تشهد منطقة “بالما” شمال شرق موزمبيق اضطرابًا أمنيًا فجًا منذ الأربعاء الماضي جراء هجوم مسلح على يد متطرفين يشتبه انتمائهم  إلى “حركة الشباب”، فرع تنظيم داعش الإرهابي في موزمبيق، وقد أجبر الهجوم سكان المنطقة على الفرار إلى الغابات المحيطة، كما لجأ حوالي 180 شخص من العمال والموظفين الأجانب في منشآت الغاز في المنطقة إلى فندق “أمارولاة بالما” وظلوا تحت حصار هذه الجماعات المتطرفة لمدة ثلاث أيام.

وبعد محاصرتهم لمدة ثلاثة أيام، تمكنت فرق أمنية في موزمبيق من اجلاء هؤلاء، ولكن أفادت مصادر أمنية موزمبيقية، أول أمس، بتعرض القافلات التي هرّبت هؤلاء المحاصرين إلى كمين وإطلاق النيران من المتطرفين مما أسفر عن مقتل عدد منهم. جدير بالذكر أن هذا الهجوم وقع عقب ساعات قليلة من إعلان شركة ” توتال” الفرنسية أنها ستستأنف العمل في مشروع الغاز الطبيعي المسال والذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات ويقع على بعد بضعة كيلو مترات خارج ” بالما” بالقرب من حدود موزمبيق الشمالية مع تنزانيا.

كما يأتي هذا الهجوم بعد فشل محاولة هجوم أخرى مماثلة، فمع مطلع يناير الماضي شنت حركة الشباب هجوما مسلحا على منطقة بها استثمارات تابعة لشركة توتال الفرنسية، ولكن نجحت القوات الحكومية في التصدي لهذا الهجوم. وفى يناير الماضي أعلنت شركة ” توتال” الفرنسية إجراء خفض مؤقت لبعض موظفيها من مشروع الغاز الطبيعي المسال التابع لها في شمال موزمبيق، وذلك على إثر سلسلة من الهجمات الإرهابية التي وقعت على بعد كيلومترات فقط من مواقعها، فضلا عن التحديات المستمرة المرتبطة بجائحة كوفيد-19.

مساعي إقامة دولة الخلافة

يأتي هجوم “بالما” كترجمة لمساعي تنظيم داعش والجماعات المسلحة التابعة له إلى التمدد وتحقيق حلم إقامة دولة الخلافة، وكمحاولة لإيجاد ساحات جديدة لتمدد التنظيم في قلب إفريقيا بعد خسارته في معاقله التقليدية في سوريا والعراق.  وقد تحولت موزمبيق إلى فريسة في يد تنظيم داعش الإرهابي للسيطرة على موانئها الغنية بالموارد، والتي يستغلها التنظيم في تمويل نشاطه الإرهابي، ففي أغسطس 2020 نفذ التنظيم أخطر هجوم له في موزمبيق أسفر عن سيطرته على ميناء “موكيمبوا دا برايا” الرئيسي والغني بالغاز الطبيعي في شمال موزمبيق. 

ووفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020 شهدت موزمبيق تدهورًا كبيرًا في عدد القتلى جراء العمليات الإرهابية، حيث ارتفع إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب في البلاد من 133 في عام 2018 إلى 319 في عام 2019. وفى مارس الجاري، أعلنت منظمة “أنقذوا الأطفال” للإغاثة، ومقرها في لندن، إن مسلحين إسلاميين يذبحون أطفالًا تبلغ أعمار بعضهم أقل من 11 عامًا في مقاطعة كابو ديلغادو شمالي موزمبيق، حيث سعى تنظيم داعش إلى السيطرة على هذه المنطقة، والتي تمتلك مشروعًا من أكبر مشاريع الغاز في إفريقيا.

 تهديد الاستثمار الأجنبي في المنطقة

   تمتلك موزمبيق بعض نقاط القوة المحفزة للاستثمارات الأجنبية، من بينها: موقعها الجغرافي الملائم وسواحلها الطويلة، القريبة من أسواق الجنوب الأفريقي، بالإضافة إلى وجود فرص استثمارية جيدة في البنية التحتية واستخراج المعادن، ولا سيما (الفحم والأحجار الكريمة)، فضلاً عن توفر احتياطي الغاز الطبيعي المسال في البلاد، حيث تعتبر موزمبيق ثالث أكبر مالك للغاز الطبيعي المسال في إفريقيا، مع احتياطيات تبلغ حوالي 180 تريليون قدم مكعب. ولذا شهد شمال موزمبيق المشروع الأكبر للغاز في أفريقيا، وتعد شركة “توتال” الفرنسية المستثمر الرئيس في هذا المشروع الذي تبلغ قيمته 20 مليار دولار، فضلاً عن ست شركات دولية أخري بينها “أكسون موبيل” موجودة في هذه المنطقة.

ومع سعي الجماعات الإرهابية للسيطرة على موزمبيق وموانئها الاستراتيجية؛ أصبحت المشاريع والاستثمارات الكبرى في المنطقة مهددة بشكل كبير، ولا سيما مع تنامي الهجمات الإرهابية التي قامت بها حركة الشباب الإرهابية، والتي تسببت في نزوح السكان، وسقوط آلاف القتلى والمصابين، ونفور المستثمر الأجنبي. ولعل آخر مؤشرات ذلك ما حدث بعد وقوع هجوم “بالما” الأخير وسقوط قتلى ومصابين من العمال الأجانب في المنطقة، حيث أعلنت شركة “توتال” الفرنسية العملاقة، بالأمس، إجلاء نحو 1000 من موظفيها من بلدة “بالما” الساحلية” في موزمبيق، جراء الهجوم.

الولايات المتحدة الأمريكية تدين الهجوم

أدانت الولايات المتحدة الهجوم، وقال نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في بيان “إن تلك الهجمات تظهر عدم الاهتمام بالسكان المحليين والذين عانوا كثيرا بسبب العمليات الهجومية التي ينفذها الإرهابيون بتكتيكات وحشية دون تمييز”، وأضاف أن “الولايات المتحدة تدعو إلى الإنهاء الفوري للعنف، وتقديم مرتكبي تلك الهجمات للعدالة؛ لمحاسبتهم”، وشدد المتحدث على أن الولايات المتحدة ما تزال ملتزمة بالعمل مع حكومة موزمبيق لمواجهة الإرهاب والتطرف العنيف وضمان تحقيق الأمن والرخاء لجميع المواطنين والمقيمين في تلك الدولة.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في 11 من مارس الجاري إدراج فرع تنظيم داعش في موزمبيق تحت قيادة “أبو ياسر حسن” على قوائم التنظيمات الإرهابية، فوفقَا لتقارير الأمم المتحدة كانت جماعة “حركة الشباب”، فرع تنظيم داعش في موزمبيق، مسؤولة عن مقتل أكثر من 1300 مدني منذ عام 2017.

كما بدأت القوات الخاصة الأمريكية أيضًا خلال الشهر الجاري برنامجًا لتدريب الجيش الموزمبيقي، لمواجهة التمرد المنتشر في شمال شرق البلاد، والذي وصفه مسؤولون أمريكيون أنه يرتبط بتنظيم داعش الإرهابي. ووفقًا لتقرير أعدته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، سيركز برنامج التدريب العسكري على المهارات الأساسية للجنود، ويمكن أن يؤدي إلى مساعدة أمريكية إضافية لجيش موزمبيق، تتضمن الرعاية الطبية لحالات الإصابة أثناء العمليات القتالية، والتخطيط، واللوجستيات، كما تتطلع أمريكا إلى زيادة المساعدات الاستخباراتية لموزمبيق.

 وفى ضوء ما سبق، يمكن القول إن مثل هذه الهجمات الإرهابية، والتي تستهدف السيطرة على المنطقة الغنية بالموارد الاستراتيجية في موزمبيق من جهة، وتهديد المصالح الغربية في المنطقة من جهة أخرى تثير الغموض حول قدرة السلطات المحلية على التصدي لمثل هذه الهجمات واستعادة الأوضاع الأمنية المستقرة في البلاد وتحريرها من قبضة الجماعات الإرهابية، كما تثير التساؤلات حول إمكانية استئناف الاستثمارات الأجنبية في موزمبيق، ولا سيما في المناطق الحيوية الغنية بالغاز الطبيعي.

Scroll Up