أعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية أن “بنيامين نتنياهو” سيجري زيارة إلى دولة الإمارات، بعد إعلان الأخيرة أنها ستخصص 10 مليار دولار أمريكي كاستثمارات أجنبية في إسرائيل عبر إنشاء صندوق مشترك بين البلدين. ثم أعلن نتنياهو تأجيل الزيارة “بسبب الصعوبات في تنسيق عبور رحلته فوق الأجواء الأردنية”، وأنه سيقوم بزيارة أخرى قريبًا.

تزامنًا مع الخبر، ما زال نتنياهو زعيم حزب الليكود الحاكم يُحافظ على 28 مقعدًا في صدارة الأحزاب المتنافسة في الانتخابات التي ستُجرى في 23 مارس 2021، ولكن مجمل الأحزاب الدينية المتحالفة مع نتنياهو لا يملك إلا 58 مقعدًا فقط، وهو عدد لا يتناسب مع إمكانية تشكيل ائتلاف حكومي؛ لأن ذلك يتطلب 61 مقعدًا في أقل تقدير. ويُثار السؤال ما إذا كانت زيارة نتنياهو إلى الامارات وتدشين صندوق الاستثمارات برأس مال إماراتي سيخدم نتنياهو في الانتخابات المقبلة؟

كيف يفكر “نتنياهو” كصانع قرار؟

لا يكترث نتنياهو كثيرًا بالملاحقات القضائية وتصويرها على أنها أزمة سياسية حادة عليه، ولكن يبدو أن هناك مُدخلين اثنين رئيسين وقف عندهما نتنياهو كثيرا، وهما:

أولًا: المطالب الاقتصادية: زادت حدة الاحتجاجات الشعبية ضد نتنياهو بعد أزمة كورونا، وزاد من رفع حدة الاستياء مواجهة هذه المظاهرات بأساليب شرطية عنيفة نوعًا ما. كان المحرك الأساسي لهذه المطالب هو فشل نتنياهو في إدارة أزمة كورونا على المستوى الاقتصادي.

انعكس المطلب الاقتصادي لدى الإسرائيليين في عدد ضخم من استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز مسحية أو بحثية أو وسائل إعلام، فأفادت جميعها أن أهداف 90% من المستطلع رأيهم هي معالجة الآثار الاقتصادية المدمرة.

أهم التداعيات الاقتصادية في إسرائيل هي انخفاض وتيرة الاستهلاك المحلي مما دفع الكثير من رواد الأعمال وشركات القطاع الخاص إلى الخسارة الفادحة بل وغلق مشاريعهم؛ مما تتسبب بالضرورة في رفع أعداد البطالة.

ثانيًا: حجم سيطرة الليكود على الشارع الديني في إسرائيل: في بداية تدشين حزب “أمل جديد” لزعيمه جدعون ساعر المنشق عن حزب الليكود وصل عدد مقاعده إلى 19 مقعدًا في أقل التقديرات. كما وصل حزب “يمينا” الديني المتشدد لزعيمه “نفتالي بينيت” إلى الرقم ذاته تقريبًا، في مقابل خسارة الليكود لنسبة كبيرة من المقاعد، مما يعني أن قطاعًا كبيرًا من الناخبين لحزب الليكود بدأ يتجه للتصويت لأحزاب أخرى. الدليل على ذلك استطلاع رأي لمركز الديمقراطية الإسرائيلية IDI الذي أوضح في دراسة مسحية له أن 80% من الإسرائيليين سيصوتون في الانتخابات و40% منهم سيمنحون صوتهم لحزب آخر مختلف عن الانتخابات السابقة.

خلاصة القول: تبين أن الليكود يفقد مركز قوته وهو الإدارة الاقتصادية الرشيدة لإسرائيل، كما يفقد سيطرته على الشارع اليميني وفي قلبه الشارع الديني في إسرائيل. إذن يحتاج نتنياهو إلى (أولًا) استخدام أدوات اقتصادية مؤثرة، (ثانيًا) استعادة التأثير على الشارع الديني الإسرائيلي لجذبه مرة أخرى لليكود. يتبقى الاجابة على سؤال “كيف يمكن ذلك؟”

الإمارات طوق نجاة؟

فطن نتنياهو لنمط هذه الأزمة بعد توقيع اتفاقات إبراهام مع الإمارات والبحرين (أغسطس 2020)، وصرّح بأن إسرائيل ترغب في توسيع مجالات التعاون بين إسرائيل والدول الخليجية، خاصة على المستوى الاقتصادي عبر إقامة مشاريع بنية تحتية إقليمية وضخ استثمارات خليجية في الاقتصاد الإسرائيلي من أجل وضعه مرة أخرى على المسار الصحيح وتحقيق نسبة نمو مستهدفة تصل إلى 22% حسب تصريح نتنياهو (14 مارس 2021).

لذا طلب نتنياهو زيارة الإمارات أو البحرين أربع مرات متتالية، وفي كل مرة يتم الرفض أو التأجيل لدواعٍ مختلفة، وصرّحت أبو ظبي في أكثر من مناسبة أنها تخشى توظيف نتنياهو للزيارة سياسيًا في الداخل وبالتالي التأثير على المشهد الانتخابي.

في ديسمبر 2020، قدّم نتنياهو مشروع ميزانية جاء أبرز بنودها تخصيص مليارات من الشيكل الإسرائيلي كمنح مقدمة إلى أصحاب الأعمال المتعثرة بسبب كورونا وإلى العائلات التي يزيد عدد أبنائها لأربعة. مما جعل شريك نتنياهو في الحكومة “بيني جانتس” يصف الميزانية بأنها “رشوة انتخابية”.

وفي فبراير 2021، صرّح نتنياهو بأنه يستهدف وضع برنامج اقتصادي بقيمة 15 مليار شيكل إسرائيلي لدعم المتعثرين اقتصاديًا جراء كورونا. ومن أجل خلق فرص عمل لتخفيض نسبة البطالة. وتبين أن أغلب المشروعات الاقتصادية تستهدف تشغيل المستوطنين في القدس، وغرب الضفة الغربية. (حسب موقع ماكور ريشون الإسرائيلي).

من ناحية أخرى، يشكو الجيش الإسرائيلي ضبابية الميزانية الإسرائيلية بسبب عدم وضوح الرؤية التمويلية لخطة “زخم” الخمسية العسكرية والتي ستحتاج إلى 6 مليار دولار أمريكي تقريبًا.

لذا يحتاج نتنياهو إلى استثمارات أجنبية ضخمة تستطيع سد فراغات تمويلية لمنح ومخصصات اجتماعية، وعسكرية؛ أولًا: لرفع تداعيات أزمة كورونا عند قطاع عريض من المجتمع الإسرائيلي وخاصة الديني المتشدد، ثانيًا: لتمويل خطة “زخم” الخاصة بالجيش الإسرائيلي. وبالتالي عدم الوقوع في أزمة زيادة العجز في الموازنة.

تعظيم القاعدة السياسية لحزب الليكود

من خلال رصد التأثيرات الاقتصادية-الاجتماعية لسياسات نتنياهو (الليكود)، يتبين ظهور أنماط محددة، وهي:

  1. توظيف الشباب الديني المتشدد: يشغل الشباب الديني المتشدد (الحريدي) 64% من المجتمع الديني في إسرائيل، وبسبب انخراطه في التكنولوجيا العصرية ارتفعت لديه طموحات مهنية وسياسية واسعة فدعت الحاجة لدى الليكود إلى جذب هذا القطاع من خلال دمجه في سوق (الهايتك: أو التكنولوجيا الفائقة).
  2. توسيع الطبقة المتوسطة: من خلال رصد سياسات نتنياهو في تقديم المنح والمعونات للمتعثرين، يتبين أنها مقدمة بالتحديد لرواد الأعمال، وأصحاب متوسط دخول 3000 شيكل شهريًا. وحسب موقع الحكومة فإن المصدر القانوني للمنحة هو “تقليل الفوارق الاجتماعية بين الطبقات”، كما يستدل أيضا في الوعود التمويلية لمرتبات المعلمين التي تصل بهم إلى الالتحاق بالطبقة المتوسطة.
  3. برامج الإسكان في الضفة الغربية: تشير التقديرات إلى ارتفاع وتيرة بناء المستوطنات في الضفة الغربية، واستهدفت حكومة نتنياهو صياغة برامج إسكان مغرية في تلك المستوطنات الجديدة من أجل جذب المواطنين الإسرائيليين الذين يعانوا من ضائقة ويشكون ارتفاع الأسعار في المدن الساحلية الإسرائيلية. نتج عن ذلك انخراط السكان الجدد في المستوطنات في الثقافة الاستيطانية الإسرائيلية.

الخلاصة، يمكن القول إن نتنياهو يستهدف تعظيم القوة السياسية والانتخابية لحزب الليكود على الخريطة الحزبية الإسرائيلية لضمان هيمنته على الساحة السياسية، وبالتالي تضمن إسرائيل اليهودية سيطرة حزب يجمع بين التيارين القومي والديني في إسرائيل.

وذلك حسب الترجيح الأكثر استقرارا في المؤشرات لن يتم إلا من خلال أدوات ومشاريع اقتصادية يتم ترجمتها عبر تنظيم اجتماعي على الأرض. ينعكس ذلك في الطلب الإسرائيلي المتكرر لزيارة الدول الخليجية وتعظيم الاستفادة من اتفاقات التطبيع بتعاون اقتصادي واسع، وبالتالي يتحقق البعد الداخلي الإسرائيلي لاتفاقات التطبيع الذي تركز عليه هذه الورقة.

Scroll Up