مثَّل حصد حكومة الوحدة الوطنية لثقة مجلس النواب (10مارس الجاري) بداية تحول فارق في مسار الأزمة الليبية، بعد أن عايشت خلال الأعوام العشرة الماضية فصلًا مضطربًا في تاريخ البلاد. وتجلى أول ملامح هذا التحول والاختراق برأب صدع البيت التشريعي واجتماعه في جلسات مُكتملة النصاب، بالإضافة إلى منح النواب الوزارة المُقترحة ثقتهم، والتي لم تحصدها حكومة الوفاق رغم تصدرها المشهد السياسي لأكثر من 5أعوام.

وعزز هذا الإنجاز فُرصة كسر حلقة “فقدان الثقة” التي كبدت الليبيين سنوات من الحروب والانقسام، وعكست رغبة السلطة التنفيذية الجديدة في استثمار حالة التوافق حولها لتجاوز إشكالية الثقة على اختلاف صورها بالمشهد الليبي، وتوظيفها لتمهيد الطريق نحو إنجاز المهام الموكلة إليها خلال الفترة الانتقالية. 

أوجه متعددة

تعددت أوجه إشكالية الثقة في ليبيا، وقاد فقدانها إلى تصاعد الاستقطاب السياسي واشتعال مواجهات مسلحة، بنمط قوض فُرص تسوية الأزمة على مدار العِقد الماضي، فهناك الثقة المفقودة بين المكونات الاجتماعية والفرقاء السياسيين، سواء المتنافسين أو المتحالفين بمعسكر واحد. بجانب الثقة المنقوصة في رؤية وتحركات الأطراف الخارجية المنخرطة بالصراع، بالإضافة للثقة المحجوبة عن الأجسام السياسية التي استحوذت على السلطة لسنوات طويلة. فضلًا عن الثقة المتضررة بين المواطن والهياكل التنفيذية، ويمكن تناول صور أزمة الثقة بالمشهد الليبي كما يلي:

  1. فقدان الثقة بين الفرقاء: قادت سياسات القذافي لتأليب القبائل وتوظيفها للتصدي لحراك 2011، ومساعي بعض الأطراف لاحتكار النفوذ والهيمنة على مفاصل الدولة فيما بعد، لتعزيز الشك وعدم اليقين بين الفرقاء الليبيين. وترسخ ذلك مع رفض المؤتمر الوطني نتيجة الانتخابات التشريعية (2014)، ثم إطلاق عمليتي “فجر ليبيا” و”الكرامة”، والإشكاليات التي دارت حول تسليم السلطة لحكومة الوفاق بعد الاتفاق السياسي (2015). وبذلك، بلغ الاستقطاب ذروته ما أدى لتصاعد أزمة الثقة بين الليبيين شرقًا وغربًا، وأصبح التعاطي بين القوى المُختلفة قائمًا على هذا الأساس، ما زاد من تعقيد الأزمة وأنتج دورات صراعية متوالية، وعطل محاولات فض الاشتباك والتسوية السياسية لسنوات.
  2. الثقة غير التامة داخل المعسكر الواحد: تسربت أزمة الثقة للمجموعات المنضوية بالمعسكر الواحد؛ لتخوفهم من تغول أي منهم على الآخر، وهو مشهد تجلى في إحالة السراج وزير داخليته للتحقيق (أغسطس2020)، واستحداثه كيانات أمنية كـ “جهاز دعم الاستقرار” (يناير2021)، ونقل تبعية أخرى كـ “جهاز الردع” (ديسمبر2020). بالإضافة إلى تجميد عوائد النفط بحسابات المؤسسة الوطنية بالخارج، وعدم تحويلها للمصرف المركزي (أغسطس2020). ما عكس فقدان الثقة بين قوى الغرب الليبي، وتصاعد الصراع على النفوذ بالعاصمة، واستعار المواجهات السياسية بين المسؤولين المنضوين برئاسة ومؤسسات حكومة الوفاق، رغم عمل هذه الأطراف داخل الجبهة ذاتها إبان معركة طرابلس (إبريل2019).
  3. غياب الثقة بالخارج: أضفت التدخلات الخارجية مزيدًا من التعقيد على الأزمة، وبتعاقب الأنشطة الدولية الرامية لتدعيم سلطة القوى المُتحالفة معها، أصبح هناك قناعة بأن الأطراف الخارجية غير جديرة بالثقة. وانعكس ذلك برفض أغلب المبعوثين الأمميين واعتبارهم تجاوزوا حدود مهامهم، أو يمارسون وظيفتهم بنمط غير محايد. 

وتضاعف رفض الدور التركي المنتهك لسيادة البلاد، والمستنزف لثرواتها لصالح اقتصاد أنقرة المتراجع، بالإضافة إلى موقف الداخل من استجلاب المرتزقة وما اقترن به من وصمة معاونة عودة الاستعمار. ما دفع عديدًا من المكونات الليبية لتبني موقفًا مضادًا لأنشطة ومبادرات الأطراف الدولية، ما أضاف لإشكالية الثقة الليبية بُعدًا جديدًا فوت فرصة حلحلة المشهد الصراعي بكثير من الأوقات.

  1. الثقة المحجوبة عن الأجسام السياسية: اتخذت إشكالية الثقة في ليبيا نمطًا غاية بالخطورة، إذ بات حجب الثقة عن الأجسام السياسية مهددًا لشرعية أعمال السلطة، وقد مثَّل حجب الثقة عن حكومة الوفاق -المنبثقة عن اتفاق الصخيرات (2015)- مشهدًا مُركبًا، فرغم رفض نواب البرلمان منحها الثقة، إلا أن المجتمع الدولي منحها دعمًا واعترافًا تولت بموجبة السلطة لأكثر من مدة ولايتها القانونية. وهو ما رسخ حالة الانقسام المؤسسي بليبيا، لاسيما بمنح البرلمان ثقته لحكومة “الثني” المؤقتة، وأصبحت الدولة تديرها حكومتين تستند كلاهما على شرعية غير مُكتملة.
  2. الثقة المتضررة بين هياكل السلطة والمواطنين: تفاقمت أزمة الثقة بين الليبيون وهياكل السلطة بشكل حاد؛ لتصاعد الاستقطاب وانشغال النخب السياسية بالتنافس والتصارع، ما ارتد بشكل سلبي على الوضع الاقتصادي والأمني والإنساني. وصارت الثقة المتضررة محفزًا للبحث عن وسيلة لتجاوز تلك الهياكل العاجزة. 

وقد أظهرت حركة الاحتجاجات المتزامنة بالأقاليم الليبية، في العام 2020، العلاقة المضطربة بين السلطة والمواطنين، ففي المنطقة الغربية تصاعد حراك “23أغسطس”، وشرقًا خرجت تظاهرات “11سبتمبر”، وبالجنوب كان حراك “ثورة الفقراء”، ما عكس انعدام ثقة قطاع واسع من الليبيين بجدوى استمرار السلطات المتنازعة، واقتناعهم أن استبدالها هو السبيل للخروج من حالة التعثر المتجددة.

نحو تعزيز الثقة بالسلطة الوليدة

أدركت السلطة الجديدة أن مهمتها الانتقالية محاطة بجُملة من التحديات، ولكنها في جوهرها الحقيقي ترتبط بأزمة الثقة المتضررة، وما اتصل بها من انقسام سياسي وتشريعي ومناطقي، لذا غلبت على تحركات المجلس الرئاسي والحكومة المنتخبين اتجاه لإعادة ترميم منظومة الثقة الليبية؛ بوصفها المحور الأكثر قابليةً للتعافي والإصلاح بشكل تراكمي، لاسيما في ظل الحالة التوافقية التي أتاحت الفرصة لإنتاج السلطة التنفيذية الموحدة، والتي ستمكنها فيما بعد من بلوغ هدفها. وهو ما يفسر مساعي الدبيبة والمنفى لحصد مزيد من الثقة الداخلية والخارجية، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي:

  1. تحصيل ثقة لجنة الحوار السياسي: تمكنت قائمة “المنفي-الدبيبة” من إقناع شريحة متنوعة من أعضاء الحوار السياسي برؤيتهم لإدارة المرحلة الانتقالية، رغم ذهاب أغلب التقديرات الى ترجيح حظوظ قائمة “صالح-باشاغا” لحسم تلك الثقة لصالحها، وهو ما يعطى دلالات حول بحث المشاركين عن أطراف جديدة لمنحهم الدعم لإدارة المشهد الليبي بدرجة أكثر ثقةً وتوافقًا تجاوزت تلك المتاحة للنخب المتصدرة للمجال العام الليبي بالفترات السابقة. وكان لافتًا حصد القائمة الفائزة ثقة وأصوات أعضاء محسوبين بشكل واضح على مناطق وتيارات متنافسة، وبذلك فالخطوة الأولى نحو السلطة شهدت تحصيل ثقة هامة ومعتبرة، مهدت الطريق لصعود هياكل سياسية جديدة للحكم. 
  2. نيل ثقة السلطة التشريعية: كانت ثقة البرلمان أيضًا من أهم المحطات التي عبرت بها وزارة الدبيبة، إذ عكست رغبة السلطة المنتخبة باكتساب شرعيتها عبر مجلس النواب، لضمانة تلافي الطعون المستقبلية، وهو ما أنطوى على قدرة الأجسام الجديدة على تحريك الركود السياسي الراهن. وأضاف ذلك لرصيد الحكومة الجديدة بشكل واضح، بعد أن نالت ثقة المجلس في ظل التخوف الواضح من تداعيات تعثر تلك الخطوة، ونجح الدبيبة في توضيح رسائل واضحة عززت من ثقة النواب في نواياه، لا سيما بدعوته لاستمرار المجلس ملتئمًا لمشاركة وزارته في مهام المرحلة الانتقالية، وأن القضايا العالقة، كالاتفاقيات مع تركيا والتشريعات الانتقالية، سيتم التعامل معها بشكل مشترك يحترم الأُسس القانونية والدستورية النافذة بشأنها.
  3. استعادة ثقة المواطن بالسلطة: يُظهر رئيسا الحكومة والمجلس الرئاسي تركيزًا على استعادة ثقة الليبيين بهياكل السلطة، لذا يوجها جهودًا مكثفة لتحسين البيئة الأمنية والاقتصادية والخدمات التي تضررت على مدار العقد الصراعي الماضي، ووضعت حكومة الدبيبة مجموعة من الأولويات للعمل عليها في صدارتها استعادة كفاءة شبكة الكهرباء، وتحسين الوضع الصحي المتدهور في ظل أزمة كورونا، مع إعطاء أهمية خاصة لتوحيد المؤسسات العامة بالشكل الذي يضمن ضبط إيقاع العمل الحكومي، ومكافحة الفساد ومظاهر الخروج على القانون. وهي خطوات نالت -رغم عدم وضوح نتائجها بشكل ملموس حتى الآن- رضاء المواطنون الذين عانوا من ويلات الاقتتال، وتضرروا بفعل الانقسام الذي انتهت وقائعه ببروز السلطة الجديدة.
  4. جني ثقة الفواعل الداخليين: تعي السلطة الموحدة أهمية بناء جسور الثقة مع الأطراف الليبية على اختلاف اتجاهاتهم وخلفياتهم، واتضح ذلك بزيارة المناطق الليبية الثلاثة عقب انتخابها، وتجنب إثارة القضايا الخلافية كمقر ممارسة مهام السلطة أو تسمية وزير الدفاع. وكذا عكس تعديل تشكيل الحكومة مرونة الدبيبة وحرصه على ثقة التقارب مع القوى السياسية والاجتماعية المختلفة. وتظل ثقة الفواعل الداخليون من أهم محددات عمل السلطة الجديدة؛ كونها الضامن لاستمرار التهدئة وعدم تعطيل مسار عملها، بالإضافة لحفظ موقعها كنقطة اتزان بين مكونات متعددة تنافست وتحاربت فيما مضى، ويمكن أن تدفع أي منها نحو اشعال مواجهات تقوض كافة التفاهمات المنجزة.
  5. حصد ثقة الأطراف الدولية: سعت تحركات المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة لحصد ثقة الأطراف الدولية المنخرطة بالأزمة، وهو ما تجلى في التأكيد المتواصل على الالتزام بأهداف المرحلة الانتقالية وجدولها الزمني، بالإضافة للزيارات الخارجية لمصر وفرنسا، والتصريحات التي وجهها رئيس الوزراء لتركيا عبر وكالة أنبائها الرسمية. وتمكنت السلطة الجديدة من وضع سياساتها على الحياد، وهو الأمر الذي جعلها تحظى بدعم كافة الأطراف الأممية والدولية، ومهد لتصبح فاعلًا يثق الجميع في قابلية التعاون معه لإنهاء الصراع، وهي اختراق مهم لإشكالية الثقة في شقها المتعلق بالإنحياز الذي تورطت فيه حكومة الوفاق وأفقدها فاعليتها، ما يعزز من فُرصها للعبور بالدولة الليبية بعيدًا عن أمواج التنافس الدولي والإقليمي.

في النهاية، يمكن القول إن أوجه أزمة “الثقة” الليبية اتخذت أنماطًا متنوعةً، قادت في مُجملها لتعطيل مسارات وجهود التسوية السياسية، وأتاحت المجال لإنتاج دورات صراعية مُتعاقبة أضرت الترابط المجتمعي بشكل خطير، وما زالت تداعيات عدم اليقين وانعدام الثقة باتجاهات الأطراف الداخلية والخارجية تحدٍ قائم ينذر بخطر سقوط التفاهمات التي تم صياغتها بعد جولات ميدانية وتعثر سياسي دام أكثر من عشر سنوات. 

وفي الوقت الراهن، يبدو أن تجاوز حكومة “عبد الحميد الدبيبة” لإشكالية حجب الثقة عن الأجسام السياسية أنقذ البلاد من الانزلاق نحو إعادة إنتاج “سلطة مدعومة دوليًا دون ثقة دستورية”، في مشهد أعاد لليبيين الأمل في إيجاد مساحة لتغليب الرؤية الوطنية للكيان الموحد عما سواه، وهو ما يمهد للسلطة الجديدة فرصة استثمار الثقة التي نالتها -برلمانيًا وشعبيًا- لتجاوز إشكالية الثقة المأزومة بين الفرقاء، وترميم ثقة المواطن الليبي بهياكل السلطة.

Scroll Up