تصطدم إسرائيل بحالة تعادل سياسي بين معسكرين: الأول يرغب في وضع نهاية لتاريخ نتنياهو السياسي في إسرائيل، ويحتل هذا المعسكر (الذي يجمع أحزاب يمين-قومي ووسط ويسار وأحزاب عربية) عدد مقاعد يصل إلى 60 مقعدًا في أحدث استطلاعات الرأي (21 مارس 2021). أما الثاني فهو مجموعة من الأحزاب اليمينية الدينية-القومية التي لا ترفض استمرار نتنياهو كرئيس حكومة وتحتل 60 مقعدًا، أي يتبقى لها مقعد واحد فقط من أجل تشكيل ائتلاف حكومي شبه مستقر.

أما تحت السطح فتدور حرب ثقافية في إسرائيل حول هوية الدولة ومبادئها التوجيهية والعلاقة بين الدين والدولة، أي بشكل عام حرب على تعريف “اليهودي” في إسرائيل. انعكس ذلك في تشريع قانون القومية اليهودية في 2018، وكذا يُستدل عليه من اعتزام حزب يمينا (اليميني-الديني) الانضواء تحت حكومة نتنياهو رغم شراسة المنافسة بين زعيم الحزب “نفتالي بينيت” و”نتنياهو”.

تحاول السطور القادمة ترسيم أجندة محتملة لسياسات الحكومة الإسرائيلية المقبلة في الإطار السياسي السالف ذكره، وبدون النظر إلى من الفائز في الانتخابات؛ رغم أن المؤشرات تميل إلى فوز حكومة بطبيعة يمينية مطلقة.

الأجندة المحتملة

أولًا: الملف الاقتصادي

تتصاعد تداعيات اقتصادية سلبية جراء أزمة كورونا في إسرائيل، فوفقًا لبيانات المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، بلغ معدل البطالة العام في إسرائيل 18.2٪؛ حوالي 740 ألف عاطل عن العمل (حتى 14 فبراير). علاوة على بروز ظاهرة جديدة وهي تنامي أعداد رافضي العودة للعمل بسبب ارتياحهم للمنح المقدمة أو الموعودة لهم من الحكومة. 

يُضاف إلى ذلك رواد الأعمال الذين دفعتهم أزمة كورونا إلى غلق مشاريعهم وخسارة استثماراتهم المحلية. وحسب تقديرات مركز الأبحاث التابع للبنك المركزي الإسرائيلي فإن الاقتصاد الإسرائيلي لن يدخل مسار التعافي قبل نهايات العام الجاري 2021.

أما بشأن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية، فراعت التقديرات الإسرائيلية أن تدهور الاقتصاد الفلسطيني يتسبب في تزايد معدلات العنف في الضفة الغربية مما يؤثر بالسلب على أمن المستوطنات. إذا يظل الموقف الاقتصادي الإسرائيلي ونظيره الفلسطيني هو الأولوية الأولى للحكومة الجديدة لبحث وسائل التعافي، ويمكن أن تبحث الحكومة في المسارات التالية: 

  1. الاستثمارات الأجنبية المباشرة: ستحرص الحكومة الجديدة على تحفيز اتفاقات التطبيع مع الدول الخليجية لبحث سبل ضخ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السوق الإسرائيلية، وهو ما يتفق مع نوايا بعض الدول العربية في الاستثمار في التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات تحلية المياه، وصناعة الرقائق الإلكترونية، والدفاعات السيبرانية.

وستروج إسرائيل لصناعاتها الدفاعية التي يمكن أن يتم تنصيبها في الدول المحيطة دفاعًا عن أمنها القومي. وستدفع الحكومة إلى تقارب أكبر مع الصين على المستوى الاقتصادي، خاصة في مجال تطوير البنية التحتية مثل الموانئ، والسكك الحديدية، وبناء محطات كهرباء ومد كابلات بحرية. وقد يدفع البلدان إلى إتمام اتفاق تجارة حرة في حال فشل الضغط الأمريكي على الحكومة الجديدة برفض الاتفاق.

ستستغل الحكومة الإسرائيلية هذه الاستثمارات في: (1) رفع بند المنح والتعويضات المقدمة للمتضررين من أزمة كورونا في إسرائيل. (2) ترميم الفراغات التمويلية في الميزانية العامة خاصة تلك المخصصات المقدمة للجيش الإسرائيلي لتمويل خطة زخم. (3) تعظيم فرص استقلال التصنيع الدفاعي الإسرائيلي عن الولايات المتحدة في الجانب التمويلي، وليس الفني. (4) تطوير البنية التحتية الإسرائيلية من أجل رفع الاقتصاد إلى مستوى الدفع الذاتي. (5) ترميم مجال التطوير العقاري في إسرائيل الذي قد يوجه في بناء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية.

  1. دفع إقامة تحالف كونفدرالي ثلاثي بين إسرائيل، والأردن، والضفة الغربية: ستبحث إسرائيل تعزيز فرص التكامل الاقتصادي بين الأطراف الثلاثة خاصة في مجال الري، والزراعة. بخلاف أن التوجه سيقضي نسبيًا على الاثار السلبية لأزمة كورونا على فلسطينيي الضفة، إلا أنها ستوفر أيضًا فرصة لتعظيم الارتباط بين الأردن والضفة الغربية على المستوى الاستراتيجي؛ تمهيدًا للقضاء على حل الدولتين.

ثانيًا: الموقف من الانتخابات الفلسطينية

تواجه الحكومة الإسرائيلية الجديدة مسارين محتملين فيما يتعلق بموقفها من الانتخابات الفلسطينية:

  1. إما رفض إقامة الانتخابات الفلسطينية كليًا، وهذا قد يعرضها للتالي:
    1. تحفظ من الإدارة الأمريكية قد يتطور إلى الضغط على الحكومة لتسهيل إجراء الانتخابات.
    2. استياء إقليمي خاصة من الدول العربية التي وقعت على اتفاقات التطبيع مع إسرائيل مؤخرًا، وكذلك الحال مع مصر والأردن، مما يتسبب في إحباط مزيد من الاتفاقيات مع دول جديدة.
    3. فشل فرصة صعود خليفة جديدة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبالتالي يتم تحييد سيناريو الفوضى في الضفة الغربية بعد وفاة محمود عباس.
    4. تعاظم فرص اندلاع انتفاضة مسلحة في الضفة الغربية، وتعزيز أسهم رواية حركة حماس المشجعة على العنف المسلح، مما يؤزم الوضع الأمني في غزة بين إسرائيل وحماس.
  2. أو الموافقة مع إدارة مختلفة للمشهد، قد تكون عبر التالي:
    1. عدم إقامة مراكز اقتراع في القدس الشرقية، وغور الأردن مع السماح للمواطنين بالتصويت عبر البريد.
    2. شن مداهمات أمنية ضد قادة حركة حماس في الضفة الغربية.
    3. عرقلة سير المواطنين الفلسطينيين أثناء الذهاب إلى مراكز الاقتراع.

ثالثًا: الملف الإقليمي 

  1. يتبنى الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي نصب العداء واحتمالات المواجهة المسلحة مع إيران، يترافق معه اتساع ساحات الاحتكاك بين الطرفين في عدة أنحاء إقليمية تقع أغلبها شمالي إسرائيل. يزيد على ذلك اعتزام الولايات المتحدة انتهاج منهج جديد للتعامل مع إيران يعتمد على الوسائل التوافقية على حساب الوسائل الهجومية. 

وبالتالي قد يتطور الأمر إلى شن إسرائيل لعملية عسكرية ضد إيران أثناء سير المفاوضات الرسمية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو من شأنه أن يرفع درجة التصادم بين تل أبيب وواشنطن لأنه عمل سيحرج إدارة بايدن.

وهو ما يضع الحكومة الإسرائيلية الجديدة أمام حسابات قديمة نسبيًا ولكنها متجددة، تعتمد على متغير مهم وهو: “مدى الشرعية الإقليمية للسلوك الإسرائيلي تجاه إيران ووكلائها”. يتطلب ذلك أمرين اثنين: (1) تعزيز التقارب الخليجي الإسرائيلي من خلال تنسيق عالي المستوى بين إسرائيل والولايات المتحدة؛ قد يفضي ذلك إلى استمرار المباحثات من أجل عقد تحالف أمني دفاعي في مواجهة إيران يضمن أمن الخليج العربي والبحر الأحمر. (2) ضمان استمرار التنسيق الإسرائيلي مع روسيا لكبح الوجود الإيراني في سوريا.

  1. أما في شرق المتوسط، فتستعى الحكومة الإسرائيلية إلى إنجاح مشروع الربط الكهربي مع قبرص واليونان، الذي يرفع من درجة التصادم بين إسرائيل وتركيا، لذلك من المتوقع أن يستمر التصادم بين أنقرة وتل أبيب في حال بقاء نتنياهو وأردوغان في الحكم.
  2. أما الأردن، فستحتاج الحكومة الجديدة لترميم العلاقات المتدهورة بين إسرائيل مع جارتها الشرقية التي ترتبط جغرافيا بإقليم غور الأردن. تواجه العلاقة المشتركة بين البلدين أزمة هوية، إذ يرى الأردن الحكومة الإسرائيلية ذات الطابع اليميني مهددًا للأمن القومي الأردني. لذا ستحتاج إسرائيل إلى جهد مضاعف في حال فوز حكومة برئاسة نتنياهو لإعادة التقارب مع عمّان. يكمن الهدف في ترسيخ الارتباط الاقتصادي بين الأردن والضفة الغربية في مجال الزراعة والغذاء، وفي مجال الطاقة (الكهرباء والغاز). 

رابعًا: العلاقات مع الولايات المتحدة

ترتهن طبيعة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة على طبيعة الحكومة الحاكمة في إسرائيل، في حال فوز حكومة يمينية مطلقة فسيستمر توتر العلاقات وتصادم الطرفين في عدد من الملفات خاصة في مسألة الاتفاق النووي الإيراني، وقد يؤدي زيادة الارتباط بين إسرائيل وروسيا إلى توتر العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وكذلك الحال في مسالة التقارب الصيني-الإسرائيلي. وبالتالي ستستمر حكومة إسرائيل في توطيد العلاقات الخاصة بين البلدين في المجال العسكري عبر “البنتاجون”. 

وتصدرت محددات جديدة للعلاقات الإسرائيلية الامريكية، أهم هذه المحددات هو “هوية إسرائيل”، إذ ترى واشنطن أن ميل إسرائيل إلى اليمينية القومية-الدينية هو مهدد لأمنها، ومهدد لإسرائيل الديمقراطية في المنطقة. 

رغم ذلك، فإن مهمة الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستكون توسيع الحوار الاستراتيجي الإسرائيلي-الأمريكي، فالعلاقات مع الولايات المتحدة ركيزة من ركائز الأمن القومي لإسرائيل، وبالحد الذي تقلل فيه الولايات المتحدة من دورها في الشرق الأوسط، قد تتمتع إسرائيل بمجال أوسع للمناورة، وذلك عكس الرواية الإسرائيلية التي تدعي مصلحتها ببقاء الولايات المتحدة.

ختامًا، يمكن القول إن إسرائيل بدأت ترى أن مشروعها الإقليمي في المنطقة وخاصة في المسارات البحرية (في الخليج العربي، وفي البحر الأحمر، وفي شرق المتوسط) لم تتم ترجمته بعد إلى واقع سياسي أو أمني أو اقتصادي معاش، لذلك ستحرص على استغلال التوافق الأمريكي-الإيراني من خلال تعزيز فرص تشكيل تحالف أمني مع دول الخليج في الخليج العربي، أما في شرق المتوسط فترى أن الترتيبات المصرية لتوزيع الطاقة وأطرافها هناك يجب معالجتها بمزيد من التقارب مع قبرص واليونان بمشروع اقتصادي. أما في البحر الأحمر، فلا زالت تتحين إسرائيل اللحظة التي يمكن اندماجها في ترتيب اقتصادي، أو أمني، أو سياسي-مؤسسي.

بعبارات بسيطة، ستسعى الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى بناء توافقات في المنطقة العربية (خاصة مع الأردن والخليج)، هذا قد يعرضها إلى ضغوط سياسية في ملف القضية الفلسطينية في حال استغلته الدول العربية. قد تهرب منه إسرائيل عبر البحث عن اتفاقات تطبيع جديدة مع الدول الأفريقية.

Scroll Up