بينما تتوالى تصريحات المسؤولين الأتراك الساعية إلى تخفيف حدة الخلاف مع مصر والمضي قدما في مصالحة أو تطبيع للعلاقات معها، أعلن أونال تشفيكوز نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي للشؤون الخارجية نية الحزب إرسال وفد رسمي إلى القاهرة في مسعى لإعادة العلاقات التركية-المصرية إلى وضعها الطبيعي. وقد يشير هذا الإعلان إلى أن انعكاسات لهذه التصريحات التي أطلقها المسؤولون الأتراك ستحدث على مستوى الداخل التركي في السجال السياسي الدائر بين منظومة الحكم التركية ومعارضيها.

مواقف المعارضة

أعاد ما أعلنه نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي إلى الأذهان الكثير من المواقف التي صدرت عن أطراف تركية معارضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم حول ضرورة التنسيق مع مصر في مختلف الملفات. ويمكن تقسيم هذه المواقف إلى قسمين، الأول ما قبل تصريحات المسؤولين الأتراك عن الرغبة في عودة العلاقات مع مصر، والثاني بعدها.

ضرورة التنسيق

  • أكد رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كليتشدار أوغلو (يناير 2020) أن السياسة الخارجية للرئيس رجب طيب أردوغان كانت خاطئة ومعادية للشرعية الدولية، خاصة حيال مصر، إذ وقف نظام أردوغان ضد المؤسسات الحاكمة في القاهرة التي تتمتع باعتراف دولي، قائلًا “إن نزاع تركيا مع مصر أدى إلى خسارة أنقرة لمواقف القاهرة، ما أدى في النهاية إلى خسارة النظام التركي للشرق الأوسط برمته”.
  • أكد كليتشدار أوغلو (سبتمبر 2020) أن على الحكومة التركية الإسراع في تحسين علاقاتها مع مصر وإبرام الاتفاقات اللازمة معها قائلًا “منذ 5 سنوات ننادي أن تكون علاقتنا السياسية مع مصر دافئة. لماذا نتقاتل مع مصر؟ إن القتال مع مصر يعني جر تركيا إلى المصائب في البحر الأبيض المتوسط”، متسائلًا “لماذا يدعم أردوغان جماعة الإخوان، من هم الإخوان؟ وما هي سياستهم؟، مثلما نزعم أن حزب العمال الكردستاني إرهابي في تركيا، كذلك أعلنت مصر الإخوان جماعة إرهابية”.
  • دعا رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب المستقبل المعارض أحمد داود أوغلو (مارس 2020) الرئيس التركي للنقاش مع مصر لحل الأزمة السورية، مطالبًا إياه بأن يوضح السبب وراء معارضته لمصر، مؤكدًا ضرورة النقاش مع جميع الدول الكبرى والمهمة لحل الأزمة السورية.
  • دعا أحمد داود أوغلو (يوليو 2020) الرئيس التركي إلى العمل على تفادي الصدام مع مصر في ليبيا قائلًا “فلتجلس وتتحدث مع مصر إذا لزم الأمر لأن مواجهة بين مصر وتركيا في ليبيا لن تكون جيدة من أجل تركيا”.
  • أكد داود أوغلو (سبتمبر 2020) أن على بلاده بدء التشاور مع مصر من أجل التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين في البحر المتوسط، فمصر وتركيا دولتان تمتلكان أطول شريط ساحلي على المتوسط، قائلًا “مصر أكثر دولة مصالحها تتماشى مع مصالح تركيا. أقول الآن، لننحِ الخلافات السياسية جميعًا جانبًا. ويجب الحوار مع مصر حول المنطقة الاقتصادية في شرق المتوسط على الفور”.

“تسول المصالحة”

  • أعلن أونال تشفيكوز نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي للشؤون الخارجية (15 مارس) نية الحزب إرسال وفد رسمي إلى القاهرة في مسعى لإعادة العلاقات التركية-المصرية إلى وضعها الطبيعي، قائلًا “إننا تقدمنا إلى لجنة العلاقات الخارجية البرلمانية بمبادرة من أجل تشكيل وفد لزيارة القاهرة، لكننا لم نتلقَ أي رد. لذا، أبلغنا الجانب المصري نيتنا زيارة وفد من حزب الشعب الجمهوري إلى القاهرة في الأسابيع المقبلة، فالمعارضة عليها مسؤولية تصحيح السياسات الخاطئة وتسوية علاقات الدولة التي خرجت عن مسارها الطبيعي”.
  • قالت رئيسة حزب الخير ميرال أكشنار (11 مارس) إن السياسة الخارجية لتركيا تقوم على الصداقات الشخصية، قائلة إن “الرئيس أردوغان ربط كل سياسته الخارجية بدمائه الشخصية، ولو لم تعاند أنقرة مع القاهرة، لكان وضعها أفضل الآن في شرق المتوسط”. مضيفة أن “الرئيس جعل تركيا تدفع ثمن أهوائه الشخصية عندما رسم سياسة أنقرة مع القاهرة، ودفع الأتراك ثمن قرارات أردوغان والتي بسببها خسروا مصر”.
  • قال المتحدث باسم الشعب الجمهوري فائق أوزتراق (9 مارس) “منذ اليوم الأول للأزمة مع مصر طالبنا بضرورة تحسين العلاقات معها، فهي مهمة للغاية من أجل مصالحنا الوطنية، ولقد كشفت الأيام ما شهدناه في شرق المتوسط منذ 2013 أن مخاوفنا صحيحة، وفي الآونة الأخيرة، بدأوا يتوددون لمصر”.
  • وأكد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو (16 مارس) أن الرئيس التركي يتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، قائلًا “إن مصر تصنف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية ولكن أردوغان أحضرهم إلى تركيا وألبسهم التاج والآن يتسول إلى مصر من أجل التصالح، هل هذا هو حكم الدولة؟”.
  • علق وزير الاقتصاد السابق ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان عبر موقع تويتر (12 مارس) قائلًا ” السياسة الخارجية تُبنى على الاتساق والقدرة على التنبؤ. أو ستنتقل فجأة من خطاب “السيسي الانقلابي” إلى “أخي السيسي”. “السلطة الحالية تدير السياسة الخارجية بشكل مندفع وتعسفي وتركيا أكبر من أن تُترك لمزاج شخص واحد”.

دوافع داخلية

تتعدد الدوافع التي تقف وراء هذه التصريحات المتوالية من المسؤولين الأتراك التي تخطب ود مصر وتسعى للتصالح معها، وآخرها تصريحات الرئيس التركي (16 مارس) بعد لقائه بوفد رسمي من البوسنة والهرسك التي قال فيها “لا أعتقد أن الشعب المصري سوف يناقضنا في هذه المرحلة. الشعب المصري ليس على خلاف معنا”.

وبينما توجد متغيرات خارجية دفعت النظام التركي إلى إعلان الرغبة في عودة العلاقات مع مصر إلى ما كانت عليه، مثل تولي الرئيس الأمريكي جو بايدن الحكم، والعزلة التي باتت تعاني منها تركيا في شرق المتوسط؛ فإن دوافع تتعلق بالأوضاع داخل تركيا تقف أيضًا وراء هذه التصريحات.

فقدكان للسياسات التي اتبعها أردوغان على المستوى الخارجي والتي اتسمت بالتوسعية والانتقال من “صفر مشاكل” إلى “صفر حلفاء” آثار سلبية على الدولة التركية وبالتبعية على المواطنين الأتراك ومنها على سبيل المثال المقاطعة الشعبية التي تمت في دول الخليج ومصر للمنتجات التركية على إثر سياسات أنقرة المعادية لها، وهي المقاطعة التي كبّدت الاقتصاد التركي خسائر بالغة. فضلًا عن الآثار التي نجمت عن توتر العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي إثر سياساتها في شرق المتوسط وبين تركيا والولايات المتحدة إثر حادثة احتجاز القس أندرو برونسون ثم أزمة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس-400).

يُضاف إلى آثار هذه السياسات التراجع الذي يشهده الاقتصاد التركي بصفة عامة مع تراجع سعر الليرة التركية مقابل الدولار، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتراجع معدلات النمو، مما ولّد غضبًا واستياءً شعبيًا تجاه منظومة الحكم انعكس في التراجع المستمر لشعبية حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية اللذين يشكلان التحالف الحاكم في مقابل ارتفاع شعبية الأحزاب المعارضة باختلاف توجهاتها.

وفي ضوء رغبة الرئيس التركي في تحسين شعبيته لضمان الفوز في الانتخابات المقبلة -المقرر لها 2023 ويُثار حديث عن احتمالات عقدها مبكرًا- تأتي تصريحات المسؤولين الأتراك حول المصالحة مع مصر، بجانب تصريحات مشابهة تجاه العلاقات مع دول الخليج العربي، وكذلك إسرائيل، وتصريحات ومساعٍ أخرى لتحسين العلاقة مع فرنسا التي شهدت توترًا كبيرًا خلال العام الماضي بفعل تشابكات بين البلدين في عدد كبير من الملفات؛ رغبة في توصيل رسالة إلى المواطنين الأتراك مفادها أن تركيا مقبلة على عصر سياسي جديد ستكون فيه ذات علاقات وطيدة ومستقرة مع الجميع، وستجلب به المزيد من الاستثمارات والمزايا الاقتصادية التي ستنعكس بدورها على المواطنين.

المعارضة وكسب النقاط

لا تنفصل التصريحات التركية عن إطار الصراع الدائر بين منظومة الحكم في تركيا وأحزاب المعارضة، ومحاولة كل طرف كسب نقاط على حساب الآخر، وهو ما ظهر في العديد من المواقف السابقة منها قضية إدخال تعديلات على الدستور التركي أو كتابة دستور جديد، وكذلك تفاعلات أحزاب المعارضة مع الاحتجاجات الأخيرة في جامعة البوسفور وقبلها في قضية التراجع الاقتصادي التي أدت إلى استقالة بيرات البيرق وزير المالية وصهر الرئيس أردوغان.

وتشير مواقف المعارضة إزاء مجمل السياسات الخارجية للرئيس التركي وخاصة السياسة تجاه مصر إلى أن تصريحات النظام التركي حول ضرورة التصالح مع مصر تصب في صالح أحزاب المعارضة التي لم تتوان عن التنديد بالسياسة العدائية للرئيس التركي تجاه مصر وخاصة احتضان جماعة الإخوان، ودعوته إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات معها بعد أن أدت السياسات التركية إلى عُزلة أنقرة إقليميًا. والإشارة إلى أن السياسة الخارجية التركية لا تُدار بثوابت أو برؤى ثاقبة.

ولذلك عمدت وسائل إعلام تركية محسوبة على حزب العدالة والتنمية إلى الزعم بأن التطورات الإقليمية وتغيير ديناميات السياسة الدولية دفعت مصر إلى التقارب مع تركيا، وأن مصر هي التي بدأت في إرسال رسائل مهمة إلى تركيا تشير إلى رغبتها في التقارب معها عبر “مراعاة الجرف القاري لتركيا عند ترسيم الحدود مع اليونان، وتغيير سياستها في ليبيا”. وهو ما يُفسّر بأنه سعي من الحزب الحاكم لتدارك خسائره أمام المعارضة.

ويمكن القول إن التصريحات الأخيرة قد وضعت الرئيس التركي بين شقي الرحى في معركته أمام المعارضة، خاصة بعد الردود الرسمية المصرية التي طالبت تركيا أولًا بأن يكون هناك تغيير في سياستها تجاه مصر وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وانتهاج سياسات إقليمية تتوافق مع السياسة المصرية قبل الحديث عن أي عودة للعلاقات؛ فالرئيس التركي إما أن يغير فعليًا سياساته المتعلقة بمصر والإقليم وتسوق المعارضة ذلك بأنه يثبت ضعف موقف أنقرة إقليميًا، وإما أن يرفض ذلك وتستمر العزلة التركية وتداعياتها الاقتصادية، ومن ثم تستمر أحزاب المعارضة في تحقيق مكاسب شعبية.

Scroll Up