارها “شريكا استراتيجيا مزعوما لا يتصرف في نواح كثيرة كحليف.

ثم بدأت تتصاعد الوتيرة في واشنطن نحو الصدام بين بايدن وأر دوغان بظهور أصوات تنادي  داخل الكونجرس من اليمين واليسار باعتماد خطّ أكثر تشددًا من جانب واشنطن تجاه انقره وحديث المشرعين عن وجود انتهاك جسيم لحقوق الإنسان وتراجع ديمقراطي يحدث في تركيا وهو ما يمثل مصدر قلق كبير لدى الو لايات بالاضافة إلى إضعاف القضاء التركي ، وتعيين أردوغان لحلفائه السياسيين  في المناصب العسكرية والاستخباراتية الرئيسية ، وملاحقته غير المشروعه للمعارضين السياسيين والصحفيين والأقليات العرقية فى تركيا وطالبوا باعتماد نبرة اقوى فيما يتعلق بملف حقوق الانسان مع الرئيس التركى فضلا عن تحذير وزارة الخارجية الامريكية للسلطات التركية من استمرار اعتقال رجل الأعمال عثمان كافالا لأسباب وصفتها الولايات المتحدة بالواهية ، فيما اكتفت واشنطن على الجانب رفيع المستوى باتصال وحيد بين جيك سوليفان ، مستشار الأمن القومي الأمريكي ، وإبراهيم كالين ، المستشار الأمني ​​لاردوغان .

وفى ذلك الاطار تجد انقره نفسها فى مواجهة المزيد من الاسئلة الصعبة ، فالحصار الامريكى يتفاقم يوميا بعد يوم ، فضلا عن ان اى تراجع من جانب انقره تجاه تحركات واشنطن سيفقد اردوغان المزيد من شعبيته المتدهوره فى الداخل التركى ، بجانب مخاوفه الشخصية من فتح اداره بايدن لملف بنك خلق أحد أكبر المصارف التركية، التى انتهكت العقوبات المفروضة على إيران واتخاذ المزيد من الاجراءات القانونية ضدها  قد يصيب استثمارات عائلة اردوغان الشخصية بالشلل التام .

الا ان قضية اس 400 ستكون هى نقطة الصدام المتوقعة بلا شك حيث لن تتحسن العلاقات الا بتراجع انقره عن شراء المنظومة الدفاعية والتى ترى واشنطن انها تهدد أمن تكنولوجيا حلف شمال الأطلسي ، كما ان اى تراجع من جانب اردوغان سيكون سببا لخسارته لعلاقة مميزة مع موسكو حيث يتداخل كلاهما فى الملف السورى ، كما تقوم روسيا بدور مهم فى تهدئه مخاوف تركيا من جانب العناصر المتشدده فى المناطق الكردية فى شمال سوريا والعراق ، وتتخوف تركيا من تأثير الغياب الروسى المحتمل على امن وسلامة قواتها فى تلك المناطق خاصة وانها تعرضت لضربات مؤلمة خلال الفترة الماضية .

يحاول اردوغان الرهان على عامل الوقت فى التعامل مع تلك الرهانات الصعبة لعودة الشراكة التركية مع الولايات المتحدة ، لكنه يعلم جيدا ان اى تقارب سيكون له مقابل مؤلم خاصة مع تشدد واشنطن فيما يتعلق بدبلوماسيتها الخاصة بحقوق الانسان وايضا عدم تراجعها فى ملف الصواريخ الروسية وايضا مسانده اليونان فى مواجهة اى تحرشات تركية قادمة .

الرهان الاخر امام اردوغان هو استعادة زخم علاقاته الاوروبية المتدهوره على امل تغير الموقف الامريكى بناء على نصائح الشركاء الاوروبيين ، حيث تسعى اوروبا لتهدئه الاجواء مع تركيا لأسباب اقتصادية ، وتخوفا من أن يؤدي أي تدهور إضافي قد يؤدى لاندفاع أردوغان باتجاه كسر اتفاقه مع الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق اللاجئين واستخدام تركيا مرة أخرى كبوابة عبور إلى أوروبا.

على الجانب الاخر تسير الولايات المتحدة نحو الصدام مع تركيا فى حالة اتمام صفقة الاس 400 مع روسيا وتشغيلها فى تركيا ، محملة نظام اردوغان مسئولية تدهور الشراكة الاستراتيجية التركية الامريكية  ، وان موضع تركيا فى السياسة الخارجية الامريكية قد يتغير وفقا لما ستحملة الايام القادمة من مؤشرات على صدام محتمل او هدوء واكتفاء باستمرار حالة الترقب بين واشنطن وانقرة .

Scroll Up