في توقيت فارق وبالغ التعقيد، في ظل المنعطفات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية في مصر والسودان، يزور الرئيس عبد الفتاح السيسي الخرطوم اليوم السبت، لبحث عدد من الملفات المشتركة أبرزها سد النهضة الإثيوبي، والقضايا الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

تكشف الزيارة التاريخية مدى إدراك القاهرة لوحدة المصير والمصالح، ومدى أهمية المنطقة الإقليمية وأمن البحر الاحمر وشمال إفريقيا خاصة ليبيا، في ظل التحديات المشتركة التي يواجهها البلدان، والتهديدات المتعددة التي تواجه الأمن القومي في الدولتين. وضرورة الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى واقع استراتيجي جديد، يفوق ما كانت عليه في الماضي من مجرد صياغات سياسية، لتفعيل مرحلة جديدة من العلاقات الاستراتيجية.

تعد زيارة الرئيس السيسي، هي الأولى من نوعها عقب تشكيل مجلس السيادة الانتقالي، وتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة، مما خلق أوضاعاً جديدة مختلفة، وروحاً إيجابية في السودان، خاصة بعد رفع اسمه من قائمة الإرهاب وإعادة تطبيع العلاقات مع مؤسسات التمويل العالمية وبداية انسياب التحويلات المالية في أعقاب الإصلاحات الاقتصادية. كما يأتي أهمية توقيت الزيارة في أعقاب تغيير الإدارة الأمريكية ووصول الديمقراطيين برئاسة “جو بايدن” إلى البيت الأبيض، والتغيرات المحتملة في السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وتأثير ذلك على السودان.

وتأتي الزيارة أيضًا وسط حراك دبلوماسي وعسكري كبير بين البلدين، ففي حين التقت وزيرة الخارجية السودانية الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيرها المصري سامح شكري في القاهرة، اختتم محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية زيارة للخرطوم استمرت يومين، تم خلالها توقيع اتفاقية للتعاون المشترك في مجالات التدريب والتنسيق العسكري.

تحديات مشتركة

تحديات مشتركة عدة تواجه مصر والسودان، كانت وراء أهمية تطوير التعاون وتنمية العلاقات بين البلدين، هذه التحديات تؤكد حقيقة المسار المشترك والأمن القومي بين البلدين، والذي لا يمكن أن يتجزأ. كما أن تلاقي المصالح حول المهددات المتوقعة من اسقاطات سد النهضة الاثيوبي وغيرها عملت على اضفاء نوع من التقارب بين البلدين، وإعلان الرئيس السيسي دعمه، مشددا على أن “أمنه واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها”، وقال إن للقاهرة نهج استراتيجي لدعم كافة جوانب العلاقات الثنائية مع الخرطوم من أجل التعاون والبناء والتنمية، وذلك “ترسيخا للشراكة والعلاقات بين الشعبين”. وأعرب السيسي عن مساندة القاهرة لكافة جهود تعزيز السلام والاستقرار في السودان خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه.

ومن أبرز التحديات المشتركة بين البلدين:

سد النهضة الإثيوبي

يعد ملف سد النهضة أحد الملفات الرئيسية المقرر نقاشها خلال الزيارة خاصه بعد قرار أديس أبابا بدء الملء الثاني في يوليو المقبل سواء حدث اتفاق أم لم يحدث، وذلك  ينطوي على خطورة بالغة على الأوضاع في المنطقة إذا لم يتم اتفاق ملزم قبل مرحلة الملء، باعتبار أن اكتمال المرحلة الثانية يجعل من الصعب تغيير الأوضاع ويصبح الخطر واقعاً، وقد اقترحت السودان إجراء مباحثات رباعية بحيث يتم إشراك وسطاء بجانب الاتحاد الافريقي وأن تكون المشاركة مباشرة، بدلاً عن النمط القديم الذي تسعى أديس أبابا عبره لكسب الوقت وصولا لاتفاق يكون مقبولا لكل الأطراف، وهذا مهم للدول الثلاث والإقليم ويكون مشروع تعاون يدعم السلام وليس مهدداً له.

وقد اقترحت السودان توسيع مظلة التفاوض بإضافة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الاتحاد الأفريقي في دورته الجديدة برئاسة دولة الكونغو الديمقراطية، الطرح السوداني يأتي على خلفية ما شاهدته المفاوضات والمباحثات السابقة والتي استمرت طويلا دون إحراز أي تقدم في حل الخلافات الفنية والقانونية بين الدول الثلاث.

ثمة متغيرات جديدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي أثرت على مواصلة الحراك في قضية سد النهضة الإثيوبي، كما أن شعور السودان بالتهديد والخطر خاصة بعد إعلان وإصرار الدولة الإثيوبية للملء الثاني لبحيرة السد في يوليو المقبل والتي تبلغ 13.5 مليار متر مكعب من المياه دون التوصل إلى اتفاقية فنية وقانونية، وما حدث في الملء الأول للبحيرة من تأثيرات سلبية على محطات مياه الشرب والإمداد الكهربائي مما يعد تهديدا للأمن القومي والسدود السودانية خاصة في الروصيرص وسنار، وتهديد عشرون مليون مواطن يقطنون أسفل النيل الأزرق، وهو الأمر الذي أدى إلى تحرك الدولة السودانية للحفاظ على مشاريعها المائية والاقتصادية عن طريق التحرك الدبلوماسي الإقليمي والدولي، وتوضيح تهديدات سد النهضة الإثيوبي عن طريق المقترح القاضي بإشراك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وهو الطرح الذي وافقت عليه الدولة المصرية وفي انتظار ما يسفر عن ذلك الطرح من الدولة الإثيوبية والأطراف المعنية الأخرى.

كما يعد انتخاب دولة الكونغو الديمقراطية رئيساً للاتحاد الإفريقي من المتغيرات التي ساعدت على التحرك في قضية سد النهضة باعتبار حرصها على التوصل إلى حلول لقضايا القارة الأفريقية المختلفة، والتي على رأسها قضية سد النهضة وذلك من خلال التحرك مؤخرا لوفد الخبراء الكونغولي، والذي يمثله رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي برؤساء دول وأعضاء وفد التفاوض في كل من السودان ومصر كل على حده، لمعرفة أخر التطورات في ملف سد النهضة لبداية التحرك الفاعل للوصول إلى حلول توافقية بين الدول الثلاث، باعتبار الكسب السياسي لدولة الكونغو الديمقراطية وقدرة الاتحاد الأفريقي في حلحلة قضايا الاتحاد الأفريقي الشائكة.

بالإضافة إلى ما سبق فإن الإدارة الأمريكية الجديدة تعد أحد المتغيرات الرئيسية التي دفعت بالتحرك الدولي تجاه قضية سد النهضة الإثيوبي، مع تصريحات “جو بايدن” والتي جاءت على لسان وزارة الخارجية الأمريكية بدعم الجهود البناءة للسودان ومصر وإثيوبيا للتوصل إلى اتفاق بخصوص قضايا سد النهضة. وهي تصريحات ينظر إليها باعتبارها تعكس حرص الإدارة الأمريكية الجديدة على إنجاح المفاوضات والمباحثات بشأن سد النهضة، خاصة بعد إيقاف العمل بقرار الرئيس الأمريكي السابق في منع الدولة الإثيوبية من المساعدات على خلفية تعنتها وإفشال وساطة الإدارة الأمريكية السابقة. وهو تصريح يختلف عن تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه الدولة الإثيوبية بعد فشل الوساطة التي قامت بها الإدارة الأمريكية السابقة، والتي قاربت للتوصل إلى 90% من القضايا الخلافية بين الدول الثلاث، والتي أثارت غضب الدولة الإثيوبية وزادت من تعنتها في مواصلة التفاوض والتباحث.

التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا

فضلا عن التوتر القائم بسبب سد النهضة، شهدت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، خلال الأسابيع القليلة الماضية، تصعيدا متزايدا على خلفية اتهامات متبادلة باختراقات حدودية. ويدور النزاع السوداني الإثيوبي حول منطقة تعرف باسم “الفشقة”، حيث يلتقي شمال غرب منطقة أمهرة الإثيوبية بولاية القضارف السودانية.

واتهم الجيش السوداني منتصف يناير، طائرة عسكرية إثيوبية باختراق المجال الجوي السوداني. ووصفت الخرطوم حينها، السلوك الإثيوبي بـ “التصعيد الخطير وغير المبرر”. لكن في المقابل، اتهمت أديس أبابا القوات المسلحة السودانية بـ “التوغل في الأراضي الإثيوبية واحتلال مزارع ونهب ممتلكات”.

ويربط مراقبون بين ملف سد النهضة وتجدد التوتر الحدودي بين الخرطوم وأديس أبابا من جهة، والتقارب المصري السوداني من جهة أخرى. خاصة أن مصر تدعم موقف السودان لأنه قائم على أسس قانونية وما زاد الأمر صعوبة هي المواقف المتطرفة للقيادة الإثيوبية والتي جعلت المواجهة محتملة.

أمن البحر الأحمر

يعد أمن البحر الأحمر ملفا مهما للدولتين لذا فإن التعاون مهم للغاية حتى يكون البحر الأحمر منطقة خالية من القواعد العسكريةالأجنبية، خاصة في أعقاب ظهور بعض السفن الحربية، كما لا يستبعد مناقشة التعاون الثلاثي بين الخرطوم والقاهرة وجوبا.

كما أن التحالفات أو الاتفاقيات العسكرية مع مصر بمثابة إشارة لمن يهمه الأمر بأن السودان خط أحمر، وأنه يمثل العمق والأمن القومي المصري، لذلك لن تسمح القاهرة بأي تهديد للخرطوم يؤثر في أمنها القومي. كما أن وجود قواعد أمريكية وروسية على ساحل البحر الأحمر يجعل السودان رقماً لا يمكن تجاوزه في المنطقة، بالتالي فإن مصر تريد أن يكون لها وجود في السودان يتيح لها متابعة التطورات السياسية والعسكرية مما يجعل عينها على مناطق التأثير والاهتمام في البلاد.

كما أن ما حدث بشأن السيطرة على الموانئ السودانية بوصول تركيا لاستئجار ميناء سواكن، والعرضين الإماراتي والقطري لتأهيل ميناء بورتسودان، ثم قدوم واشنطن وموسكو لسواحل السودان الشرقية يجعل حرب الموانئ دافعاً لمصر لتكون قريبة من أي تطورات في هذا الاتجاه حتى لا تتأثر قناة السويس باعتبارها عصب الاقتصاد المصري”.

*المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

6 مارس 2021.

Scroll Up