عرض – نرمين سعيد

انقطعت صلات تركيا بالغرب منذ تولي حزب العدالة في التنمية، كانت هذه النقطة الجوهرية التي ركز عليها تقرير منشور على موقع بيجن –السادات الإسرائيلي بعنوان ” قانون موازنة السياسة الخارجية التركية لكاتبه ”  Emil Avdaliani”.

ووفقًا للتقرير المنشور بتاريخ اليوم الأحد فإنه بعد وصول حزب إسلامي لسدة الحكم في تركيا أصبح ينتهج كل ما هو مغاير لرغبات القوى الغربية.

ومنذ عام 2003 على وجه التحديد، سعت تركيا بالفعل لتعزيز نفوذها في جميع المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية على حدودها.

ومن ضمن هذه المناطق البحر الأسود وجنوب القوقاز والبلقان والبحر الأبيض المتوسط ​​وسوريا والعراق. ووسط هذا يمكننا العثور على مفهوم عام يشرح هذا التطور من خلال النظر إلى الخريطة السياسية للعالم.

لندرك، أنه لا توجد قوة عظمى واحدة في الجوار التركي بل أنه حتى روسيا، التي يمكن القول إنها القوة الأكبر في الجوار ، لم تستطع منع تركيا من تقديم دعمها الضخم والذي حسم الأمور لصالح  أذربيجان وهو ما جعل القوات التركية   تتمركز    الآن على الأراضي الأذربيجانية إلى جانب روسيا.

وبسهولة يمكننا إرجاع أسباب النفوذ التركي الممتد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي ومع حقيقة أن النفوذ التركي استغرق عقودا لكي يتمدد إلا أنه ونحن اليوم في عام 2021، يمكن القول بأن أنقرة قد نجحت في مشروعها لمد النفوذ.

 فعلى سبيل المثال استطاعت تركي أن توجد لنفسها ممرًا بريًا مباشرًا إلى بحر قزوين عبر أراضي أذربيجان واستطاعت تعزيز  من وضعها العسكري في البحر الأبيض المتوسط ​​كما تعد  شمال سوريا والعراق أراضٍ يمكن أن توفر عمقًا استراتيجيًا للدفاع التركي.

وحسب التقرير فيبدو أن الجغرافيا لا زالت تؤثر في تصورات تركيا لنفسها أكثر من أي دولة كبرى أخرى ولذلك فإنه على مدى عقود من الزمان اتخذت تركيا سياسات متعددة الأوجه ولم تحصر نفسها في يوم من الأيام داخل حدودها.

وبما أن تركيا مجاورة لأوروبا فإن تجربتها في هذا الجانب تشبه التجربة الروسية التي سعت لاحتواء نفوذ غربي كبير سواء في المؤسسات أو السياسة الخارجية أو الثقافة.

 ويعتبر نموذج السياسة الخارجية متعدد الاتجاهات هو الأفضل في السياق التركي لأنه يوفر مساحة أكبر للمناورة والمكاسب الاقتصادية ونمو القوة الجيوسياسية.

ويمضي التقرير فيشير في موضع آخر إلى أن كل من موسكو وأنقرة أرادا التحرر من نهج المحور الواحد في السياسة الخارجية.

ولكن على الرغم من السعي الدؤوب فلم تتح لتركيا ولا روسيا فرصة لكسر اعتمادهما على الغرب تمامًا. لأن الغرب ببساطة ورغم فترات الانحسار التي يمر بها إلا أنه لا يزال الأكثر قوة على الأقل فيما يتعلق بإدارة الاقتصاد العالمي.

على صعيد آخر يتناول التقرير أن لكل من روسيا وتركيا مناطق مهمة ومناطق نفوذ في آسيا والشرق الأوسط بالإضافة على وجود تيارات أيدولوجية في الدولتين ترى أن سياسات الاتجاه نحو الغرب وأوروبا لوحدها لا تحقق المصالح العليا للبلاد. خصوصًا أن الغرب لم ينظر في وقت من الأوقات إلى روسيا أو تركيا باعتبارهما أوروبيتين.

ولذلك فإن تلك العقدة لطالما تحكمت في السياسات الخارجية لتركيا وروسيا فسعتا لكسب نقاط أخرى في آسيا أو أفريقيا إلا أن هذا لم يتحقق ولم يحدث أن وفر بديل آسيوي أو أفريقي النفوذ الذي ترتجيه الدولتين بعلاقاتها مع الغرب.

ولذلك فإنه ليس من الغريب أن تركيا كانت تبحث بنشاط خلال العقدين الماضيين عن محاور جيوسياسية جديدة. بالنسبة لأنقرة ، فإن العلاقات الوثيقة مع روسيا – التي  تقلق  المراقبين الغربيين – هي وسيلة لموازنة اعتمادها التاريخي على الجغرافيا السياسية الأوروبية.

كما أن نفس النموذج الذي تتبعه تركيا يمكنه أن يفسر لنا بسهولة النهج الي اتبعته روسيا بتقوية علاقاتها بمحيطها الآسيوي في العقود الأخيرة.

هنا إذا يشير التقرير إلى المعضلة الأساسية في اسطورة السياسة متعددة الاتجاهات التركية، أنقرة وإن كانت ترى أن علاقاتها بأوروبا لا تحقق وحدها المصالح العليا لها إلا أنها على سبيل المثال لا تسعى ولن تسع لقطع علاقاتها مع الناتو وإنما تستهدف عوضًا عن ذلك سياسات أكثر قوة تجاه الشرق الأوسط وهو ما يفسر الاستدارة التركية التي حدثت.

إن محور تركيا في الشرق الأوسط “الذي دافع عنه وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو” ليس تطوراً استثنائياً في السياسة الخارجية للبلاد.

ذلك أنه خلال الحرب الباردة، عندما كان تركيز تركيا على المحور الغربي قوياً، روج رئيس الوزراء اليساري بولنت أجاويد لفكرة سياسة خارجية “تتمحور حول المنطقة”. كان الهدف الرئيسي هو أن أنقرة يجب أن تسعى إلى تنويع في علاقاتها الخارجية بما يتجاوز ثباتها الغربي التقليدي، مما يعني انخراطًا أعمق في الشرق الأوسط والبلقان.

كذلك فإنه في عامي 1974-1975، حاول نائب رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان تحويل اتجاه أنقرة نحو العالم العربي كما كانت هناك محاولات لبناء علاقات أوثق مع الاتحاد السوفييتي. ولكن على الرغم من ذلك لم يتم اتخاذ أية خطوة لقطع العلاقات مع الغرب.

وحسب التقرير فقد اعتقد السياسيون الأتراك في ذلك الوقت أن تنويع العلاقات الخارجية من شأنه أن يفيد موقع البلاد في محيط أوروبا المطل على الشرق الأوسط المتقلب.  

ووفق مركز بيجن –السادات فإنه على عكس الاعتقاد بأن أتاتورك كان مهتمًا فقط بالمحور الغربي لتركيا، كان للبلد تحت قيادته علاقات وثيقة مع دول الشرق الأوسط المجاورة وهكذا استضاف شاه إيران رضا بهلوي عام 1934، ووقع عام 1937 اتفاقية عدم اعتداء مع إيران والعراق وأفغانستان.

ومن هنا فقد كان السعي وراء سياسة خارجية متعددة الاتجاهات السمة المميزة للفكر السياسي التركي. حتى خلال العهد العثماني، عندما كان لا مفر من سياسة خارجية تتمحور حول أوروبا، حيث سعى السلاطين إلى إيجاد بدائل لاعتمادهم على بريطانيا العظمى وفرنسا.

وبعد الحرب الكارثية مع روسيا ١٨٧٧-١٨٧٨، بدأ السلطان عبد الحميد جهدًا حذرًا لتحقيق التوازن من خلال بناء علاقات أوثق مع الإمبراطورية الألمانية – وهو اتجاه ساهم في التحالف الألماني التركي الذي تم تشكيله خلال الحرب العالمية الأولى.

وقد أفرد التقرير جزءًا للوضع الحالي فأشار إلى أنه بالعودة إلى يومنا هذا، فإن العامل الصيني يتسبب في إعادة تشكيل العلاقات التركية الغربية. حيث يمنح المحور الآسيوي وعدًا اقتصاديًا ويزيد من قدرة أنقرة على المناورة في مواجهة القوى الكبرى مثل روسيا والاتحاد الأوروبي.  

يمكن وصف سياسات تركيا تجاه الغرب والمشكلات المستمرة في العلاقات الثنائية بأنها معارضة داخل التحالف بدلاً من محاولة التحرر من الغرب. ولذلك فإنه ومن خلال وسائل مختلفة، تسعى تركيا جاهدة لتعزيز موقعها داخل الناتو. صحيح أنه في السنوات الأخيرة، اشتدت معارضة تركيا للغرب داخل الحلف بشكل ملحوظ، لكنها لم تتجاوز نقطة اللاعودة.  

Scroll Up