عرض – نرمين سعيد

تتجه الكثير من مراكز الأبحاث والدراسات إلى رصد تداعيات الحرب الباردة القادمة بين الصين والولايات المتحدة، وفي هذا الإطار استعرض معهد الشرق الأوسط تداعيات هذه الحرب على العلاقات بين الصين ودول الخليج  في تقرير حمل نفس العنوان للباحث محمد سليمان.

وذكر التقرير أن القادة في جميع أنحاء العالم يتسابقون لتحديد استراتيجيتهم فيما يتعلق بطريقة التعامل مع الحرب الباردة القادمة بين الولايات المتحدة والصين، مع الوضع بالاعتبار أن منطقة الخليج ليست استثناءً.

تختلف الأهداف ووجهات النظر نحو منطقة الشرق الأوسط وفقًا للقوتين العظمتين ” الولايات المتحدة – الصين” ولذلك فإن أي زلة في تشكيل التحالفات قد تكون ضارة بمستقبل المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن مخاطر استعار الحرب الباردة بين واشنطن وبكين ستكون مخاطرها أعلى بالنسبة لمنطقة الخليج، حيث إن الولايات المتحدة كانت دومًا تشكل الضامن الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي في الفترة بعد عام 1990 وقد انعكس ذلك جليًا على التواجد العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة من المقر الإقليمي للقيادة المركزية في قطر وحتى الأسطول الخامس المتمركز في البحرين.

وحسب التقرير فإن للولايات المتحدة مناطق عسكرية في الكويت والإمارات وعمان وكذلك العراق والسعودية، وهو ما يشير إلى أنه للولايات المتحدة بصمة أمنية ضخمة في الخليج.

ورغم التكهنات بتراجع دور الولايات المتحدة إلا أنها استطاعت في حكم ترامب النجاح في تطبيع العلاقات بين تل أبيب من جهة والإمارات والبحرين من جهة أخرى وبالإضافة إلى ذلك فقد نجحت في تحسين جودة العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

على جانب آخر فقد نجحت إدارة ترامب وفقًا للتقرير في الوصول لحالة من السلام البارد بين قطر والرباعية العربية المكونة من مصر – الإمارات-البحرين والسعودية.

وفي موضع آخر يشير التقرير إلى أنه بالتوازي مع كون الولايات المتحدة صاحبة الوجود الأمني الأقوى في منطقة الخليج فإن الصين تعد أكبر مستورد للنفط من دول الخليج.

ويمضي التقرير فيشير إلى أن تفشي الوباء مع تباطؤ الاقتصاد الناجم عن ذلك ظل الخليج كمورد يزود الصين بما نسبته 28% من إجمالي النفط الذي تستورده الصين. وقد قامت المملكة السعودية على حدة بتصدير ثلث إنتاجها من النفط للصين في مايو 2020 بينما صدرت بغداد نصف إنتاجها من النفط إلى بكين أيضًا في نفس العام.

وحسب التقرير المنشور على معهد الشرق الأوسط فإن الصين يصبح أكثر ارتباطًا باقتصاد الدول الخليجية على خلفية استيراده للحصة الأكبر من النفط.

 وحسب سليمان فإن إحدى نقاط الخلاف البارزة بين بكين وواشنطن هي شركات تكنولوجيا المعلومات حيث عملت الإدارة الأمريكية في عهد ترامب على بناء شبكات الجيل الخامس كما أطلقت واشنطن مبادرة الشبكة النظيفة والتي بموجبها التزم 53 من حلفاء الولايات المتحدة بمقاطعة التكنولوجيا الصينية وخصوصًا شركة هاواوي. وقد ضغطت واشنطن على الحلفاء في إطار عدم التعامل مع الصين للحصول على تكنولوجيا الجيل الخامس، والمقصود بالحلفاء هنا الدول الأوروبية وإسرائيل حيث عملت واشنطن أيضًا على إقناع إسرائيل بعد التعاون مع بكين في تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس.

وبعد أن نجحت الولايات المتحدة في حشد القوى الغربية ضد تكنولوجيا الصين ظهر في عهد بايدن الذي بدأ مؤخرًا بعض المرونة والمراوغة في التعامل مع بكين في مجال التكنولوجيا.

وحسب التقرير فإنه بينما من المرجح أن تحافظ واشنطن على وجود كبير في منطقة الخليج، ستتم إعادة تقويم وجودها العسكري العالمي في ظل إدارة بايدن  وذلك وفقًا لاحتياجاتها الاستراتيجية الجديدة – خاصة  في إطار تركيزها المتزايد على المحيطين الهندي والهادي.

 وفي نفس السياق ، فإن استبدال ترامب ببايدن  لا يعني إعادة ضبط العلاقات بين الولايات المتحدة والصين حيث أن هناك إجماع متزايد من الحزبين حول التحدي الصيني ، فضلاً عن الدعم المتبادل للعديد من السياسات ذات الصلة التي تتبناها إدارة ترامب. وستكون المنافسة بين القوى العظمى ، وخاصة مع الصين ، هي العدسة الأساسية التي ستقيم الولايات المتحدة من خلالها تحالفاتها في كل منطقة حول العالم.

ويشير التقرير إلى أن بايدن ومنذ حملته الرئاسية دعا إلى استضافة قمة للديمقراطيات لمواجهة التقدم الذي حققته الأنظمة الاستبدادية مثل الصين. حيث يخشى قادة الخليج من أن تحالف واشنطن الجديد قد  لا يقتصر على الديمقراطيات فقط.

وبدلاً من ذلك ، فهم قلقون من أن يمتد في النهاية إلى نطاق أوسع من الدول في محاولة  لترجيح  ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة.

 ويبرر هذا تخوف دول الخليج مترددة  من  أن تكون جزءًا من تحالف تقوده الولايات المتحدة ضد الصين  وذلك لأنه إلى جانب العواقب الاقتصادية الواضحة ، فإن مثل هذه الخطوة ستؤثر على الحسابات الاستراتيجية في المنطقة خصوصًا مع تنامي تيار في منطقة الخليج يؤمن بحتمية صعود الصين التي إن وصلت فقد تعاقب الدول التي تحالفت مع واشنطن.

ولذلك قد تحتاج عواصم الخليج إلى إيجاد حل وسط بين الولايات المتحدة والصين لأنه إذا استمرت الولايات المتحدة في  الضغط على الحلفاء الإقليميين لحظر  Huawei من شبكات الجيل الخامس الخاصة بهم  فقد  يتبع الخليج النموذج الفرنسي  حيث ستمنع   شركات الاتصالات السلكية واللاسلكية من الحصول على تقنية Huawei الجديدة ، وفي النهاية ستنشئ جدولًا زمنيًا للإزالة التدريجية لمنتجات Huawei الحالية.

ومع ذلك ، هناك مخاوف في الخليج العربي من أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تدفع بكين إلى رد قسري مشابه للحرب التجارية المستمرة بين الصين وأستراليا. حتى أن البعض يخشى أن التهديد بفرض حظر غير رسمي على شركة Huawei قد يمثل حافزًا كافيًا لبكين لتغيير استراتيجيتها الخليجية ، مما يدفعها إلى الابتعاد عن إيران لصالح علاقة أكثر استراتيجية مع الخليج ، تتجاوز النفط.

ويتناول التقرير أن دول الخليج تدرك  أنها بحاجة في النهاية إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية. ومن هنا يجب عليها ألا  تنحاز لأحد الجانبين واشنطن أو بكي لأن  المنافسة الجيواستراتيجية طويلة المدى.

 وفي هذا الإطار  تحتاج دول الخليج إلى التركيز على بناء قدراتها العسكرية المحلية حتى تتمكن من مواجهة منافسيها – خاصة إيران وبدرجة أقل تركيا – وتنويع تحالفاتها خارج الولايات المتحدة. لتشمل المملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والهند واليونان وإسرائيل.  مع الوضع بالاعتبار أن تحقيق حكم  ذاتي استراتيجي يحتاج إلى  سنوات عديدة وموارد كبيرة ، لكنه سيكون ضرورة في مواجهة الديناميكيات الجيوسياسية المتغيرة في المنطقة. عمومًا،  تشعر دول الخليج بالقلق من أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين قد تجبرها على الاختيار بين واشنطن وبكين. لا شك أن كلا الخيارين سيكون له تداعيات وخيمة على استقرار المنطقة.  ومن هنا يواجه الخليج العربي مفاضلة بين الاعتماد الأمني ​​على الولايات المتحدة والاعتماد الاقتصادي على الصين ، وليس لديه رغبة كبيرة في الاختيار بينهما.  

Scroll Up