تشهد مناطق الشمال السوري ولاسيما تلك الواقعة تحت السيطرة التركية بالوكالة، اشتباكات متقطعة بين الفصائل المسلحة الموالية لأنقرة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وخاصة في مناطق خطوط التماس في محاور ريف “عين عيسى” بمحافظة الرقة. في إشارة لرغبة وتصعيد تركي كبير بدأ منذ نوفمبر 2020، لمحاولة قطع طريق “الحسكة – حلب” الدولي. إلا أن ذلك التصعيد التركي لم يفوت الفرصة على روسيا والنظام السوري لتكثيف التفاوض مع “قسد” لتسليم بلدات محور “عين عيسى” لقوات الجيش السوري لصد التقدم التركي. إلا أنه كان من الصعب أن تسلم “قسد” محور “عين عيسى” لاعتبارات استراتيجية حاكمة تتعلق بالموقف الميداني للمكون الكردي السوري من مجمل تطورات الحرب السورية، فضلاً عن الرفض الأمريكي الواضح لذلك.

وظلت الأوضاع في الشمال السوري طيلة الأشهر الماضية تنحصر في الاشتباكات المتقطعة بين التشكيلات الكردية التابعة لـ “قسد” والفصائل المسلحة الموالية لتركيا، حتى استيقظ الميدان السوري ليل “الجمعة – السبت” الماضي، 6 مارس الجاري، على قصف صاروخي مُركز هو الأعنف في هذه المنطقة. إذ استهدفت موجة صاروخية محطات تكرير الوقود في قرية “ترحين” بريف شمال حلب، وصهاريج وشاحنات الوقود في بلدة “الحمران” بمنطقة جرابلس.

تسبب القصف الصاروخي في تحويل سوق الوقود في “الحمران” لكومة من الفحم، إذ يُعد الاستهداف الأكبر من نوعه في ميدان شمال سوريا لتجارة النفط ومساراتها المتجهة لسائر مناطق النفوذ التركي، وكذلك المدن التركية الحدودية. ليثير الهجوم الصاروخي الذي خلف 4 قتلى ودمر بالكامل سوق الوقود في حمران؛ العديد من الأسئلة عن الاستهداف، وكيف تم، ومن قام بتنفيذه، وللوقوف على هذه التساؤلات يجب أولاً توضيح سياق الهجوم وخاصة في منطقة الجزيرة السورية.

سياقات الهجوم الصاروخي:

تبقي روسيا وسوريا قنوات اتصال مباشرة مع القيادة العليا لـ “قسد”، إذ تسيطر قوات “قسد” على منطقة الجزيرة السورية – شمال شرقي سوريا – التي تعتبر بمثابة سلة الغذاء والنفط لغالبية مناطق سوريا. إذ تحتوي المنطقة على نحو 90% من الثروة النفطية لسوريا، و55% من مجموع انتاج القمح في عموم سوريا، حيث كانت الجزيرة السورية تشكل الخزان الاستراتيجي للقمح لأكثر من 23 مليون سوري.

من هذه الأهمية الكبرى لهذه المنطقة التي تسيطر على قوات “قسد” تكثفت الاتصالات التي مازالت تجري دون توقف منذ عدة أشهر بين الثلاثي “روسيا – سوريا – قسد” لإتمام صفقات توريد القمح لدمشق التي باتت تعاني بشدة من وطأة تفعيل قانون “قيصر” الأمريكي وتداعي قطاعي الوقود والكهرباء، وتفاقم أزمة “الخبز” نتيجة نقص القمح. ولاسيما بعد امتناع الإدارة الذاتية الكردية عن توريد القمح لدمشق منذ صيف العام 2020، في خطوة فُسرت على أنها التزام الإدارة الذاتية بقانون قيصر الأمريكي ومجمل السياسات العامة الأمريكية في الصراع السوري. وعليه تداعي الأمن الغذائي السوري جراء هذا المنع من جهة، ومن جهة أخري نتيجة لرفع تكلفة الحصول على احتياج البلاد من القمح بسبب ملاحقة الموردين العالميين والإقليميين بالعقوبات.

ولهذا لجأت موسكو للتوسط بين الحكومة السورية والفصائل الموالية لتركيا لتأمين احتياج دمشق من شحنات القمح. حيث أُعلِن في دمشق، فبراير الماضي، وصول أول قافلة قمح من احتياطي الحبوب في صوامع الحسكة الواقعة تحت السيطرة التركية، إلى حلب، وذلك بوساطة روسية.

وذكرت مصادر إعلامية روسية أن اتفاقاً جرى بين النظام السوري والجانب التركي في محافظة الحسكة لنقل جزء من احتياطي الحبوب من صوامع الشركراك التي يسيطر عليها ما يُسمي “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا إلى مناطق سيطرة النظام في محافظة حلب. وأفادت المعلومات الواردة من الحسكة بأن القافلة الأولى حملت نحو 400 طن بالقمح، اتجهت برفقة قوات روسية إلى حلب.

مثل ذلك قيمة مضافة كبيرة لنفوذ تركيا في شمال سوريا تحديداً، وتعزيز أوراقها وخاصة تلك المتعلقة بالتفاوض مع دمشق، فضلاً عن تمتع تركيا نسبياً بحضور منخفض التكلفة في مناطق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام. إذ باتت أنقرة تتحكم تدريجياً في واردات القمح لدمشق، ما منحها ظرف مواتي لاستمرار عمليات التحشيد العسكري خلف مناطق خفض التصعيد في إدلب تحديداً، إذ يواصل الجيش التركي تعزيز نقاط تمركز على امتداد طريق الـ “M4” المار بإدلب.

دلالات الاستهداف:

تشير طريقة الاستهداف إلى تنفيذ روسيا لهذه الضربة الصاروخية، وخاصة إذا ما تتبعنا الهجمات المماثلة التي حدثت منذ أكتوبر 2020 في إحداثيات قريبة من إحداثيات الهجوم الحالي. حيث استهدفت روسيا في أكتوبر 2020، شاحنات وسوق للنفط في بلدة بابلان جنوب جرابلس تستخدمها التنظيمات المسلحة الموالية لأنقرة لتهريب النقط لتركيا، وأشارت مصادر أن الضربة الروسية تمت باستخدام صواريخ تكتيكية أرض أرض انطلقت من اللاذقية.

كما أدانت العديد من الفصائل المسلحة السورية الموالية لتركيا، روسيا بتنفيذها هذه الضربة. وذكرت مؤسسة الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء”، في بيان لها: “أن النظام وحليفه الروسي ارتكبا جريمة جديدة مساء الجمعة 5 مارس 2021، باستهداف سوق المحروقات في قرية الحمران ومصافي تكرير المحروقات البدائية في قرية ترحين، بريف حلب الشرقي”.

ويمكن عدّ دلالات الهجوم الصاروخي الأخير في الآتي:

  • تزايد الاعتماد الروسي على القوة الصاروخية الباليستية التكتيكية في سوريا، فمنذ العام 2017، بدأ الاستخدام الروسي النوعي للقوة الصاروخية التكتيكية سواء صواريخ من قواعد أرضية، أو صواريخ جوالة من طراز “كاليبر” تنطلق من منصات بحرية. حيث كانت أهداف الدفعة الأولي من الصواريخ الروسية؛ مواقع تنظيم داعش.

وبعد استهداف روسيا للتنظيم الإرهابي “داعش”، ركزت موسكو على ضرب نقاط تهريب النفط السوري للداخل التركي، للضغط على أنقرة وكبح جماحها في شمال سوريا. كما كانت الضربة الصاروخية الأبرز في أكتوبر 2020، حين استهدفت روسيا بصواريخ أرض – أرض، سوق للنفط في بلدة بابلان جنوب جرابلس. وتشير الضربات الصاروخية الأخيرة لاحتمالية استخدام موسكو لصواريخ “إسكندر إم” الباليستية التكتيكية.

 إذ انتشرت مشاهد لحظة إطلاق هذه الصواريخ من مناطق محيطة بقاعدة “حميميم” في اللاذقية والتي تبعد نحو 200 كم من نقطة الاستهداف، وهو مدي يناسب طبيعة عمل صواريخ “إسكندر إم” الباليستية.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي لحق بسوق الحمران للوقود، إذ تم تدميره بالكامل.

كما يظهر هذا التسجيل المصور:

  • الضغط لمحاولة بيع نفط الجزيرة السورية لدمشق: إذ تضغط موسكو لرفع تكلفة بقاء تركيا في المناطق التي باتت تسيطر عليها في الشمال السوري، ومنع وصول نفط “قسد” والجزيرة السورية لفصائل المعارضة المسلحة، التي لن يكون أمامها سوي الحصول على النفط القادم من تركيا بأسعار باهظة. وترمي موسكو لحصول دمشق على النفط والوقود من الجزيرة السورية عوضاً عن وصوله للفصائل المسلحة الموالية لتركيا. للتخفيف عن الضغط الواقع على الحكومة السورية جراء العقوبات الاقتصادية.
  • تحييد دور تركيا كوسيط لنقل قمح الجزيرة السورية لدمشق، إذ تريد موسكو أن يصل القمح مباشرة من صوامع “قسد” للحكومة السورية في دمشق، إذ تحتاج المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ما بين مليون ومليون ونصف طن سنوياً لسد احتياجاتها من مادة الطحين، وتقف موسكو عاجزة عن سد هذه الفجوة جراء العقوبات الامريكية واستمرار تفعيلها ضمن برنامج “قيصر”.
  • بروز الشرق السوري كمنطقة صراع محتملة بين القوي الإقليمية، وخاصة بعد الاهتمام الإيراني بها، انطلاقاً من مدينة دير الزور، والسعي الإيراني الحثيث لتخفيف الضغط على معبر البوكمال “نقطة الوصل” بين سوريا والعراق، وطريق طهران الواصل للميدان السوري. إذ تحاول طهران الوصول لمحور “الحسكة – حلب” وربط هذا المحور بسنجار في العراق. كما نفذت قوات التحالف الدولي عملية إنزال جوي بمشاركة قوات “قسد” فجر الجمعة الماضي في ريف الحسكة الجنوبي، أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم “داعش”. وقالت مصادر عسكرية من القوات للشرق الأوسط، إن مروحيات عسكرية تابعة للتحالف تحركت نحو قرية عب التين بريف الحسكة استهدفت مقر القيادي صباح الإبراهيم الملقب بأبو أسامة وقتل بعد اشتباكات عنيفة. فيما قصفت طائرات حربية روسية بأكثر من 60 غارة جوية جيوبا متقطعة خاضعة لسيطرة تنظيم داعش في البادية الشامية ضمن مثلث حلب – حماة – الرقة في وسط سوريا.

ختاما

رغم انتهاء فصول المعارك الكبرى للميدان السوري بسيطرة الجيش السوري على حلب في عام 2016، وتباعاً تطهير أريافها الغربية في الأعوام التالية. تضح أهمية خطوط الإمداد التي استحوذت على الجهود الحربية للفاعلين في الميدان السوري، ولما استقر نسبياً الصراع على خطوط الإمداد نتيجة للتفاهمات الثنائية بين موسكو وطهران، وموسكو وأنقرة، جراء تبوء موسكو مكانة “المتحكم الفعلي” في دينامية الصراع في الميدان السوري؛ تجلت محورية منطقة الجزيرة السورية التي تعتبر سلة الغذاء والطاقة لسائر سوريا. ولكن تبقى المفارقة هي العلاقة الطردية بين أهمية هذه المنطقة ومدى معاناة الحكومة السورية جراء عقوبات “قانون قيصر”.

Scroll Up