عرض – هبة شكري

نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي دراسة تحت عنوان “: سيناريوهــات الحرب القـادمة في الشــمال.. البدائل الاستراتيجية والتوصيات لإسرائيل“، أعدها كل من “أورنا مزراحي” النائبة السابقة لمستشار الأمن القومي للسياسة الخارجية، فضلاً عن عملها في السابق في التحليل الاستخباراتي بقسم أبحاث المخابرات العسكرية وقسم التخطيط الاستراتيجي، حيث تخصصت بشكل رئيسي في البحث والتخطيط الاستراتيجي حول القضايا الإقليمية، وبشكل خاص على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بالإضافة إلى مدير المعهد “أودي ديكل”، الذي شغل العديد من المناصب العليا في الجيش الإسرائيلي في الاستخبارات وصاحب الخبرة الكبيرة في مجالات التعاون العسكري الدولي والتخطيط الاستراتيجي، والذي شغل آخر منصب له في الجيش الإسرائيلي كرئيس قسم التخطيط الاستراتيجي في مديرية التخطيط لهيئة الأركان العامة. فضلًا عن “يوفال بازاك” الخبير في التخطيط الاستراتيجي والذي ترأس قسم تطوير النظريات القتالية في الجيش الإسرائيلي.

تستعرض الدراسة ملخصًا لعملية طويلة من التخطيط الاستراتيجي بدأت بحلول عام 2019، والتي أجراها في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل، بهدف فحص وتحليل سلسلة القضايا التي تتطلب الدراسة مسبقًا للحرب القادمة في شمال إسرائيل. وأوضح معدو الدراسة، أن الهدف من المشروع كان دعم المؤسسة الدفاعية وصناع القرار في إسرائيل على الاستعداد لمثل تلك الحرب، ودراسة التهديدات الناشئة لإسرائيل، دون معالجة احتمالية اندلاع الحرب أو تحديد توقيتها. 

فقد احتلت الساحة الشمالية خلال السنوات الأخيرة صدارة التحديات الإسرائيلية خاصة مع ظهور المحور الشيعي بقيادة إيران وإقامة “جسر بري” من طهران إلى لبنان، وتزايد الاحتكاكات بين هذا المحور وإسرائيل، وتزامنًا مع استغلال إيران للاضطرابات الإقليمية وقيامها بتحويل سوريا وغرب العراق إلى مناطق قابلة لبناء القدرات العسكرية الإيرانية فيها، مع ضمان استمرار حزب الله في تعزيز وجوده على المستوى العسكري كعضو رئيسي في المحور الشيعي ضد إسرائيل؛  وفي هذا السياق، بذلت إيران جهودًا واضحة لتجهيز حزب الله بصواريخ دقيقة التوجيه، بغرض تحييد القدرات الاستراتيجية لإسرائيل. 

فضلاً عن ذلك، استندت الدراسة إلى فرضية أنه على الرغم من أنه من مصلحة إسرائيل منع الحرب القادمة، وخاصة في ظل عدم رغبة حزب الله وإيران الدخول في صراع واسع مع إسرائيل في الوقت الراهن؛ فإن حربًا واسعة النطاق يمكن أن تندلع نتيجة التدهور الناجم عن حدث محدد أو سوء تقدير من قبل أي من الجانبين، وبالتالي من الضروري مناقشة تلك القضايا بصورة استباقية. وأوضح معدو الدراسة أنها تتضمن الخطوط العريضة للتحدي العسكري التقليدي لإسرائيل، في أعقاب التغيرات والتطورات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، متنبئين بأن القادم أسوأ.  

في السياق ذاته، أشار معدو الدراسة إلى أن سيناريو الحرب القادمة الذي أشير إليه باسم حرب الشمال يتجسد في احتمالية أن تكون حربًا متعددة المسارح، أو على الأقل حربًا ذات مسرحين (لبنان وسوريا)، أي لا تقتصر على إسرائيل ضد لبنان. وانطلاقاً من ذلك، تستعرض الدراسة تحليلًا للبدائل الاستراتيجية التي تمتلكها إسرائيل، والمتمثلة في الحفاظ على السياسة الحالية، والمعروفة باسم “الحملة بين الحروب” – وهي عملية محدودة لتقليل خطر الصواريخ الدقيقة والقدرات الأساسية – أو بدء حرب عامة لإزالة التهديد وإحداث تغيير استراتيجي أساسي. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تسلط الضوء على المعضلات الرئيسية على المستوى الاستراتيجي. وتختتم الدراسة، بقائمة من التوصيات المتعلقة بكيفية الاستعداد للحرب وكيفية إدارة الحملة، فضلاً عن صياغة استراتيجيات لإنهاء تلك الحرب.

وخلصت الدراسة إلى أن حرب الشمال القادمة ستكون مختلفة وأصعب من سابقاتها، إذ أنها ستكون حربًا متعددة الجبهات يُتوقع أن تشهد إطلاقًا للصواريخ، التي يوجه بعضها بدقه، فضلًا عن هجمات الطائرات بدون طيار التي قد تستهدف أهدافًا عسكرية ومدنية على الجبهة الداخلية، بطريقة قد تقوض من حركة الجيش الإسرائيلي ويمكن أن تسبب ضررًا كبيرًا للاقتصاد والمرونة الوطنية في إسرائيل. 

وأضافت، أنه من المتوقع أن تطرح أنظمة الدفاع الجوي المتطورة للعدو تحديات أخرى ومحاولات لتسلل قوات العدو إلى الأراضي الإسرائيلية من لبنان وسوريا. في ضوء هذا التقدير، أوصت الدراسة بضرورة استعداد إسرائيل لتلك الحرب عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، وإدراك الحرب متعددة المجالات ضد المحور الشيعي، والتي يرجح أن تشكل تهديدًا رئيسيًا خلال السنوات المقبلة. 

فيما يلي ملخص للتوصيات الواردة في الدراسة:

على المستوى العسكري: 

في سبيل تدمير معظم القوة النوعية للعدو، وبالتالي تحقيق النصر، يجب على الجيش الإسرائيلي المضي قدمًا بناء على معلومات استخباراتية دقيقة، وقدرات هجومية محددة، بالإضافة إلى قدرات دفاعية متعددة المستويات، والعمل على تعزيزها وتهيئة القدرات البرية للاستعداد لإجراء معركة دفاعية ومناورة برية هجومية ضد العدو، ويفضل أن تكون عملية مناورة برية قصيرة ومحدودة وقوية، نظرًا للقيود المفروضة على ميزانية الدفاع الإسرائيلية.

أوصت الدراسة أيضًا بالتركيز على زيادة القدرات الفتاكة، والاستغلال الكامل للقدرات الهجومية للجيش الإسرائيلي، وتحسين قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلي، وخاصة زيادة عدد المقاتلات الاعتراضية، فضلًا عن استخدام القدرات القائمة على التكنولوجيا الجديدة لمنع إمكانية حدوث مفاجآت أو تهديدات جديدة. فيما يتعلق بخطط العمليات، هناك حاجة لصياغة خطة دفاعية على طول الخطوط الأمامية، حيث أظهر حزب الله عزمه شن هجوم بري على منطقة أو موقع عسكري داخل الأراضي الإسرائيلية.

على مستوى الجبهة المدنية:

يجب إيلاء اعتبار خاص لإعداد الجمهور للحرب وتطوير مرونة الجبهة الداخلية واستمراريتها الوظيفية، وهو ما يتطلب تغييرات تنظيمية. في هذا الإطار، وباستخلاص الدرس من تعامل الحكومة مع أزمة فيروس كورونا، يوصى بإنشاء هيئة صنع وطنية مختصة بالتنسيق وإدارة جميع القضايا المدنية الملحة والحاسمة ودمج الأنشطة بين مختلف الأطراف والتي تتجسد في الوكالات المدنية، المحلية والوطنية، من أجل توفير احتياجات الجهور أثناء الحرب.

على المستوى الدبلوماسي: 

هناك ضرورة لمناقشة سيناريو حرب محتملة واسعة النطاق في الشمال مع شركاء إسرائيل الرئيسيين، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا أيضًا، لتنبيههم إلى مخاطر الحرب في ظل الظروف الحالية وإنشاء قنوات التواصل والتنسيق معهم خلال الحرب وبعدها.

فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن التنسيق المسبق مهم لضمان المساعدة العسكرية أثناء الحرب والدعم والتدخل الدبلوماسي حال احتاجت إسرائيل لذلك. أما بالنسبة لروسيا، فمن المستحسن أن تقوم مسبقًا بصياغة تفاهمات وتحييد مشاركتها أثناء الحرب، ودعوتها إلى إيجاد طريقة لإنهاء الحرب واستخدام نفوذها للمساعدة في صياغة اتفاقية مناسبة لإسرائيل لما بعد الحرب.

استراتيجية الخروج:

سيناريو الحرب يوحي بأن إسرائيل ستجد صعوبة في إنهاء القتال بشكل سريع، أو حتى إنهائها في الوقت أو في الظروف التي تريدها، دون هزيمة حزب الله. لذا، على إسرائيل أن تنهي الحرب بفرض ثمن باهظ على لبنان وسوريا عبر مهاجمة البنى التحتية كمثال. 

من المحتمل أن تؤدي الأعمال الهجومية من هذا النوع إلى ضغوط دولية من أجل الإنهاء الفوري للأعمال العدائية. لذلك، من الضروري أن تطالب إسرائيل أثناء المفاوضات لإنهاء الحرب بخلق آليات استقرار وتفتيش تمنع إعادة بناء القدرات الهجومية لحزب الله وإيران ووكلائها في المنطقة -لبنان وسوريا وغرب العراق- وأن يتولى النظامان اللبناني والسوري المسؤولية عن مناطقهما، مع وضع قواعد ونظام حدودي يشمل آليات مراقبة وتنفيذ دولية، فضلًا عن خيارات التنسيق والارتباط بمشاركة قوات الأمم المتحدة. 

ويجب أن يكون المطلب الأعلى هو التوصل إلى اتفاق يمكن أن يفرض تفكيك حزب الله كميليشيا مستقلة، أو على الأقل منع جميع عمليات نقل الأسلحة. 

الزاوية المعرفية: 

يجب وضع استراتيجية مسبقة تناسب مختلف الفئات المستهدفة، والمتمثلة في الجمهور الإسرائيلي وحزب الله وأعضاء المحور الشيعي الآخرين، بالإضافة إلى النظام اللبناني والشعب اللبناني والكيانات الإقليمية والدولية.

على الرغم من أن محور الدراسة هو ضرورة الاستعداد للحرب القادمة في الشمال، إلا أنه من المهم للغاية أيضًا استمرار النقاش حول التساؤل المتمثل في: هل تتطلب حتمية شن حرب واسعة النطاق في الشمال تعقيد الوضع ودفع الثمن من قبل كافة أطرافها؟

في الوقت الذي تعجز فيه إسرائيل عن منع الحرب التي قد تُفرض عليها، وقبل أن تقرر بدء حرب، فعليها أولًا استنفاد جميع الخيارات لمنع المواجهة، وحتى محاولة سلك المسارات الدبلوماسية المفتوحة أو السرية؛ ويشمل ذلك الاستفادة القصوى من التطورات الأخيرة في العلاقات الإسرائيلية اللبنانية حيث التقى الجانبان للتفاوض على ترسيم حدودهما البحرية المشتركة في منتصف أكتوبر 2020. بالرغم من عدم أرجحية إحراز تقدم في هذا الشأن، طالما احتفظ حزب الله بمكانته كقوة عسكرية مستقلة لها سلطة على اتخاذ القرار في لبنان.

Scroll Up