عرض – هبة شكري

نشر معهد أبحاث السياسة الخارجية بتركيا تقريرًا تحت عنوان “الهيكل المؤسسي لتركيا الجديدة“، تناول الهيكل المؤسسي لتركيا وسلط الضوء على تفاصيل التحول للنظام الرئاسي وطبيعة التفاعلات والمتغيرات التي شهدتها تركيا في ظل تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الحكومة ثم رئاسة الدولة. وفيما يلي عرض لما ورد بالتقرير:

في كتاب مرجعي نشره معهد الحوكمة العامة في تركيا والشرق الأوسط بعنوان “الدليل المؤسسي للجمهورية التركية” الضوء على السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في تركيا، بالإضافة إلى المؤسسات التركية مثل الرئاسة والبرلمان ورئاسة الوزراء والمجالس العليا. وتضمن الكتاب تفصيلًا لكل ما يخص تلك المؤسسات، مثل شعار المؤسسة والمسمى الرسمي إلى جانب اختصاصاتها وميزانياتها وقياداتها الحالية. فضلًا عن المؤسسات المحايدة والمستقلة مثل المجلس الأعلى للانتخابات والبنك المركزي والهياكل الإدارية المحلية، المحافظات والبلديات ومؤسسات الرقابة، إضافة إلى الشركات الحكومية الهادفة للربح والمنظمات المهنية المصنفة كمؤسسات حكومية.

وقد تم إطلاق الكتاب ليكون على غرار دليل حكومة الولايات المتحدة، وبالعودة إلى الخلف، فقد شهدت تركيا على مدار العقود الماضية انقلابًا عسكريًا في كل عقد تقريبًا منذ أول انتخابات حرة لها في عام 1950. ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما انخرطت تركيا في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كان الجيش يلوح في الأفق على الساحة السياسية. ومع ذلك، فإن الديمقراطية الدستورية الواردة في الكتاب تعبر عن طموح أكثر من 150 عامًا من السياسات البرلمانية التي تمتد إلى الإمبراطورية العثمانية. وفي هذا الإطار، يستهدف تطبيع الخطاب السياسي في تركيا لتشبه الديمقراطيات الأوروبية الغربية، وهو ما من المفترض أن يترتب عليه التقليل من تأثير الجيش، وإفساح المجال للحرية الفردية. 

لكن بعد مرور ست سنوات على نشره، أصبح هذا الكتاب عديم الفائدة. إذ تم إغلاق “معهد الحوكمة العامة في تركيا والشرق الأوسط”، وتم نقل أعمال متابعة مؤسسات الدولة إلى “مكتب التحول الرقمي للرئاسة. أما الدليل التركي الجديد فهو مجرد قائمة رقمية، تضم أرقام الهواتف ومعلومات الاتصال لكل مؤسسة.  ويعد الأقرب إلى صورة نظام الحكم اليوم الذي أقرته حكومة أردوغان مع دخول تركيا في “النظام التنفيذي الرئاسي” في عام 2018. وهو يعد مخططًا لمؤسسة للرئاسة، وليس الحكومة كلها، ويسهم في توضيح نظام الحكم في البلاد. 

ووفقًا للمخطط، فمؤسسة الرئاسة التركية تمثل الشمس التي تدور حولها جميع مؤسسات الدولة، حيث تشكل الوزارات والمجالس والمكاتب التنفيذية المدارات الداخلية، ولا يشكل القضاء والسلطة التشريعية سوى مدارات خارجية. فضلًا عن ذلك، فالدستور يعد الآن مجرد تخطيطي تنظيمي، وليس مصدر شرعية.

وبشكل عام، فهناك نقاش حول طبيعة سيادة الدولة، وفي هذا السياق، يسلط التقرير الضوء على التغيير الذي أصاب مؤسسة الرئاسة، وكيفية اكتسابها صبغة سياسية جديدة. وبالنظر إلى السياسة التركية في الماضي، يتضح أن الخيار الذي كان يتجه إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرارًا وتكرارًا طوال حياته السياسية هو تفضيل المجال السياسي على جميع المجالات الأخرى. لكن الآن، فقد أصبحت السياسة التركية تدور حول الأصدقاء والأعداء فقط. إضافة إلى ذلك، فلم تعد كلمة “إرهابي” تصف الجماعات المسلحة فحسب، بل أصبحت تصف الطلاب المتظاهرين أو الصحفيين أو السياسيين المعارضين. 

لذا، فإن الطريقة التي تجلت بها هذه الديناميكية داخل تركيا تكمن في الرغبة في “تطبيع الدولة” بعيدًا عن ماضيها الحديث، وبعيدًا عن اعتقاد القوميين الأتراك بأن هناك وصاية للإمبريالية الغربية على تركيا لتصبح قوة جيوسياسية.

لذلك فإن “حالة الطوارئ” التي تعيشها تركيا، والتي تشكل محركًا لتحولها المؤسسي الهائل، أصبحت أكثر حدة مع محاولة الانقلاب عام2016، والتي تعتقد حكومة أردوغان، إلى جانب غالبية الأتراك، أنها كانت محاولة تدخل من قبل الولايات المتحدة. ففي أعقاب ذلك، قامت الحكومة التركية بإقرار النظام الرئاسي، والذي كان في البداية فكرة لا تحظى بشعبية كبيرة.

كما تم التوسع في القسم الثاني من التقرير، فتضمن الكواكب المؤسسية التي تدور حول شمس الرئيس بطريقة غير منظمة، فالنظام الشمسي لمؤسسات “تركيا الجديدة” مكان غادر ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيه. حيث إن الوزارات وقوات الشرطة والسلطات التنظيمية وشركات البناء بالإضافة إلى المؤسسات المالية والجامعات تنمو وتتقلص بسرعة، وتدور في تشكيلات غريبة، أو تصطدم ببعضها البعض. وغالبًا ما ترتبط الشبكات ارتباطًا وثيقًا بالأوامر الدينية والفصائل السياسية وشبكات الجريمة المنظمة أو شبكات مسقط الرأس الإقليمية، والتي لا يفترض رسميًا أن يكون منها جزء من الحكومة. وفيما يخص الإطار الدستوري، يتم الحكم من خلال الشبكات داخل تركيا، ويرتكز بشكل أساسي على السلطة السياسية للرئيس، وليس على الحق القانوني له.

الطريق إلى الرئاسة

النظام الحالي، مثل أي نظام آخر، نشأ من ظروف سلفه، لذلك فهناك حاجة إلى إلقاء نظرة على السنوات الأخيرة من النظام البرلماني في تركيا وسلسلة الأحداث التي أدت إلى إقرار النظام الرئاسي تحت قيادة أردوغان.

 ففي حين أن رئاسة “تركيا القديمة” لم تكن منصبًا شرفيًا، إلا أنها لم تكن منصبًا تنفيذيًا أيضًا، إذ تم وضع هذا النظام في دستور ما بعد الانقلاب لعام 1980 ليشغلها شخصية تمثل أولويات النخبة الكمالية التي يقودها الجيش. وقام الرؤساء بتعيين كبار القضاة والجنرالات وغيرهم من الشخصيات الهامة مثل عمداء المجتمعات، وكان لديهم حق النقض (الفيتو) الناعم على التشريعات، لكنهم لم يترأسوا مجلس الوزراء. وغالبًا ما كان رؤساء الوزراء شخصيات في منتصف العمر ولديهم القدرة على الانغماس في مهام الحكم اليومية. وعلى الصعيد الآخر، كان الرؤساء عادة أكبر سنًا وكانوا مهتمين بالتعيينات والقضايا التشريعية الواسعة التي تحدد مسار الدولة على المدى المتوسط والطويل. وكانوا يؤدون اليمين الدستوري الذي يلزمهم بأن يكونوا غير منحازين في سلوكهم.

 في عام 2007، كان من المقرر أن تنتهي رئاسة أحمد نجدت سيزر، ووفقًا للدستور التركي وقتها، كان يحتاج المرشح للمنصب الحصول على أغلبية الثلثين (367 صوتًا) في أول جولتين من التصويت البرلماني أو على أغلبية بسيطة (251 صوتًا) في جولتين إضافيتين. وكان حزب العدالة والتنمية وقتها هو الحزب صاحب الأغلبية (354 مقعدًا في البرلمان المؤلف من 550 مقعدًا)، وكان لدى حزب الشعب الجمهوري جميع المقاعد المتبقية، وتم ترشيح “عبد الله جول”، الذي كان أحد كبار القادة المؤسسين الثلاثة لحزب العدالة والتنمية جنبًا إلى جنب مع بولنت أرينش ورجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى ترشيح وزير الخارجية في ذلك الوقت. ولأول مرة في تاريخ الجمهورية، تم وضع شخص من خلفية إسلامية، ترتدي زوجته الحجاب، في أعلى منصب في البلاد.

في الوقت ذاته، عملت المعارضة والقضاء والجيش معًا لعرقلة انتخاب جول. فبعد التصويت الأولي في البرلمان، أحالت المعارضة الأمر إلى المحكمة العليا، التي قضت بأن النصاب القانوني هو 367 لإجراء التصويت في المقام الأول. كما نظمت المعارضة احتجاجات حاشدة عبر المدن الكبرى مطالبة بحماية الطابع العلماني للبلاد. ولربما كان الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الرسالة التي نشرها الجيش على موقعه على الإنترنت، مهددًا بالتدخل في السياسة لحماية ما يعتبره تهديدًا للنظام العلماني. ولا زالت الواقعة تُذكر باسم “الانقلاب الإلكتروني”.

على الرغم من تأثير الاحتجاجات، إلا أنها وضعت هذه الحكومة في طريق مسدود، مما أجبر البلاد على إجراء انتخابات مبكرة. وفي الحملة التي تلت ذلك، طرح حزب العدالة والتنمية قضيته مباشرة على الشعب، بحجة أن المؤسسة العسكرية كانت تقاوم التغيير، وأنها كانت تنحرف عن قواعد الجمهورية للتشبث بالسلطة. 

ونجحت الحملة في تحقيق نجاحًا باهرًا. وتمكن حزب العدالة والتنمية فمن تعزيز حصته في التصويت الشعبي من 34.28٪ إلى 46.58٪. ونجحت الحركة القومية التركية في دخول البرلمان. وقد ترتب على ذلك أن النصاب القانوني سيتم في التصويت الرئاسي، مما يسمح لحزب العدالة والتنمية بانتخاب عبد الله جول لرئاسة الجمهورية باستخدام الأغلبية الجديدة. بالتزامن مع ذلك، قامت حكومة حزب العدالة والتنمية بإجراء استفتاء للتعديل الدستوري لجميع الرؤساء اللاحقين ليتم انتخابهم عن طريق التصويت الشعبي، وافق عليه 68.95 في المائة من الأصوات. وقد أسفر كل ذلك عن تحول حزب العدالة والتنمية من تعددية قوية إلى صوت الأغلبية بحلول عام 2007.

ربما لم يكن الأمر واضحًا آنذاك، لكن وضع الرئيس قد تغير إلى الأبد. فكان السياسيون اليمينيون والشعبويون، مثل تورغوت أوزال وسليمان ديميريل، قد خدموا في المنصب من قبل، لكن ليس إرغامًا على الجيش، وفي الوقت ذاته، فلم يحرمهم حزب العدالة والتنمية من المنصب فحسب، بل حرص على عدم تمكنهم من الوصول إليه مرة أخرى. ومنذئذ، كان عبد الله جول هو آخر رئيس يتم انتخابه عن طريق تصويت برلماني، وأصبح العدالة والتنمية حائزًا على أغلبية أصوات الناخبين، وسيطر على حيز الرئاسة التي اعتبرها تابعة للحزب.

منذ انتخاب عبد الله جول عام 2014، كانت علاقته بالسياسة هي عبارة عن علاقته بأردوغان. فبعد تصاعد التوتر بينهما، لم يعد أردوغان يتشاور مع جول في الأمور المتعلقة بالحزب، بل ووصل الأمر إلى عدم التشاور فيما يخص قوائم مرشحي البرلمان قبل الانتخابات. فضلًا عن ذلك، ففي المناسبات العامة حيث كان من المقرر أن يحضر كلا الزعيمين، فكان غالبًا ما يتأخر أردوغان، بينما يحب جول أن يكون دقيقًا. وكان من المحرج أن يُنظر إلى الرئيس على أنه ينتظر رئيس الوزراء، لذلك كان على موظفي جول تحديد تغير المواعيد بحيث تتوافق مع قدوم أردوغان في أي حدث. وقد كان ذلك مزعجًا للرئيس. بالإضافة إلى ذلك.

امتد التوتر إلى الأحداث العامة أيضًا، ففي 10 مايو 2014، كان أردوغان وجول يجلسان بجانب بعضهما البعض في مجلس الدولة، يستمعان إلى خطاب رئيس نقابة المحامين التركية متين فيزي أوغلو والذي قام بدوره بتوجيه انتقادات للحكومة، أسفرت عن فقد أردوغان أعصابه وصراخه بشكل مبالغ فيه. مثل تلك المواقف أوضحت كيف أن أردوغان لم يعتبر نفسه ملزمًا بالتسلسل الهرمي المنصوص عليه في الدستور، حيث كان يعتقد أنه يمثل إرادة الشعب ويستحق منصبًا فريدًا. ووقتها كان أتباعه يصفونه بأنه “الزعيم” أو “الرئيس”. لكن الرئاسة بصورتها في ذلك الوقت لن تكن منصبًا يتوق إليه أردوغان. إذ كان للرؤساء سلطة تشكيل الدولة على المدى الطويل، خاصة القضاء والجيش، بينما كان رؤساء الوزراء يرأسون مجلس الوزراء، والمجلس التشريعي. ومثل أي نظام برلماني، تم تصميم نظام الجمهورية التركية بصورة تمنع ظهور أي شخص كحاكم للدولة بلا منازع.

لكن بدءًا من أوائل عام 2010، طرح أردوغان فكرة “النظام الرئاسي المعزز”. فعلى الرغم من أن أردوغان كان يتمتع بشعبية كما كان دائمًا، إلا أن الفكرة أثارت القلق، حيث بدا المفهوم غريبًا، وظهر ليحمل نفحة من النظام الفيدرالي الأمريكي، ودفع البعض لربطه بدكتاتورية “الرجل الواحد”، مما أوحى بالعودة إلى سنوات تأسيس الجمهورية. ووفقًا لاستطلاعات الرأي في عامي 2011 و2013، فإن 17 % فقط من الأتراك فضلوا النظام الرئاسي، وحتى داخل حزبه، واجه أردوغان صعوبة في إبقاء الفكرة على جدول الأعمال. 

وبحلول أغسطس 2014، بانتهاء ولاية الرئيس جول، كان أردوغان رئيسًا للوزراء لما يقرب من 12 عامًا ولم يخف رغبته في أن يصبح الرئيس القادم، سواء تم انتخابه أم لا. وأعلن أنه نظرًا لأنه سيصبح أول رئيس منتخب في تاريخ الجمهوريين، فإنه سيتجاهل سياسة الحياد وسيعمل على التأثير في السياسة التركية. وفي خطاب برلماني في يوليو من العام ذاته، صرح أردوغان بأن أسلافه جميعًا كانوا يتبنون آراءً سياسية خاطئة تتداخل مع سياسة الدولة، وليس مع سياسة الشعب.

 وواقعيًا، فلم يكن تخليه عن سياسة الحياد إلا بغرض التغطية على هدم الإرادة الديمقراطية للدولة. واستمر في ترديد أنه لن يكون محايدًا حال انتخابه بل سيكون رئيسًا إلى جانب الشعب، فهذا هو ما تحتاجه تركيا. والحقيقة أن نظام الحياد قد ساهم بالفعل في تعزيز سلطة حزب العدالة والتنمية في الوقت الذي كان مرفوضًا فيه من قبل المؤسسة العسكرية. لذا فقد عمل على ضمان ألا يحصل طرف آخر على الفرصة ذاتها. 

وفي 2014، فاز أردوغان في الانتخابات الرئاسية بسهولة، واستقال من منصبه كرئيس لحزب العدالة والتنمية، وصعد إلى ما كان يُرى على المستوى الرسمي منصبًا فوق السياسة. وخلف وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو أردوغان في رئاسة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الوزراء. وكان أوغلو، سياسيًا قديرًا، لكنه كان يفتقر إلى قاعدة الدعم الخاصة به داخل الحزب ولم يكن يمثل تهديدًا لنفوذ أردوغان المستمر، لكنه كان مهيأ ليصبح امتدادًا لأردوغان، وليس خليفته. 

وبشكل عام، حكم أردوغان بالطريقة التي أعلن عنها في السابق، حيث استخدم نفوذه غير الرسمي على حزبه السابق لمواصلة السيطرة على الفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومة. وشهدت تركيا خلال تلك الفترة انتهاكات دستورية كبيرة. في وقت لاحق، ظهرت سمات “تركيا الجديدة” التي تفوق فيها المجال السياسي على المجال القانوني لأول مرة. لكن الانتقال لم يكن سلسًا على الإطلاق، ولاقى انتقادات حادة من المعارضة التركية.

آنذاك، كان من الواضح عدم ارتياح أردوغان للوضع، حيث ظهرت رغبته في دمج مكتب الرئيس ورئيس الوزراء، لكن فكرة “الرئاسة المعززة” ظلت مرفوضة شعبيًا. وعجزت الحكومة عن تحويل الرأي العام لصالحها. ومع اقتراب البلاد من الانتخابات في يونيو 2015، كافح حزب العدالة والتنمية برأسيه “أوغلو” و”أردوغان”، واستمرا في حملاتهما. وفي الوقت نفسه، كانت المعارضة تكتسب زخما. على وجه الخصوص، حزب الشعب الديمقراطي، الذي شكل تجسيدًا للحركة الكردية أحدث تغييرًا في المشهد السياسي.

لقد ولد حزب الشعب الديمقراطي في احتجاجات جيزي عام 2013، وهي حركة احتجاجية اندلعت في أرجاء الدولة ضد حزب العدالة والتنمية، وتم تشكيل الحزب ليكون شيئًا شبيهًا بالحزب الأخضر الأوروبي. ونجح في التواصل مع طبقة ليبرالية شابة متعلمة جيدًا في المدن الكبرى ودمجه مع قاعدته الكردية التقليدية في الجنوب الشرقي. 

واعتبرت الحركة الكردية كجناح سياسي لحزب العمال الكردستاني، الذي تم خلقه لتقويض وحدة تركيا. لكن عملت القيادة الكاريزمية لحزب الشعوب الديمقراطي بقوة للتغلب على تلك الصورة. وكان رئيسها صلاح الدين دميرطاش، السياسي الأكثر موهبة بعد أردوغان، حيث قطع مقاومة وسائل الإعلام التركية السائدة بذكاء حاد، وطرح البعض وقتها فكرة أن حكومة أردوغان قد تدخل في تحالف ضمني مع حزب الشعب الديمقراطي. 

بيد أن حملة دميرطاش ركزت على أضعف نقطة للحكومة بلا هوادة، وهي التعدي اليومي على الدستور على أعلى مستوى في الحكومة. ودعا داود أوغلو، الذي كان يقود قائمة حزب العدالة والتنمية رسميًا بـ “رئيس الوزراء المتدرب، واختار مخاطبة الرئيس أردوغان، الذي كان القوة الحقيقية وراء حزب العدالة والتنمية مباشرة. وقد شكل ذلك عاملًا أساسيًا في جاذبية دميرطاش حيث بدت الصورة لزعيم يساري وزعيم أقلية عرقية ولغوية، وعلى الجانب الآخر، أردوغان، زعيم الأغلبية الدينية والثقافية، على قدم المساواة.

وقد صرح دميرطاش مرارًا أنه لن يسمح لأردوغان بأن يكون رئيسًا، وعمل على عزل أردوغان، وتحويل خطابه القومي ضده، ولربما كان دميرطاش يسعى للتوصل إلى صفقة مع الحكومة، لكنه أراد تعظيم أداء حزبه في صناديق الاقتراع والتفاوض من موقع قوة. 

في انتخابات 2015، خسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية الحاكمة في البرلمان لأول مرة منذ عام 2002، في ذلك الصيف، انهارت عملية السلام، واستؤنفت الحرب بين الدولة والحركة الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني، واندلعت احتجاجات حاشدة في المحافظات الجنوبية الشرقية، ونشرت الدولة وحدات عسكرية كثيفة دمرت بلدات بأكملها. ومع انهيار المحادثات في البرلمان، كان من المقرر إجراء انتخابات ثانية في الأول من نوفمبر. 

ونجح حزب العدالة والتنمية في الحصول على الأغلبية البرلمانية مرة أخرى بنسبة 49.5 في المائة، وهي أعلى نسبة من الأصوات حتى ذلك الحين. سواء كانت دستورية أم لا، فقد أصبح من الواضح أن أردوغان بحاجة إلى انتهاك قسمه والقيام بحملة نشطة من أجل بقاء “تركيا الجديدة”. ففي الأشهر الأولى من عام 2016، تصاعد الضغط على رئيس الوزراء داود أوغلو، بعدما ساد الاعتقاد بفشله في انتخابات يونيو 2015، والأخطر من ذلك، كان تزايد الشائعات بأنه كان يحاول أخذ زمام الأمور من أردوغان. وفي أبريل 2016، سربت دوائر مقربة من عائلة أردوغان معلومات حول نقاط الخلاف بينه وبين أوغلو. وبحلول شهر مايو، استقال أوغلو، وقام أردوغان بتنصيب بن علي يلدرم، ولم يعد هناك خلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء، لكن الانتهاكات الدستورية استمرت، حتى جاءت محاولة الانقلاب في 15 يونيو 2016 لتٌغيّر المعادلة. 

في أعقاب ذلك، ظهرت منظمة أتباع فتح الله غولن بشكل كبير في المشهد، وهي منظمة تسللت إلى مؤسسات الدولة لعقود، وهي مدعومة من قبل الولايات المتحدة. وهو ما دفع أردوغان للإعلان عن حالة الطوارئ وأن الدولة التركية قد دخلت مرحلة جديدة في صراعها الوجودي ضد القوى الغربية. وفي ذلك الوقت، تلاشت كل المناقشات حول النظام الرئاسي، حيث أصبحت الدولة تركز على التحركات اليومية لتطهير شبكة غولن. وبالتأكيد، منحت بيئة ما بعد الانقلاب لأردوغان سلطة سياسية غير مسبوقة، وربما كان يميل إلى الدعوة إلى استفتاء على النظام الرئاسي في ذلك العام، لكنه اختار الانتظار، وإعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل أعمق.

من الجدير بالملاحظة في تلك الفترة، أن القوميين الأتراك في البرلمان كانوا أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى. ففي انتخابات عام 2015، تراجعت مقاعد حزب الحركة القومية في البرلمان إلى أقل من مقاعد حزب الشعب الديمقراطي، وكان هذا الوضع مهينًا وأثار تحديًا داخليًا ضد زعيم الحزب دولت بهجلي، زمن ثم سعى متمردو حزب الحركة القومية إلى عقد مؤتمرات غير عادية للحزب للتصويت لقائد جديد، وبينما كافح بهجلي لمطالبهم في المحكمة، بدأ في تقديم رحلات منتظمة إلى القصر الرئاسي، وبدا أن هذا هو الأساس لتحالف بين الإسلاميين والقادة الأتراك. 

وقتها كان من المرجح أن يتبع بهجلي المزيد من الوطنيين في معسكر المعارضة، وارتكز خطابه على إنقاذ النظام الرئاسي من كونه مشروع الغرور لأردوغان. ولربما يكون قد انهار في أي وقت آخر، لكن المناخ السياسي المعادي للغرب استمر بعد محاولة الانقلاب، فشهدت ليلة الانقلاب نزول أكثر العناصر الإسلامية والعناصر التركية عمومًا إلى الشوارع، وتم عرض مقترح حزب العدالة والتنمية لما يسمى الآن “النظام الرئاسي من النوع التركي” على البرلمان في يناير، وكان من المقرر إجراء استفتاء في أبريل 2017. وفي 17 أبريل 2017، أي بعد أقل من عام على محاولة الانقلاب، أجري استفتاء على النظام الرئاسي وكانت نتيجته 51.4٪. وعقب ذلك، شرّع أردوغان سيطرته الكاملة على حكم الدولة. 

جدير بالذكر، أن أردوغان فاز بالانتخابات الرئاسية لعام 2018 في الجولة الأولى، بنسبة 51٪ من الأصوات الشعبية. وتعد رئاسة الجمهورية رسميًا هي إحدى الفروع الثلاثة للحكومة، وتخضع للضوابط والتوازنات. فعلى المستوى العملي، تسيطر على السلطتين التشريعية والقضائية للحكومة، أما من الناحية الفنية، تسمح المادة 105 من الدستور المعدل بأغلبية ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان البالغ عددهم الآن 600 مقعد للتصويت على محاكمة الرئيس بتهمة ارتكاب جرائم، أو تقديم أغلبية الثلثين إلى المحكمة العليا.. هنالك أيضا ثقافة التوافق في السياسة التركية التي تجعل المعارضة صعبة للغاية، وفي هذا الإطار، فأثناء التصويت عام 2017 للرئاسة التنفيذية في البرلمان، كان هناك العديد من نواب بحزب العدالة والتنمية الذين أرادوا التصويت ضد المقترح، والتقى العديد وناقشوا أفكارهم، لكنهم قرروا أنه لا يستحق المخاطرة. 

الحكم من خلال بيروقراطية الأوليجاريكية

يسلط هذا الجزء الضوء على التسلسل الزمني للأحداث حتى إنشاء الرئاسة التنفيذية ويلقي نظرة على تطور الأفكار الداعمة للحكم في عهد حزب العدالة والتنمية. حيث صعد الحزب إلى السلطة وتوسع في جوانب الحياة، ففي أغلب دول العالم، تكون للمؤسسات المحايدة رسميًا ميول سياسية معروفة. وفي تركيا، فهناك شبكات تي تعرض الانتماء السياسي أو الإقليمي أو الديني، والتي يتم استخدامها بعد ذلك لبناء الدعم داخل المؤسسات الحكومية أو شبه الحكومية. مثال على ذلك، رئاسة الشؤون الدينية وهي المؤسسة الحكومية التي تعين الأئمة للمساجد، فهي محافظة بشدة، أيضًا، اعتاد اليسار أن يكون ممثلًا جيدًا في مهنة المحاماة وفي الأوساط الأكاديمية، ويمتد تأثيره للمنظمات شبه الحكومية المؤسسات، مثل غرفة المهندسين الميكانيكيين أو الجمعية الطبية التركية، والقوميين في عموم تركيا، كل هؤلاء، لديهم شبكاتهم من الطلاب والمنظمات والتي تغذي المؤسسات مثل الشرطة والقوات المسلحة، وهم يحافظون على تماسك المجموعة بشكل كبير.

ويمكن اعتبار تلك التفاعلات كتعبير عن التنوع داخل تركيا، فقد ساهمت تلك التجمعات في تعزيز القوة والديناميكية داخل تركيا، بحيث يمكن أن تقوم مجموعات محددة بالتأثير على كامل مجالات السياسة العامة أو تنظيم عمليات سياسية معقدة، وفي تلك البيئة تصبح المؤسسات. وفي هذا الإطار، ظهر ما يطبق عليه “البيروقراطية المسلحة”، أي الشرطة والجيش وقوات المخابرات، وقد تم تعزيزها وجودهم في أجزاء أخرى من القطاع العام في السنوات الأخيرة

وفيما يخص حكومة أردوغان، فهي تنبع من حركة إسلامية يمينية متطرفة، لديها قدرة محدود للوصول أو التأثير على الشبكات المؤسسية. ويتخيل هؤلاء الإسلاميون أن هناك شبكات غامضة من الماسونيين واليهود وغيرهم يرونهم كقوى شريرة تعرقل “إرادة الشعب”. فبمجرد دخلوهم السياسة، اعتقد أعضاء حزب العدالة والتنمية أنهم يقاتلون “الوصاية”، والتي تشير بشكل عام يشير إلى النخب العسكرية التي قامت بتعيين حدود السياسة المقبولة وتدخلت من خلال الانقلابات العسكرية عندما تجاوز السياسيون تلك الحدود.

في 2010، عندما كان أردوغان يفكر في إجراء إصلاحات هيكلية، بدأ باستخدام مصطلح آخر للشر الذي رآه كامنًا داخل الدولة، وهو “البيروقراطية الأوليجارشية، واستخدمه للإشارة إلى أي مجموعات مصالح داخل البيروقراطية الحكومية الغير خاضعه له، وبالتالي، فيمكن اعتبارها “إرادة الشعب”. وانطلاقًا من وجهة النظر التي تبناها، فقد أصبح من السهل الخلط بين الضوابط والتوازنات وبين القوى التخريبية. 

يعتمد أردوغان بشكل أساسي على فرضية أن التعبير عن “إرادة الشعب” يجعل الأتراك يتبعونه خلافًا عن أي من مجموعات المصالح الأخرى داخل مؤسسات الدولة. لذلك، فلا خيار لديه سوى السيطرة على الجماعات التي لا تخضع له بشكل مباشر. ويروج أردوغان لأن القوى المعارضة هي بمثابة عدو يمنع تركيا من أن تصبح أكثر قوة، كما أشار إلى أن وجود تلك الجماعات داخل مؤسسات الدولة يمثل أكبر عائق لصحوة الدولة.

وفي هذا السياق، يتحرك وفقًا لمقولة “السياسة لا تقبل الفراغ”، والتي يستخدمها القادة السياسيون أحيانًا، وهي جملة يأتي خلفها نهج للحكم محصلته صفر، وتنفيذًا لذلك، عمل أردوغان على ملئه بقوة سياسية. وعلى سبيل المثال، فخلال فترات حكم حزب العدالة والتنمية، سيطر الموالون للحزب على مجلس التعليم العالي بتركيا، وأحكموا قبضتهم على الجامعات. فقد قاموا الطابع السياسي لها، وفي المقابل أعادوا تسييسها لصالحهم. في وقت لاحق أيضًا، حاول وكلاء أردوغان السيطرة على نقابة المحامين التركية، وقد قاوم المحامين تلك المحاولات، إلا أن الحكومة أصدرت قانونًا لتجريد أولئك الذين يقاومونها من أي قوة.

وفيما يتعلق بعلاقة أردوغان بجماعة فتح الله غولن، فبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة، للبعد منافسيه في تركيا. قامت معظم الشبكات بدفع دفعت الولاء لغولن أبقوا ارتباطهم مخفيًا، خاصة داخل المؤسسات الحرجة مثل الجيش والقضاء. ووفقا لفيديو لغولن تم تسريبه، فإن استراتيجيتهم كانت” التحرك داخل شرايين النظام”، وكان أتباعه السريون هم مفتاح السر، وكانوا يكشفون عن نفسهم فقط عند السماح لهم، فضلًا عن ذلك فلهم تسلسلات هرمية خاصة داخل المؤسسات. 

وبالعودة للخلف، فعندما تأسس حزب العدالة والتنمية عام 2001، أصبح أول حزب سياسي يدعم أتباع غولن علانية. وقد ألقت الإمبراطورية التجارية والتعليمية لغولن بثقلها في دعم أردوغان، حيث دافعت وسائل إعلامه عن سياسات أردوغان، وارتكز هدفها الأساسي على تشكيل ما يمكن اعتباره دولة موازية من خلال توسعه شبكاتها بحيث يمكنها في نهاية المطاف الاستيلاء على مصادر القوة والسيطرة على السلطة.

في تلك الأثناء، تم استهداف أتباع غولن السريين في أنقرة والمنتشرين في المؤسسات المركزية، في قضية المطرقة التي حوكم فيها العشرات منهم. في عام 2010، اقترحت حكومة حزب العدالة والتنمية تعديلًا دستوريا للنظام القضائي بحجة أنه ضروري للتغلب على قبضة الأوليجارشية وسيطرتها على النخب الكمالية بـ “تركيا القديمة”، وتم إطلاق حملة كبرى تمهيدًا لإجراء استفتاء، والدعوة لتصويت بنعم، تم تمرير الاستفتاء بأغلبية 57.88 في المئة من الاصوات.

يمكن القول، أن أتباع غولن فازوا في لعبة “بيروقراطية حكم الاقلية.” من خلال شبكتهم الضخمة غير الرسمية في الوظائف المختلفة، وتحويل الأموال، وانتشارهم في أنحاء العالم دون أي رقابة. فضلًا عن تواجدهم داخل جهاز الشرطة بنطاق واسع، واستخدموا سلطاتهم لجمع المعلومات الاستخباراتية من خلال التجسس على المكالمات.

وقد بدأ الشرخ في العلاقة ما بين العدالة والتنمية وبين غولن فيما يخص تقسيم مقاعد البرلمان، وقبل ذلك، كان يتم تخصيص مقاعد لأتباع غولن، إلا أنهم طلبوا زيادة عدد المقاعد، بحيث يحصلون على على حق النقض التشريعي، لكن يبدو أن أردوغان رفض ذلك.

وفي أعقاب ذلك، استولت الحكومة على أكثر من ألف شركة لأتباع غولن، وتم القبض على الكثير منهم بتهم وهمية. فمن الناحية النظرية، كانت حكومة أردوغان تهدف إلى معاقبة أولئك الذين شاركوا فيما أطلق عليه “الخدمة السرية”، التي اخترقت المؤسسات وشكلت حكومة سرية موازية. لكن الأمر لم يقف عند ذلك، بل امتد إلى المجال العام، وتحول إلى نظام عقاب جماعي، ضم كل أتباع غولن، حتى هؤلاء الين لم يثبت تورطهم في نشاط غير قانوني. فضلًا عن ذلك، قامت الحكومة بانتهاك حقوقهم المدنية بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، من يفقد وظيفته فلا يتم توظيفه في أي مكان.

استمرت عمليات التطهير حتى محاولة الانقلاب في 2016، وتزايد اللوم الموجه للحكومة من قبل المعارضة بسبب تعاونها مع أتباع غولن في السنوات الأولى والسماح لهم بالنمو في السلطة. أردوغان بدوره يتهم المعارضة بالاقتراب منهم في ذلك الوقت قام أتباع غولن بالاعتماد على النمط التخريبي سواء فيما يتعلق بالقانون، أو وضع التسلسلات الهرمية الموازية، وتكديس المؤسسات لصالحهم. واستمرت حملات التطهير للمدارس والوزارات والصحف والشركات في تركيا، وهو ما نتج عنه فراغات في السلطة.

وسرعان ما اكتشف أردوغان أنه غير قادر على ملء تلك الفراغات بأنصاره وحدهم. وكانت هناك حاجة ماسة لموظفين في الحكومة. فلجأت حكومة أردوغان إلى الاعتماد على الشبكات الأخرى. وجاءت على رأس تلك الشبكات “الجماعات القومية”، وخاصة عناصرهم داخل “البيروقراطية المسلحة”، مؤسسات للشرطة والجيش، حيث لعب هؤلاء لعبوا أدوارًا رئيسية في تطهير أتباع غولن والدفاع عن الحكومة في محاولة الانقلاب، وتمت مكافأتهم بإعطائهم وظائف مؤثرة في أنقرة. 

وفي السياق نفسه، فقد تم التنسيق مع جماعة “”Ülkücü القومية، والمعروفة بصلاتها بشبكات الجريمة المنظمة، لذلك فمن الملاحظ ارتفاع معدلات الجريمة في المناطق التي يسيطر عليها الإسلاميون، بينما تنخفض فيها معدلات الجريمة إلى أدنى مستوياتها. هناك أيضًا مجموعة TURGEV الخيرية، والتي نجل الرئيس ” بلال أردوغان”، حيث حاول ملء الفراغ المتبقي من خلال الشبكة التعليمية الواسعة والاستيلاء على المباني التابعة لأنصار غولن.

بشكل عام، فإن جماعة أنصار غولن أو ما يطلق عليهم CEMAAT، مثلهم مثل الكيانات السياسية الأخرى المتمثلة في Ülkücü القومي وحركة أوراسيا الكمالية القومية، كلها ترتكز حول التقاليد السياسية الإسلامية، ويعتبر أردوغان نفسه مثالًا جوهريًا عليها.

وقد أثر كل ما سبق على الأداء الاقتصادي في تركيا، إذ تزايد التحدي للحكومة بشأن الحفاظ على قدراتها المؤسسية، خاصة بعد سحب عدد كبير من المستثمرين الأجانب لمليارات الدولارات، فضلًا عن تلقي أردوغان الضربة الاقتصادية الناتجة عن أزمة تفشي وباء كورونا.

اتساقًا مع ذلك، فلم تعد المجموعات داخل الدولة تستطيع دعم المعارضة أو حتى دعم حكومة أردوغان. فقد أصبحت الروابط السياسية بين الرئاسة والبيروقراطية تعني أن أي مجموعة خارج تلك الشبكة من العلاقات، مثل الأحزاب اليسارية لحزب الشعب الجمهوري، يمكن تقبلها بدرجات متفاوتة على المستوى الشعبي لكن لا يمكن أبدًا أن تنتمي أبدًا إلى الحكومة. كما يمكن القول أن فو المعارضة سيؤدي إلى اقتلاع جذري لهيكل السلطة في الدولة؟

إلى أين يذهب النظام؟

هنا نقاش بين المعارضة التركية حول ما إذا كان من المناسب اقتراح العودة إلى النظام البرلماني، حيث يحذر البعض من هذا النهج، مشيرًا إلى أن الحديث عن استعادة “تركيا القديمة” ينم عن عدم فهم مشاكلها الأساسية، كما أنها لن تكون قادرة على الهيكلة المؤسسية والقانونية الحاسمة، لكن هذا النقاش لم يوقف أحزاب المعارضة الرئيسية من الاجتماع معا لرسم الطريق إلى “نظام برلماني معزز”. ومع ذلك، فقد أثارت هذه الدعوات استجابة من الحكومة، فحكومة أردوغان هي المحرك الرئيسي للسياسة التركية، لكنها مترددة للغاية في التعامل معها بجدية.

وفي هذا الإطار، قام “محمد أوكوم” نائب رئيس المجلس الرئاسي لسياسات القانون، بصياغة إجابة مطولة نسبيًا بعنوان “ماذا هل يعني النظام البرلماني المعزز؟. حيث رأى أن العودة إلى البرلمان من شأنه أن يخنق التصويت الشعبي ضمن “بيروقراطية مؤسسية الوصاية “، ويفترض – كما هو متوقع – أن هذا سيفتح البلاد أمام تشويش الأجانب. لذا سعت المعارضة السياسية إلى دمج تركيا في نظام يعتمد على الخطوات التسلسل الهرمي والتطور الاجتماعي، أو بعبارة أخرى” فاشية عالمية ” والتي بدورها يسيطر عليها “الإمبرياليون “. وتؤكد مقالة أوكوم أن الفكرة تكمن في أن هناك فارق بسيط جدا مع النظام الرئاسي كما هو قائم اليوم. حيث يتعلق الأمر بانتخاب أغلبية ضئيلة لمسؤول تنفيذي واحد هو الذي سيحكم الدولة، وسيقوم بإحداث تحول مستمر من خلال المزج بين القواعد الرسمية وغير الرسمية. 

وأضاف، أن نهج “تركيا الجديدة” في السيادة يجب ألا تبدو أصلية للمراقبين السياسة الدولية. فأردوغان تتبع نمط تفكير كان نظريًا من قبل في دول أوروبا وأصبح نمطًا شعبيًا مرة أخرى في جميع أنحاء العالم. مثل الهند تحت ناريندرا مودي، والمجر تحت قيادة فيكتور أوربان، والدول الكبرى الأخرى التي مرت بتحولات مماثلة. ففي إسرائيل، يواجه بنيامين نتنياهو رابع انتخابات في غضون عامين، وناريندرا مودي يهدد بتحويل الهند إلى دولة الحزب الواحد. لكن تركيا لازالت تفتقر إلى النظام الرئاسي الذي صنعه أردوغان لنفسه وفي السياق ذاته، أظهرت إدارة ترامب في الولايات المتحدة أن هناك ميلًا إلى هذا النوع من التفكير “الواقعي” بين الدول. 

ورأى أن تركيا اليوم تعد واحدة من ساحة التجارب القليلة حيث أفكار القومية اليمينية المتطرفة يتم تنفيذها بشكل متقدم. فمن الناحية السياسية، فإن مواقف أردوغان لا تزال قوية على الرغم من المصاعب الاقتصادية وCOVID-19 جائحة. ومن الناحية القانونية، فرأى أوكوم أن الخروج من النظام الحالي صعب للغاية، حيث تحتاج المعارضة إلى التوحد حول زعيم واحد يفوز بالرئاسة وأغلبية برلمانية 360 (من أصل 600 مقعدًا)، ومن بعدها يستطيعون التوجه لإقالة الرئيس. 

لذلك، فإن إعادة توزيع السيادة عبر مختلف المؤسسات بطريقة من شأنها أن تعطي المعارضة، بالإضافة إلى حزب العدالة والتنمية، القوة. حيث إن الحكومة مستوعبة لصعوبة قيام المعارضة بالتحريض على “الثورة المضادة”. ومع ذلك، فإن أتباع أردوغان لديهم أشياء أخرى يقلقون بشأنها، حتى لو كانوا قادرون على إدارة نصف البلاد. ولأول مرة يفترض أن هناك نظام رئاسي بعد فترة أردوغان، ستكون فيها إرادة الأغلبية هي السائدة. وبالرغم من أن هذا الافتراض محفوف بالمخاطر، إلا أن في مختلف الأنظمة الرئاسية قد شهدت ذلك، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة أو فرنسا. وبسبب اندماج الرئيس التركي بفاعلية مع الدولة، فسيكون من الصعب للغاية تحقيق النظام الرئاسي، ومن الممكن أن يشبه النظام التركي للصين أو روسيا. الأمر الثاني والأكثر إلحاحًا هو ” مشكلة الاستحقاق”، والمرتبطة بالتسييس الذي لا أصاب المؤسسات في الدولة، مما يجعلها أثر على كفاءتها وقيامها بمسئولياتها، وهو ما يشكل مصدر القلق في أنقرة واسطنبول، حيث يكمن الخوف في أن تمنع تلك المشكلة تركيا من تعزيز الاقتصاد والقوة العسكرية اللازمة لتلحق بسباق المنافسة الدولية. ومن الصعب الجزم حول ما إذا كانت حكومة أردوغان سوف تنجح في معالجة تلك المشكلات التي يعتمد عليها مستقبلها.

Scroll Up