تشهد باريس اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية مصر والأردن وفرنسا وألمانيا، بهدف بحث سُبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، ويأتي الاجتماع في فترة استثنائية، تواجه فيها القضية الفلسطينية العديد من المتغيرات على كلا الصعيدين الداخلي والدولي، وتستمر فيها الجهود المصرية الهادفة للتوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية في إطار سعي مصر الحثيث لإبقاء القضية الفلسطينية ضمن أولويات الأجندة الدولية.
من المقرر أن يتناول الاجتماع آخر المستجدات ذات الصلة بتطورات القضية الفلسطينية والجهود المبذولة خلال الآونة الأخيرة من أجل الدفع قُدمًا بعملية السلام وخلق البيئة المواتية لمفاوضات جادة وبناءة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وصولاً إلى تحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
يأتي ذلك في إطار سلسلة من التحركات التي تقوم بها مصر خلال الفترة الأخيرة في سبيل دفع الزخم للقضية الفلسطينية و تحريكها على المستوى الدولي لاستعادة مكانتها في الأجندة الدولية بهدف التوصل لتسوية شاملة و عادلة لتلك القضية التي طالما بذلت مصر فيها العديد من الجهود من أجل نصرة الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي تعرضت فيه لهزة شديدة في السنوات السابقة، حيث حرصت الدولة المصرية على بذل ما يمكن من جهد من أجل إبقاء القضية على أجندة الاهتمام الدولي. 
وفيما يخص التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة، لم تتوان القيادة المصرية عن تقديم كافة أوجه الدعم لتحريك القضية على كافة المستويات، وانطلاقاً من دورها التاريخي في القضية الفلسطينية، سعت إلى تقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، فاستضافت القاهرة، في فبراير الماضي ، جلسات “الحوار الوطني الفلسطيني” بمشاركة نحو 16 ‏فصيلاً وقوى وطنية وشخصيات مستقلة فلسطينية. واتفقت الفصائل الفلسطينية في ختام اجتماعها على الالتزام بالجدول الزمني لإجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة دون استثناء ‏والتعهد باحترام نتائجها.
بالتزامن مع ذلك، أجرت مصر مباحثات مع الجانب الأردني بالتزامن مع انطلاق أعمال الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة، أكد خلالها الطرفين على السعي لتوفير المُناخ السياسي اللازم لإعادة انخراط الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في مسار تفاوضي جاد، تلاها عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية بمبادرة مصرية- أردنية مشتركة، شدد فيه وزراء الخارجية على ضرورة بذل المجتمع الدولي للمزيد من الجهود لإحياء عملية السلام التي تحقق إقامة دولة ‏فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مؤكدين على مواصلة الدول ‏العربية الدفاع عن حق دولة فلسطين في السيادة على أراضيها، وحماية مقدساتها‎.
في يناير الماضي، زار وزير الخارجية الألماني هايكو ماس القاهرة لبحث جهود الرباعية لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية- تضم الرباعية مصر والأردن وفرنسا وألمانيا، وتأسست في فبراير الماضي خلال مؤتمر ميونيخ للأمن بهدف تحريك عملية السلام . كما أعقب ذلك زيارة الرئيس المصري للملكة الأردنية الهاشمية، وشهد اللقاء التوافق حول مواصلة التشاور والتنسيق المكثف بين الجانبين من أجل توحيد الجهود العربية والدولية للتحرك بفعالية خلال الفترة القادمة لإعادة تنشيط الآليات الدولية لمفاوضات عملية السلام، وتجاوز تحديات الفترة الماضية، وذلك بالتوازي مع جهود مسار المصالحة الوطنية وبناء قواعد الثقة بين الأطراف الفلسطينية، تعزيزاً للمسار الأساسي المتمثل في تحقيق السلام المنشود، وأخذاً في الاعتبار تأثير المتغيرات الراهنة على الساحتين الإقليمية والدولية؛ وقد سبق ذلك الاجتماع المصري الأردني الفلسطيني في ديسمبر 2020.
كل تلك التحركات تأتي في سياق الموقف المصري الثابت تجاه القضية الفلسطينية التي تحتل رأس أولويات السياسة الخارجية المصرية، وتأكيد مصر الدائم على سيها المستمر لتعزيز حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية. وتنبع أهمية التحركات المصرية الأخيرة كونها تأتي في ظل تولي الإدارة الديمقراطية في الولايات المتحدة برئاسة “جو بايدن”، والتي تتبع نهجاً أكثر انفتاحاً تجاه الملف الفلسطيني الإسرائيلي بالمقارنة بسابقتها. فمن المؤكد، أن أن القضية الفلسطينية قد شهدت حالة غير مسبوقة من الجمود في عهد تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، و ما تزامن مع ذلك من حالة انحياز أمريكي غير مشروط لإسرائيل، وهو ما ترتب عليه تعزيز الخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب و التوسع في الاستيطان و انحسار فرص التسوية السلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إلا أنه مع تولي بايدن رئاسة الولايات المتحدة، استعاد الفلسطينيون طموحاتهم فيما يخص كسر الجمود الذي أصاب العملية التفاوضية ، وأبدوا نيتهم في استعادة المسار التفاوضي على أساس قرارات الشرعية الدولية في سبيل التوصل إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية. في الوقت ذاته، أبدت الإدارة الأمريكية مرونة تجاه الجانب الفلسطيني، وأعلنت فور تولي بايدن السلطة عن عزمها إحياء العلاقات المقطوعة مع السلطة الفلسطينية.
انطلاقاً من ذلك، واصلت مصر جهودها الدؤوبة بالتنسيق الوثيق مع الأشقاء الفلسطينيين والشركاء الدوليين لبلورة رؤية واضحة خلال الفترة المقبلة سعياً لدفع جهود عملية السلام من من أجل حل القضية، خاصة في ظل انفتاح الجانبين الفلسطيني و الأمريكي و إبدائهم النية لاستئناف المسار الدبلوماسي، لذلك عملت مصر خلال الشهور الماضية في إطار محاور دولية مختلفة من بينها صيغة ميونخ للتأكيد على الثوابت الفلسطينية.
على الصعيد الآخر، فإن أهم ما أسفرت عنه التحركات المصرية هو الاتفاق الفلسطيني على إجراء الانتخابات، التي من المقرر إجراؤها في مايو المقبل، والتي تعد خطوة غاية في الأهمية نحو إنهاء الانقسام الفلسطيني و تحقيق الوحدة التي بها يمكن تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المنشودة. فقد سعت مصر طوال سنوات إلى عقد العديد من اللقاءات لتقريب وجهات النظر وإعادة الثقة بين الفصائل الفلسطينية، وكانت القاهرة دوماً هى مركز تلاقى القوى الفلسطيني وذلك إيماناً منها بأن الانقسام الفلسطيني يعد العقبة الأكبر في تسوية القضية الفلسطينية وإدراكها لضرورة تشكيل جبهة فلسطينية موحدة وصياغة إستراتيجية وطنية لمواجهة المخططات الإسرائيلية.
الخلاصة، أن اجتماع الرباعية في باريس يُعد حلقة ضمن سلسلة من التحركات المصرية المتواصلة في سبيل دعم الفلسطينيين للحصول على حقوقهم المشروعة في إقامة دولتهم المستقلة، وستظل مصر الداعم الأكبر لتلك القضية، ومن المؤكد أنها لن تدخر جهداً على كافة المستويات حتى يتم التوصل لحل عادل و شامل للقضية الفلسطينية.

Scroll Up