لم تكن الهجمات المكثفة الأخيرة التي شنتها جماعة (أنصار الله – الحوثيين) على عدة مناطق جنوبي وشرقي المملكة العربية السعودية منذ مطلع الشهر الجاري مفاجأة، بل كانت متوقعة في سياق الشد والجذب الذي بات هو العنوان الأول للمشهد الشرق أوسطي، على خلفية المناورات الإيرانية والأمريكية المتبادلة، والتي تتمحور بشكل أساسي حول إعادة تفعيل الاتفاق النووي بينهما، وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي بشكل عام، وكذا إيجاد حلول وسط لملفات لم يتم حلها خلال حقبة إدارة ترامب، مثل الانخراط الإيراني في عدد من دول الشرق الأوسط، وكذا قدرات طهران الصاروخية التي أثبتت سلسلة الهجمات الأخيرة على السعودية، خطورتها على الأمن الإقليمي، ومدى ما يمكن أن تمثله من تأثيرات سلبية على حركة التجارة وتداول الطاقة على المستوى العالمي.

الدرونز الانتحارية والصواريخ الباليستية الإيرانية… مرة أخرى

في تفاصيل هجمات أمس، تم استهداف مواقع تابعة لشركة (أرامكو) النفطية في مدينة الظهران شرقي المملكة، وميناء رأس تنورة النفطي في مدينة القطيف شمالي مدينة الدمام، بجانب مواقع أخرى في الحد الجنوبي السعودي (عسير – جيزان). وقد تمت هذه الهجمات باستخدام ثمانية صواريخ باليستية يرجح أنها من نوع (بدر)، وأربع عشرة درون انتحارية تقول جماعة الحوثي إنها من نوعي (صماد-3) و(قاصف-2).

اللافت في هذا الهجوم هو أن الوسائط المهاجمة جاءت من اتجاه الخليج العربي، وليس من اتجاه محافظة صعدة شمالي اليمن التي تعد بجانب محافظة حجة مواضع الإطلاق الرئيسية للصواريخ الباليستية والدرونز الانتحارية الحوثية. يضاف إلى ذلك حقيقة أن المسافة التي تفصل بين محافظة صعدة اليمنية ونطاق (الظهران – الدمام – الخبر) تتراوح بين 1300 و1350 كيلو مترًا، وهو ما قد يطرح فرضية أن عملية إطلاق وسائط هذا الهجوم -وتحديدًا القسم الذي هاجم منها المنطقة الشرقية- تمت من موقع آخر يقع شرقي المملكة، وقد يكون موقعًا بريًا (فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية)، أو موقعًا بحريًا؛ استنادًا إلى قيام البحرية الإيرانية مؤخرًا بمناورات للتدرب على تشغيل الطائرات دون طيار من على متن القطع البحرية.

فيما يتعلق بالوسائط التي تم استخدامها في هذا الهجوم، والتي تم اعتراض غالبيتها، فقد تم استخدام الدرونز الانتحارية (صماد-3) التي تم استخدامها عملياتيًا للمرة الأولى في مايو 2019، حين تم استهداف محطتين لضخّ للنفط في محافظتي الدوادمي وعفيف السعوديتين، وكذا خطّ لنقل النفط بين شرق البلاد وغربها. وهي تعد الأطول مدى ضمن ما تم رصد استخدامه من درونز في حوزة الحوثيين حتى الآن، ويتراوح مداها الأقصى بين 1500 و1700 كم، وتشير التقديرات إلى أن حمولتها المتفجرة تصل زنتها إلى 150 كيلو جرام.

النوع الثاني من أنواع الدرونز الانتحارية التي تم استخدامها في هذا الهجوم -والتي تعرف أيضًا باسم الذخائر الجوالة- هي الدرونز (قاصف-تو كيه) التي تم استخدامها للمرة الأولى في يناير 2019 لاستهداف قاعدة العند الجوية جنوب اليمن. وهي تتميّز بأنها لا تصطدم بشكل مباشر بالهدف كما هو حال الذخائر الجوالة المماثلة لكنها عوضًا عن ذلك تنفجر فوق الهدف بمسافة تتراوح بين 10 إلى 20 مترًا، ما يساهم في نشر الموجة التدميرية بصورة أوسع.

جدير بالذكر أنه في يناير 2018 أعد فريق من خبراء الأمم المتحدة تقريرًا مفصلًا يتضمن تقييمًا للجيل الأول من هذه الدرونز، والذي تمت تسميته (قاصف-1)، وأشار التقرير إلى تشابه هذه الدرونز مع الدرونز الإيرانية الصنع (أبابيل-تي) التي تنتجها شركة الصناعات الجوية الإيرانية (HESA)، والتي تحمل حمولة متفجرة تصل زنتها إلى 40 كيلو جرامًا، ويصل مداها إلى 150 كيلو مترًا.

استخدم الحوثيون في هجوم أمس نوعين من أنواع الصواريخ الباليستية، الأول هو صاروخ مازالت التفاصيل حوله غامضة بعض الشيء ويسمى صاروخ (ذو الفقار)، إذ تشير التقديرات إلى أنه صاروخ إيراني الصنع؛ نظرًا لامتلاك الجيش الإيراني صاروخًا بنفس الاسم ينتمي إلى عائلة صواريخ (فاتح) الباليستية، لكنه يتميز بهامش خطأ صغير ومدى أكبر من بقية صواريخ هذه السلسلة، إذ يبلغ مداه الأقصى 700 كيلو متر، ويستطيع حمل نسخ مختلفة من الرؤوس المتفجرة، بحمولة كلية تبلغ 580 كيلو جرامًا. 

الصاروخ الثاني الذي تم استخدامه أمس هو الصاروخ (بدر – إف)، المزود برأس حربي متشظٍ مماثل في آلية عمله للدرونز الانتحارية (قاصف – تو كيه)، حيث ينفجر فوق هدفه بنحو 20 مترًا، وتم استخدامه للمرة الأولى في أبريل 2019، ويبلغ مداه الأقصى 160 كيلو مترًا.

هجوم أمس جاء تحت عنوان (توازن الردع – 6)، وهي سلسلة من العمليات الصاروخية الرئيسة التي نفذتها جماعة الحوثيين ضد الأراضي والمنشآت السعودية، أولاها كانت في أغسطس 2019 وفيها تم استهداف المنشآت النفطية في حقل (الشيبة) النفطي شرقي المملكة، بعدد من الدرونز الانتحارية يقدر بعشرة. العملية الثانية تمت في سبتمبر من نفس العام، وفيها تم أيضاً استهداف المنشآت النفطية السعودية، لكن في حقلي بقيق وخريص النفطيين بنفس العدد من الدرونز الانتحارية. العملية الثالثة تمت في فبراير من العام الماضي، وفيها تم استهداف منشآت تابعة لشركة (أرامكو) النفطية في مدينة ينبع. أما فيما يتعلق بالعملية الرابعة فقد تمت في شهر يونيو الماضي، وفيها تم استهداف عدة مواقع في العاصمة السعودية الرياض.

العملية الخامسة، تمت أواخر الشهر الماضي، وكانت تحمل ملامح تصعيدية واضحة؛ إذ تم فيها استهداف مواقع مختلفة في العاصمة الرياض ومدينتي أبها وخميس مشيط بصاروخ باليستي واحد وخمسة عشر درون انتحارية. جدير بالذكر هنا أنه في الأيام الفاصلة بين العملية الخامسة والعملية السادسة، هاجم الحوثيون بالدرونز الانتحارية على مدار أربعة أيام متتالية عدة مواقع داخل المملكة، منها قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، ومطار أبها الدولي.

بدا من رد الفعل السعودي على مجمل هذا التصعيد على المستوى العسكري أن الرياض تحاول قدر الإمكان عدم تصعيد الموقف بشكل أكبر رغم تعدد الهجمات الحوثية في مدى زمني محدود جدًا. وقد جاء الرد السعودي على الهجمات الأخيرة من خلال تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية على مواقع عسكرية تابعة لجماعة الحوثي في العاصمة صنعاء، تم في إحداها تدمير منظومة الدفاع الجوي المسماة (فاطر-1)، وهي تعديل محلي لمنظومة الدفاع الجوي السوفيتية (سام-6).

بشكل عام نستطيع أن نعد استمرار تدفق القدرات الصاروخية الإيرانية المتنوعة على جماعة الحوثي في اليمن السبب الأساسي في التحديات الحالية والمستمرة سواء لأمن العمق السعودي أو أمن الملاحة وقطاع النفط في منطقة الخليج بكاملها. ولقد تكررت على مدار السنوات الماضية وتحديدًا منذ نوفمبر 2015 حوادث اعتراض أو تدمير سفن وشحنات مرسلة من طهران إلى الداخل اليمني، وبعضها كان يحتوي على مكونات وأجزاء خاصة بالصواريخ الباليستية والدرونز القتالية.

وعلى الرغم من المجهود الجوي والبحري للتحالف العربي، يبدو أن القدرات المتوفرة للحوثيين في مجالي الصواريخ والدرونز مازالت تتيح لهم هامشًا للمناورة وتهديد العمق السعودي، فقد وصلت الصواريخ والدرونز إلى مدينتي ينبع والدمام، وهي نقاط استراتيجية في قلب العمق السعودي.

هذا فضلًا عن أن تمكن الحوثيين من تعديل بعض صواريخ القتال الجوي الخاصة بمقاتلات سلاح الجو اليمني وتحويلها إلى صواريخ للدفاع الجوي شكل تهديدًا جديًا للنشاط الجوي للتحالف، خاصة في النطاق الذي يتم منه إطلاق الصواريخ الباليستية والدرونز نحو المملكة العربية السعودية (صعدة – صنعاء).

تصاعد هذه التهديدات التي تجابهها المملكة خلال الأيام القليلة الماضية ربما يمثل إرهاصات ما قبل انتهاء المعارك في اليمن، هذا في حال ما إذا توافقت طهران وواشنطن على حل وسط فيما يتعلق بملف القدرات الصاروخية الإيرانية، والدور الإيراني التخريبي في الشرق الأوسط. وحتى ذلك الحين، ستبقى المواجهة مستمرة بين التحالف العربي والحوثيين، في ظل احتدام المعارك على الأرض، خاصة في محافظتي مأرب وتعز.

Scroll Up