أعلن رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” المراجعة الحكومية الجديدة The Integrated Review، التي ستحدد السياسة الخارجية والأمن القومي ورؤية رئيس الوزراء لجعل بريطانيا أقوى وأكثر أمانًا وازدهارًا. وتعد الوثيقة المؤلفة من 100 صفحة والتي جاءت تحت عنوان “بريطانيا العالمية في عصر المنافسة”، إعادة تقييم جذرية لمكانة بريطانيا في العالم منذ نهاية الحرب الباردة، لتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات التي يتعرض لها النظام العالمي. وتأتي أيضًا خلال عام مهم من القيادة الدولية للمملكة المتحدة، حيث تتولى بريطانيا رئاسة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى وتحضِّر لاستضافة قمة العمل المناخي.

تؤكد المراجعة المتكاملة أن أحوال العالم قد تغيرت في السنوات الست منذ آخر مراجعة الأمن والدفاع الاستراتيجي لعام 2015، وتغيرت مكانة بريطانيا فيه بشكل كبير، وأصبحت الصين التي كانت تعد في ذلك الوقت مصدرًا للفرص التجارية في المقام الأول، معترفًا بها كمنافس نظامي قوي. وبالتالي فإن المراجعة المتكاملة هي استجابة لثلاثة تحولات كبيرة: صعود الصين، وتراجع النظام العالمي الحالي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

هدف المملكة المتحدة من المراجعة المتكاملة

ترى بريطانيا أنها ليست بحاجة إلى النظام الدولي الذي عفا عليه الزمن، وتتطلع إلى مرحلة جديدة مع خروجها من الاتحاد الأوروبي. وبناء تحالفات استراتيجية وتجارية بعيدًا عن أوروبا، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. حيث من المقرر أن يقوم رئيس الوزراء بزيارة إلى الهند، نهاية أبريل القادم، في أول زيارة دولية كبيرة له بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

هذا فضلًا عن أن النظام متعدد الأطراف القائم على القواعد، الذي كان يُفترض منذ فترة طويلة أنه يدعم أمن بريطانيا، يتعرض الآن للتفتت وسط الخصومات المتزايدة، وأن الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان آخذة في التراجع في أجزاء كثيرة من العالم. وأدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تغيير جذري في علاقة بريطانيا بأقرب جيرانها وشركائها. وبعد خمس سنوات من قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإن المراجعة هي رد رئيس الوزراء على المنتقدين الذين يقولون إن بريطانيا لم تجد دورًا بعد.

وتضع المراجعة حسابًا مقنعًا للتهديدات التي تواجه بريطانيا وتوفر استراتيجية واقعية لمواجهتها، وأن هناك إعادة تأكيد مرحب بها للالتزام تجاه الناتو وأمن المنطقة الأوروبية الأطلسية بوصفه المحور الاستراتيجي الأساسي للبلاد، مع التهديد الرئيسي الذي تمثله روسيا.

وتقدم المراجعة مقاربة طموحة للسياسة الخارجية، يكمن في جوهرها التصميم على الدفاع عن القيم الديمقراطية الليبرالية، وأن الحكومة تريد لبريطانيا أن تلعب دورها في تحديث النظام القائم على القواعد، من خلال السعي للحصول على دور قيادي في تنظيم التقنيات الجديدة.

أبرز النقاط الرئيسية في المراجعة المتكاملة 

الحلفاء والمنافسين والتهديدات

الدور العالمي لبريطانيا: أكدت المراجعة على ضمان قدرة البلاد على المنافسة عالميًا، وأن الاتحاد بين إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، هو أكبر مصدر لقوة بريطانيا في الداخل والخارج، وذلك عن طريق تعظيم الموارد والجمع بينها، وتجميع خبرات مواطني المملكة في مجالات مثل العلوم والصحة، للاستجابة للتحديات العالمية وإبراز تأثير بريطانيا العالمي.

الصين: وصفت المراجعة الصين بأنها “منافس منهجي”، وليست دولة معادية، مرجحة بأن تكون “قوتها المتزايدة وإصرارها الدولي أهم عامل جيوسياسي في عشرينيات القرن الحادي والعشرين”.

روسيا: وصفت المراجعة روسيا، بأنها التهديد الأكثر خطورة لأمن المملكة المتحدة، وأنه لحين تحسن العلاقات بين البلدين، فإن المملكة المتحدة ستردع وتدافع بفعالية عن “مجموعة كاملة من التهديدات.

الاتحاد الأوروبي: لم تتطرق المراجعة كثيرًا إلى الاتحاد الأوروبي، بخلاف الاعتراف بمساهمته في السلام في أوروبا، مع التأكيد على أهمية الشراكة الأمنية مع فرنسا، وعدّت ألمانيا حليفًا أساسيًا في المجال الدبلوماسي.

الولايات المتحدة: أكدت المراجعة على أن الولايات المتحدة لا تزال أهم حليف استراتيجي للمملكة المتحدة، مع استمرار التعاون بين البلدين عبر مجموعة كاملة من مجالات الدفاع والاستخبارات والقوة الالكترونية ومكافحة الإرهاب والتعاون في المجال النووي.

المساعدات الخارجية

تعهد الإنفاق: تعهدت الحكومة البريطانية بالعودة إلى الالتزام بإنفاق 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على المساعدات عندما يسمح الوضع المالي بذلك.

الاستراتيجية طويلة المدى: اقتراح إلغاء نموذج المنحة عندما تصبح الحكومات قادرة على تمويل أولويات التنمية الخاصة بها، مع التحرك تدريجيًا نحو توفير الخبرة البريطانية بدلًا من المنح.

الأمن والدفاع

القوات المسلحة: اعتماد أحدث التقنيات المتطورة مثل الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي (AI)، والتركيز على ساحات القتال المستقبلية في الفضاء والإنترنت.

جيش المواطنين: طرحت المراجعة مقترح إنشاء كادر احتياطي مدني للدعم في أوقات الأزمات للعمل جنبًا إلى جنب مع الجيش وقوات الاحتياط في الأحداث المماثلة للأوبئة في المستقبل.

الاستثمار في الصناعات المحلية: زيادة الاستثمار في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة البديلة، وانتشار أعمال وزارتي الخارجية والدفاع خارج نطاق مدينة لندن، عبر توسيع مكاتب وزارة الداخلية والتنمية الدولية FCDO في اسكتلندا، والمقر الرئيسي لـ Cyber Force HQ، وإنشاء مراكز تجارية إقليمية.

الأسلحة النووية

ترايدنت: زيادة الحد الأقصى لمخزون الرؤوس الحربية النووية لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة إلى 260 رأسًا نوويًا منهية بذلك الهدف السابق المتمثل في خفضه إلى 180 بحلول منتصف 2020.

 الصواريخ القابلة للنشر: لن تعلن المملكة المتحدة بعد الآن عن عدد الرؤوس الحربية القابلة للنشر التي تمتلكها.

الضربات النووية: تحتفظ بريطانيا بالحق في استخدام ترايدنت ضد التقنيات الناشئة الجديدة وكذلك ضد أسلحة الدمار الشامل الكيماوية أو البيولوجية.

الإرهاب والتجسس

القنبلة القذرة: خلصت المراجعة إلى أنه من المحتمل أن تشن مجموعة إرهابية هجومًا ناجحًا كيميائيًا أو بيولوجيًا أو إشعاعيًا أو نوويًا بحلول عام 2030.

قانون التجسس: تعهدت الحكومة بتشريع جديد للتعامل مع تهديد التجسس من روسيا والصين وأماكن أخرى للمساعدة في معالجة التهديدات الحديثة مثل المعلومات المضللة.

مركز العمليات: نشر شرطة مكافحة الإرهاب وجهاز الأمن الداخلي (MI5)، والمدعون العامون المتخصصون في وسط لندن، وهو ما تم الإعلان عنه في مراجعة الإنفاق في الخريف.

غرفة العمليات: إنشاء قسم جديد للتكنولوجيا الفائقة بتكلفة 9.3 مليون جنيه إسترليني تحت إشراف مكتب رئاسة الوزراء لضمان المراقبة في أوقات الإرهاب وتهديدات الأزمات الأخرى. وبناء غرفة عمليات بمكتب رئيس الوزراء، على غرار البيت الأبيض، ومركز جديد لعمليات مكافحة الإرهاب لتحسين قدرة الاستجابة للحوادث.

الاقتصاد والتجارة

توسيع العلاقات التجارية: اهتمت المراجعة بإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، ومساعي الإنضمام إلى منظمة CPTPP، ما يعزز من تحقيق الحكومة التزاماتها خلال البرنامج الانتخابي بإبرام اتفاقيات تجارية مع البلدان التي تغطي 80٪ من التجارة المملكة المتحدة بحلول نهاية عام 2022.

الاندماج في النظام الاقتصادي والمالي العالمي: لقد نجحت بريطانيا في أن تكون خامس أكبر مُصدر في العالم عام 2019، وحققت مبيعات واستثمارت خارجية بقيمة 690 مليار جنيه إسترليني إلى باقي دول العالم، مع الحفاظ على ملايين الوظائف، يتواجد 75% منها خارج لندن. 

تعزيز الصناعة: تنمية القاعدة الصناعية الأساسية داخل المملكة، من بناء السفن في اسكتلندا وتصنيع المركبات المدرعة في ويلز، وتعزيز مجال تعدين عنصر “الليثيوم” في كورنوال وتصنيع الأقمار الصناعية في أيرلندا الشمالية. وهو ما يخلق وظائف مستقبلية وتعظم مكانة بريطانيا في العلوم والتكنولوجيا.

زيادة الوظائف: شملت المراجعة برنامج استثمار بقيمة 24 مليار جنيه إسترليني في مجال الدفاع، ما سيسمح للحكومة بالاستثمار في أحدث التقنيات وتوفير 40 ألف وظيفة بريطانية على مدى السنوات الأربع المقبلة. كما تشير المراجعة المتكاملة إلى زيادة موظفي مكتب الشؤون الخارجية والكومنولث والتنمية في شرق كيلبرايد باسكتلندا إلى 500 موظف، ليرتفع العدد الإجمالي للوظائف الموجودة في اسكتلندا إلى 1500. كما سيتم توفير المزيد من الوظائف خارج لندن من خلال إنشاء مقر جديد للأمن الإلكتروني في شمال إنجلترا والمراكز التجارية في ويلز وأيرلندا الشمالية.

نقاط أخرى

قانون ماجنيتسكي المعدل: إطلاق نظام عقوبات جديد في وقت لاحق من هذا العام، يركز على الفساد، ومنع المتهمين من دخول المملكة المتحدة أو تحويل الأموال بطرق غير شرعية عبر مدينة لندن.

القوة الناعمة: الاعتراف بمساهمات المؤسسات الثقافية في المكانة الدولية للمملكة المتحدة، بما في ذلك هيئة الإذاعة البريطانية والنظام الملكي.

تغير المناخ: وضعت المراجعة المتكاملة قواعد التعامل مع تغير المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي كأولوية دولية أولى للمملكة المتحدة في العقد المقبل. وقد كانت المملكة المتحدة أول دولة اقتصادية كبرى تصدر قانونا بشأن الوصول إلى صفر الكربون.

جدوى المراجعة المتكاملة لبريطانيا

رحبت الولايات المتحدة بالمراجعة البريطانية، وخصوصًا تركيزها على منطقة المحيط الهندي والهادئ، ولكنها حذرت من التمادي في هذا التحالف، لأن الولايات المتحدة تعتمد على بريطانيا في بناء التحالفات في أوروبا. في المقابل، انتقدت الصين وروسيا وإيران المراجعة المتكاملة، وبالتحديد التراجع عن خطط خفض مخزون بريطانيا من الأسلحة النووية بحلول منتصف عام 2020. واتهمت بكين بريطانيا بالتملق للولايات المتحدة، ورأت أن السياسة البريطانية “غير المكتملة” هى نتيجة لأحلام لندن بإحياء مجدها الماضي كقوة عالمية عظمى. وانتقدت روسيا، زيادة بريطانيا رؤوسها النووية، وبالمثل انتقد وزير الخارجية الإيراني المراجعة ووصف جونسون بـ”النفاق المطلق”.

على جانب آخر، فإن تركيز بريطانيا على تعزيز العلاقات مع الهند وأستراليا وكوريا الجنوبية، ودعوتها للانضمام إلى قمة مجموعة السبع بعد تولي بريطانيا رئاسة المجموع، والميل نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ يتعلق بشكل أساسي بتعزيز الروابط والتحالفات التجارية، بما في ذلك المشاركة في رابطة دول جنوب شرق آسيا واتفاق التجارة عبر المحيط الهادئ.

ولكن استراتيجية التقارب نحو المحيطين الهندي والهادئ قد تقابل بالفشل، بسبب عدم إيلاء بريطانيا اهتمامًا كافيًا لآسيا، وأنه من الحكمة السعي وراء علاقات أقوى مع دول “العيون الخمس” والديمقراطيات الأخرى في المنطقة، كما أن هذه العلاقات في بعض الأحيان قد تمثل إشكالية، فالهند هي أكبر ديمقراطية في العالم، ولكن في ظل حكم “ناريندرا مودي” تبدو أقل ديمقراطية من أي وقت مضى، لذا ومن الأجدى أن تسعى المملكة المتحدة وراء شراكات جديدة في المنطقة المحيطة بها.

وحول موقف حزب العمل البريطاني المعارض من هذه المراجعة، انتقد الحزب خطط زيادة حجم المخزون النووي؛ لأنها تنتهك مراجعة الدفاع المادة 6 من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأن مراجعة الدفاع المتكاملة للحكومة تبين أن المملكة المتحدة سترفع سقف ترسانتها النووية بنسبة 40%، لتصل إلى 260 رأسًا حربيًا. والمملكة المتحدة كانت ملتزمة سابقًا بخفض مخزونها من الرؤوس الحربية إلى 180 رأس بحلول منتصف عام 2020، لكن المراجعة قالت إن هذه السياسة ستتغير اعترافًا بالبيئة الأمنية المتطورة، بما في ذلك مجموعة التهديدات التكنولوجية والعقائدية المتطورة.

وهذا الإعلان يأتي على الرغم من أن المملكة المتحدة من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والتي تلزم الحكومة بنزع السلاح النووي بشكل تدريجي بموجب القانون الدولي وهي سياسة التزمت بها الإدارات المتعاقبة. وترى الحكومة البريطانية أن سبب رفع المملكة المتحدة سقف مخزونها النووي هو وجود دول مسلحة نوويًا تتجاهل المعايير الدولية. وأن أفضل طريقة لحماية المملكة المتحدة وحلفائها في الناتو هو التأكيد على وجود رادع نووي موثوق به، وأن الرقم 260 هو سقف وليس هدف.

Scroll Up