تُوفي رئيس الوزراء الأسبق الدكتور كمال الجنزوري، اليوم الأربعاء، عن عمر ناهز 88 عامًا، إثر احتجازه منذ أيام في مستشفى القوات الجوية جراء معاناته من بعض الأمراض المزمنة، وقد نعاه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومجلس الوزراء، والوزراء، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والكنيستين الأرثوذكسية والإنجيلية، إلى جانب العديد من النواب والشخصيات العامة، متذكرين اسهاماته الجليلة للدولة المصرية في كافة المناصب التي تقلدها، والعديد من مواقفه الوطنية.

مسيرة الجنزوري المهنية

ولد الجنزوري في 12 يناير 1933 بقرية جروان التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، وحصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميتشجان الأمريكية.

وقام بالتدريس في الجامعات المصرية ومعاهد التدريب، وشعل عدة مناصب إلى جانب رئاسة الوزراء منها: ووكيل وزارة التخطيط عامي 1974 و1975، ومحافظ الوادي الجديد عام 1976، ومحافظ بني سويف عام 1977، ومدير معهد التخطيط القومي عام 1977، ووزير التخطيط عام 1982، ووزير التخطيط والتعاون الدولي في يونيو 1984، ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتعاون الدولي في أغسطس 1986، ومستشار لرئيس الجمهورية عدلي منصور للشئون الاقتصادية يوليو 2013.

فضلًا عن خبير للتخطيط بهيئة الأمم المتحدة لدى هيئة التخطيط السعودية، وعضو مجلس إدارة أكاديمية السادات للعلوم الإدارية، وعضو مجلس إدارة أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، ومستشار اقتصادي بالمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا، وعضو هيئة مستشاري رئيس الجمهورية، وعضو المجالس القومية المتخصصة للإنتاج والتعليم والخدمات، وأستاذ بمعهد التخطيط القومي 1973.

وشغل الجنزوري منصب رئيس الوزراء مرتين، الأولى في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك خلال الفترة من يناير 1996 حتى أكتوبر 1999، قام خلالهم بإطلاق 4 مشروعات كبرى هم: مشروع توشكي، ومشروع غرب خليج السويس (أقامت حكومته مصنع للأسمنت وميناء العين السخنة حتى منطقة غابة البوص)، وتوصيل المياه لسيناء “ترعة السلام” (مد 32 كيلومترًا من ترعة السلام بعد عبور المياه في صحاري أسفل قناة السويس بالإضافة إلى مد 38 كيلومترًا من خط السكة الحديد حتى القنطرة)، ومشروع شرق تفريعة بورسعيد (ميناء الحاويات)، ومشروع الخط الثاني لمترو أنفاق القاهرة الذي يربط بين منطقتي شبرا الخيمة بالقليوبية والمنيب بالجيزة مرورًا بمحافظة القاهرة بهدف الحد من الازدحام المروري بمحافظات القاهرة الكبرى.

وشهد عهده إقرار العديد من القوانين والتشريعات التي وصفت بالجريئة، في مقدمتها قانون الإيجار الجديد، وتدخلت حكومته لحل أزمة تعثر بنك الاعتماد والتجارة من خلال ضمه لبنك مصر، وكذلك لعب دورًا في تحسين علاقة مصر بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وبعد خروجه من رئاسة الوزراء في 5 أكتوبر 1999، توارى عن الأنظار حتى عام 2011 حينما كلفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشكيل الوزارة في نوفمبر 2011، حيث استمرت حكومته بين 7 ديسمبر و25 يونيو 2012، وقد أعطاه المجلس العسكري كل الصلاحيات، حيث أدارت حكومته فترة مليئة بالتحديات.

وكان الجنزوري صاحب فكرة الخطة العشرينية التي بدأت عام 1983 وانتهت في 2003 وتجاوزت مصر مرحلة الانهيار خلال 3 خطط خمسية ودخلت في منتصف الثالثة مرحلة الانطلاق، كما عُرف عنه دعم قطاع الأعمال العام والحفاظ على شركاته في مواجهة الخصخصة أو التصفية، وإيمانه بدوره في دعم الاقتصاد الوطني، لذلك لُقب بـ “وزير الفقراء” لعمله الذي اختص برعاية محدودي الدخل.

“سنوات الحلم والصدام والعزلة”، هكذا لخّص رئيس وزراء مصر الأسبق، د. كمال الجنزوري، حياته في جملة ذيَّلَ بها عنوان سيرته الذاتية الصادرة في العام 2013 تحت عنوان «طريقي»، والتي تحدث فيها عن رحلته «من القرية إلى رئاسة مجلس الوزراء».

مثّلت المفاهيم والقيم التي تبناها الجنزوري ثمار تجربة طالت أكثر من أربعة عقود، بدأت من وظيفة في بداية السلم الوظيفي، لتتدرج إلى سلسلة من الوظائف المسؤولة، تمثلت في أستاذ مساعد بمعهد التخطيط القومي، ثم خبيراً للتخطيط بهيئة الأمم المتحدة لدى هيئة التخطيط السعودية، ووكيلاً لوزارة التخطيط، وتطورت المسؤولية إلى تولي منصب محافظ لمحافظتين، ومن ثم العودة إلى معهد التخطيط القومي مديراً ونائباً لوزير التخطيط. يقول الجنزوري:

«أصبحت المسؤولية أكبر عبئاً عندما شرفت بالإشراف على وزارتي التخطيط والتعاون الدولي وزيراً، ثمّ نائباً لرئيس الوزراء مع الاحتفاظ بالوزارتين، ومحافظاً لمصر لدى البنك الدولي لعقد ونصف، حتى بلغت المسؤولية أقصاها حين كُلفت برئاسة مجلس الوزراء والإشراف على عدة وزارات وأجهزة، كما انُتخبت نائباً بمجلس الشعب عن إحدى دوائر المنوفية لدورتين متتاليتين خلال ثمانينيات القرن الماضي».

دعمت هذا التدرّج في المناصب الرسمية الذي رواه الجنزوري في كتابه، جملة من المبادئ من بينها إيمانه الكامل بأنّ العمل الوطني الصحيح في بلد كمصر بكل ظروفها وأحداثها، لابد أن ينطلق في إطار من التخطيط المتكامل للإعداد والمتابعة لضمان حسن استغلال الموارد الوطنية المادية والبشرية.

ظلت هذه المبادئ التزاماً لا يهتز ولا يتغير مهما تفاقمت الأحداث وتشعبت، ما أشاع في نفس الجنزوري الرضا، حتى عندما بلغت مسيرة المسؤولية الرسمية منتهاها في الفترة الأولى التي تواصلت حتى 5 أكتوبر عام 1999، وقبل أن يستأنفها مرة أخرى في ظروف صعبة سياسياً واقتصادياً واجتماعاً وأمنياً وإعلامياً بعد أحداث يناير 2011، إذ ظلّ الإيمان وبقيت القناعة بألّا تفريط في حقوق مصر وأبنائها، وأنّ خير مصر يتمثل في خير أبنائها جميعاً دون تمييز، كما قال في سيرته الذاتية.

كمال الجنزوري، أو وزير الغلابة أو الفقراء، والوزير المعارض، كما يطلق عليه البعض، والذي اشتهر بنظافة يديه، من مواليد العام 1933 بمحافظة المنوفية شمال القاهرة، شغل منصب رئيس وزراء مصر في فترتين، الأولى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك من نوفمبر 1986 حتى أكتوبر 1999، والثانية في فترة المجلس العسكري بعد 25 يناير 2011، في الفترة من 7 ديسمبر 2011 وحتى 25 يونيو 2012. فيما يُعرف عنه أنّه صاحب الخطة العشرينية لمصر، والتي بدأت في العام 1983.

أبرز مواقفه

يكشف الجنزوري في سيرته الذاتية العديد من المواقف خلال الأحداث الوطنية الكبرى، حيث أشار إلى أنه بكى بشدة كما لم يبك من قبل عندما يوم 5 يونيو 1967 عندما سمع نبأ النكسة من المعلق الشهير وولتر كرونكايت خلال وجوده في الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه.

ووصف يوم أن أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم في 9 يونيو 1967 بأنه: “كان يومًا تعيسًا حزينًا لن أنساه أبدًا، فمازلت أذكر يوم 5 يونيو، وسأذكره كدرس مستفاد لابد من الحرص دائمًا ألا يتكرر”.

كما وصف الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بأن “لديه فطنة سياسية تربت على مدى سنوات حياته وتقلبه بين النخبة العسكرية والمدنية تارة وفئات الشعب المختلفة تارة أخرى، مما جعل منه شخصية تملك القدرة على الفهم والقصد والمناقشة والمفاوضة والخطابة واتخاذ القرار المناسب في وقته”.

كذلك وصف المشير عبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع الأسبق، بأن به صفات عامة وخاصة تكفل له دخول قلب كل من يتعامل معه على الفور، فهو رجل عميق الثقافة في مختلف المجالات العسكرية والسياسية بل والاقتصادية، كما أنه دمث الخلق واضح ومستقيم اللغة ثابت على أفكاره لا يراوغ.

Scroll Up