أوضح تقرير منشور على موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بتاريخ 25 مارس 2021، أن الاتحاد الأوروبي أسس سياسته تجاه روسيا على أساس فرض عقوبات بشكل متواضع، مع مشاركة موسكو في بعض الملفات، فضلًا عن تكييفه بشكل دقيق للحساسيات الاستراتيجية الروسية.  لكن هذا النهج الأوروبي قُوبل بنهج أكثر حِدة من قِبل روسيا، التي تبنت محاولات متعددة لتعطيل نفوذ الاتحاد الاوروبي في مساحات شاسعة من دول جواره.

وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن على الاتحاد الأوروبي التعامل مع موسكو من خلال ثلاث استراتيجيات تتمثل في المقاومة، والاحتواء، والانخراط. ويجب على الاتحاد الاوروبي أن يُعيد صياغة الكيفية التي يتحدث بها عن حقوق الإنسان والديمقراطية، مع تطوير وتعزيز روابط أمنية وعسكرية أوثق مع جيران روسيا في البلقان والشرق الأوسط وأفريقيا. ويجب أن يواصل الاتحاد التعامل بشكل انتقائي مع الحكومة الروسية من خلال المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، فضلًا عن الحوار مع منظمات المجتمع المدني الروسية الحكومية والخاصة.

يشير التقرير في بدايته، إلى أن الاتحاد الأوروبي منذ بدء الحرب في أوكرانيا في عام 2014، انتهج سياسة المشاركة الانتقائية مع الولايات المتحدة الأمريكية في فرض عقوبات على موسكو. لكن بات الآن على الاتحاد الأوروبي تجاوز هذا النهج الثنائي. ففي ضوء زيارته الأخيرة لموسكو يومي 4 و5 فبراير 2021، أعلن “جوزيف بوريل” الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية عن ثلاث استراتيجيات على الاتحاد الأوروبي تبنيها تجاه موسكو، وتتمثل هذه الاستراتيجيات في المقاومة، والاحتواء، والانخراط.

ولكن السؤال هنا كما يطرحه التقرير كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحول هذه الاستراتيجيات والخطط من كونها مُجرد شِعارات إلى سياسات ملموسة؟  هذا ما ستحاول هذه الورقة الإجابة عليه، حيث تُحدد عِدة طُرق للاتحاد الأوروبي يُمكن من خِلالها تكييف سياساته تجاه روسيا في سياق الضرورات الجديدة، وتبديل الشِعارات إلى سياسات ملموسة. 

سياسة التكيف الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي مع روسيا

في السنوات الأخيرة، هيمنت أخبار العقوبات والهجمات الإلكترونية واستخدام الأسلحة الكيماوية والتهكم المتبادل على كافة المستويات على عناوين وسائل الإعلام حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. ولم تحتل الأمور التوافقية بين الطرفين إلا هامشًا ضئيلًا في عناوين الأخبار. 

في سياق آخر، يحدث أحيانًا تراجع في حِدة انتقادات بروكسل لموسكو، على سبيل المثال لم يعد التدخل الإنساني مُحبذًا لدى الحكومات الغربية، وهو الأمر الذي كان مصدر إزعاج كبير في علاقة الاتحاد الأوروبي مع روسيا لمدة عقد كامل حتى الآن. 

فلا يزال المواطنون الروس هم أكبر الحاصلين على تأشيرات “شنغن” في العالم، حيث يتم إصدار ما يقرب من ثلث هذه الوثائق في روسيا، فما يقرب من 82% من التأشيرات الصادرة للروس هي تأشيرة دخول متعددة، ومعظمها متعدد السنوات.

وكذا، تستهدف معظم العقوبات الغربية على الكيانات الروسية؛ الأفراد وليس الاقتصاد الروسي، وقد تم تصميمها عمدًا لإرسال إشارات رفض لروسيا بدلًا من إضعافها بشكل كبير. وتم بناء خط أنابيب “نورد ستريم-1” في 2010-2011، بينما يقترب نورد ستريم 2 من الاكتمال. 

في عام 2019، تم قبول عودة الوفد الروسي إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا. ولم تُصعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الأمور ضد روسيا بشأن الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق الأخيرة في بيلاروسيا والحرب حول ناجورنو قره باغ. على الرغم من أن التدخلات الخارجية الروسية قبل ذلك كانت سببًا رئيسيًا من أسباب تدهور العلاقات بين الجانبين. 

يشير التقرير أيضًا إلى أن الشراكة الروسية العسكرية والأمنية مع صربيا “المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي” تتفوق على أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وفي الآونة الأخيرة، بدأت روسيا في دعوة الاتحاد الأوروبي إلى التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية ليس فقط لدول ما بعد الاتحاد السوفيتي (كما فعل منذ فترة طويلة) ولكن حتى دول غرب البلقان، والمطالبة بعدم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

في سياق آخر، يشير التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي قد استكمل هذا التوافق الاستراتيجي بمبادرات دبلوماسية بشكل دوري مع روسيا. ومع ذلك، فشلت كل هذه الجهود -إلى حد كبير- لأن موسكو لا تريد إعادة ضبط سياستها الخارجية أو نظامها السياسي المحلي. بدلًا من إحداث نوع من التقارب مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية، بحثت روسيا عن طرق لإضعاف النفوذ الأوروبي والأمريكي والالتفاف حوله في مناطق رئيسية من العالم من البلقان إلى الشرق الأوسط، وحتى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفي العديد من المجالات، تشعر روسيا بالرضا عن المستوى الحالي للتعاون العملي مع أوروبا. إذ بلغت مبيعات الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي مستويات قياسية. ومن المفارقات إلى حد كبير، أنه كلما ساءت العلاقات السياسية، زاد حجم تصدير الغاز الروسي للاتحاد الأوروبي.

على الصعيد الدبلوماسي، لم تعطل المواجهة الحوار بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. بل إن الحوار قد تكثف في بعض القضايا. حيث تعقد كييف وموسكو وبرلين وباريس قممًا منتظمة على مستوى رؤساء الحكومات في صيغة “نورماندي”، بينما يتواصل ممثلو الدول بشكل دائم مع بعضهم البعض -بشأن القضايا المتعلقة بالحرب في دونباس- ضمن مجموعة عمل “مينسك”. ويتعاونون في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، وهناك مجموعات عمل بشأن تدابير الأمن وبناء الثقة، وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا النوعية. 

منذ رحلة بوريل إلى موسكو في فبراير 2021، يبدو أن هناك اتجاهين معاكسين يؤثران على تفكير الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. إذ يثق البعض في بروكسل بدرجة أقل عندما يتعلق الأمر بقدرة مؤسسات الاتحاد الأوروبي على التعامل مع روسيا. بينما يشعر الآخرون بالقلق من أن تصبح بروكسل أكثر تهميشًا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، مما يترك الدول الأعضاء المتوسطة والصغيرة الحجم مع عدد أقل من القنوات التي يمكن من خلالها التأثير على العلاقة. 

محاولات الاتحاد الأوروبي السابقة للتراجع

تبنى الاتحاد الأوروبي سياسة التكيف الاستراتيجي مع المسائل الحساسة في تعامله مع روسيا، ففي عام 2009 تبنى الاتحاد سياسة تحرير الطاقة، مما قلل بشكل كبير من قدرة روسيا على استخدام شركة “غازبروم” كأداة للسياسة الخارجية ضد عدد كبير من دول التكتل الأوروبي. وهناك انتقادات متواصلة من قِبل الاتحاد الأوروبي ضد الهجمات الإلكترونية التي تشنها روسيا. ففي تطور غير مسبوق، سعت ألمانيا العام الماضي إلى توجيه الاتهام إلى عملاء الإنترنت الروس، وتبنت دول مثل فرنسا وهولندا موقفًا أكثر عدوانية ضد الهجمات الإلكترونية الروسية (وأثارت احتمالية حدوث ما يسمى “عمليات الاختراق”) ردًا على العمليات الإلكترونية الروسية. 

في أعقاب تسميم زعيم المعارضة الروسية “أليكسي نافالني” في أغسطس 2020، أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر قوة من ذي قبل في التعبير عن القلق بشأن السياسات الداخلية للنظام الروسي.

كان استخدام الاتحاد الأوروبي للعقوبات للرد على روسيا ناجحًا بشكل معقول. ربما لا تكون هذه العقوبات منخفضة الحِدة قد غيرت السياسات الروسية في أوكرانيا، لكنها قيدتها بشكل كبير. من المحتمل أن تكون الإجراءات قد حدّت من حجم التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وبالتالي قللت من حجم اتساع رقعة الحرب في شرق البلاد. 

وكذلك، ساهمت العقوبات المفروضة على قطاع الدفاع في حدوث تأخيرات كبيرة وزيادة في التكلفة في العديد من منصات الأسلحة الروسية من الجيل التالي، مما قلل من حاجة أوروبا إلى تطوير وشراء أنظمة بسرعة لتوفير الردع على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو. 

كما تبطئ العقوبات من التحديث العسكري الروسي، وبالتالي تجعل الأمر أقل إلحاحًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي لتسريع نمو إنفاقه الدفاعي. ومن الآثار الجانبية الأخرى للعقوبات الحد من الموارد المالية التي يمكن لروسيا استخدامها لاستعراض قوتها في الخارج. 

في السنوات الأخيرة، أصيب الإنفاق العسكري الروسي بالركود، وبدأت مساعداتها المالية للشركاء في التراجع (كما في حالتي بيلاروسيا وأرمينيا) أو لم تتحقق بكميات كبيرة (كما في سوريا). إن مثل هذه النزعة التجارية المتنامية في السياسة الخارجية الروسية ليست نتيجة فورية ومباشرة لعقوبات الاتحاد الأوروبي، ولكنها رد فعل على الأداء الاقتصادي الباهت لروسيا في العقد الماضي. لكن، بالطبع، تعد العقوبات من بين العوامل التي تؤثر على التوقعات الاقتصادية لروسيا وقدرتها على تعبئة الموارد المالية للسياسة الخارجية.

أشار التقرير أيضًا إلى أن سياسات الاتحاد الأوروبي كانت ذات نظرة جيوسياسية وليست منهجية. ولا يزال الاتحاد الأوروبي يجد أن من غير المُجدي التصرف بتفكير جيوسياسي بحت تجاه روسيا، حتى لو كانت موسكو قد بذلت على ما يبدو قصارى جهدها لدفع الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسات أكثر تشددًا.  وفي هذا السياق، دعت إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بقية الدول إلى هيكلة سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا من خلال التالي: دعم تنفيذ قرارت “مينسك 2″، واتخاذ ردود أفعال قوية ضد انتهاك روسيا لسيادة الدول جيران الاتحاد الأوروبي؛ وزيادة التعاون مع جيران الكتلة الشرقية لزيادة صمودهم. ومكافحة التحديات والتهديدات السيبرانية الروسية.

على صعيد آخر، يُمكن للاتحاد الأوروبي مواصلة الانخراط بشكل انتقائي مع روسيا في قضايا الشرق الأوسط والبيئة، وكذلك من خلال الحوار مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي؛ ودعم المجتمع المدني في روسيا، سيكون لتلك الخطوات صدى كبير خاصة من الإجراءات الثلاثة التي تم اقتراحها من قِبل “جوزيف بوريل” والمتمثلة في (المقاومة، والاحتواء، والانخراط).

الإجراءات المٌقترحة

في العلاقات الدولية، المواجهة والتعاون ليسا أمرين متضادين بل وجهين لعملة واحدة. وبناءً على ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى استعادة النفوذ الإقليمي في جواره وتقييد قدرة القوى الأخرى -سواء كانت روسيا أو الصين أو حتى تركيا- على العمل ضد مصالحها. لتحقيق ذلك، يحتاج الاتحاد الأوربي إلى السير على مقترحات بوريل في اتباع استراتيجيات المقاومة والاحتواء والانخراط مع روسيا.  هذه الإجراءات ستؤتي ثِمارها إذا تم السير على هُداها ليس مع روسيا فحسب بل مع أي دولة أخرى.

  • التراجع عن السياسة الأوروبية القديمة

يُدرك شركاء الاتحاد الأوروبي الأكثر نفوذًا من –موسكو إلى أنقرة إلى بكين- أي نوع من الحوار يتم إجراؤه مع الاتحاد الأوروبي، ويدركون جيدًا نقاط القوة والضعف وتبعات ذلك. وهنا يوضح التقرير أن كل السياسات التي تمكّن الاتحاد الأوروبي من الصمود على أرضه ستعمل على تقوية مكانته مع القوى الثالثة، بغض النظر عن جوهر الحوار معها. 

وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى ضرورة استقلال الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، وزيادة قدراته العسكرية والاستخباراتية، أو خلق قدرات استخباراتية مضادة يمكن استخدامها للرد على العمليات السرية المعادية أو الهجمات الإلكترونية. 

وتساعد الوحدة والتضامن داخل الاتحاد الأوروبي بشكل كبير في هذا المسعى، وكذلك التنسيق القوي عبر الأطلسي. ستكون أي استراتيجية للتفاعل والمشاركة مع القوى الأخرى، بما في ذلك روسيا، أكثر نجاحًا إذا كان الاتحاد الأوروبي نفسه قويًا. وكذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتعلم كيفية التعايش مع قوى أخرى غاضبة سواء كانت روسيا أو تركيا أو إيران أو الصين.

في سياق آخر، فإن الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية هو أيضًا وسيلة لإبراز أوروبا قوية وواثقة من نفسها على المستوى الدولي. ومع ذلك، من المفيد أن يتعلم الاتحاد الأوروبي الدفاع عن قيمه بطريقة مختلفة إلى حد ما عما كان يفعله في كثير من الأحيان. 

يوضح التقرير أن الاتحاد الأوروبي يحتاج لتعزيز القيم المرتبطة بحقوق الإنسان، بطريقة توضح نيته عدم التدخل في السياسات الداخلية للدول الأخرى مثل روسيا. من شأن هذا النهج أن يؤكد أن انتهاكات حقوق الإنسان والسياسات المناهضة للديمقراطية تتعارض مع الأحكام الدستورية المحلية أو الالتزامات الدولية المكتسبة من خلال عضوية روسيا في المنظمات الدولية المتخصصة كمجلس أوروبا أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. فضلًا عن حث الدول إلى احترام تشريعاتها الخاصة. 

  • خطوات أوروبية للحد من التصعيد الروسي

العلاقات الجيدة مع روسيا مهمة، لكنها ليست غاية في حد ذاتها. فالاتحاد الأوروبي لديه مصلحة قوية في تطوير القدرة على تشكيل التطورات الاستراتيجية في جواره (مقابل روسيا والقوى الأخرى). تم تصميم العديد من السياسات الروسية عن عمد لتعطيل نفوذ الاتحاد الأوروبي في مساحات شاسعة، بما في ذلك البلقان والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء وجنوب القوقاز. والاتحاد الأوروبي لديه مصلحة في تعطيل تلك التحركات المزعجة. وفي هذا الصدد، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى:

  1. التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن روسيا: حتى الآن، أدى التواصل أحادي الجانب للدول الأعضاء مع موسكو إلى تقويض الاتحاد الأوروبي مع كل من موسكو وواشنطن.
  2. إطلاق سلسلة من الاتفاقيات الأمنية: كإطار عمل لزيادة التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي مع دول صديقة يتم اختيارها في جوار الاتحاد الأوروبي، ويجب أن تشمل هذه المواثيق دولًا في البلقان وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
  3. البدء في الاستثمار في شراكات عسكرية وأمنية مع دول مثل أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا: تحتاج أوروبا إلى شركاء أمنيين أقوياء في جوارها، ولا ينبغي أن ترى التنسيق الأمني مع هذه الدول من خلال منظور القضية الخلافية المتمثلة في توسيع الاتحاد الأوروبي أو الناتو.
  4. تعزيز القيم الديمقراطية والأمنية لبلدان غرب البلقان: من خلال دعم عضوية الاتحاد الأوروبي لجميع دول المنطقة، ودعم عضوية الناتو للبوسنة والهرسك، وكذلك كوسوفو. ويجب على الاتحاد الأوروبي الاستفادة بشكل أفضل من مساعداته السياسية والاقتصادية والمالية لصربيا من خلال التقارب في السياسات الخارجية والأمنية والدفاعية.
  5. إشراك تركيا في حوار حول القضايا الأمنية في روسيا والبحر الأسود: يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدعم العرض التركي الأخير لتطبيع العلاقات مع أرمينيا وفتح الحدود التركية الأرمنية للمساعدة في استقرار جنوب القوقاز.

قد تبدو الإجراءات من هذا النوع ذات طبيعة جيوسياسية -ربما تكون غير مريحة- لمعظم مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء. لكنها تظل ضمن حدود الحكمة الاستراتيجية التي تبنتها الكثير من دول الاتحاد بالفعل تجاه روسيا. 

الانخراط الأوروبي مع روسيا

لا يعني أي من هذا أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي تجنب الحوار مع روسيا. حيث كانت المجالات المتعددة للمشاركة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا -في التجارة والطاقة والسفر والتعاون العلمي- مرنة بدرجة كافية في السنوات الأخيرة.

وسيكون شكل الحوار مع روسيا سهلًا ويسيرًا بشكل كبير عندما يتم في بيئة متعددة الأطراف مثل، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا؛ نظرًا لأن العديد من الدول الأعضاء لا تزال ترغب في إنشاء إطار عمل جديد للحوار مع روسيا. وقد تشمل الجهود المشاركة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي؛ إذا كان هذا سيساعد في إقناع بعض دول الاتحاد الأوروبي بأن تكون أكثر طموحًا ليس فقط بشأن المشاركة الانتقائية ولكن أيضًا بشأن السياسات التي تقيد الأعمال العدائية الروسية. ويمكن أن تتم محاولات معالجة تغير المناخ والقضايا البيئية الأخرى والإرهاب في مثل هذه البيئات متعددة الأطراف.

أشار التقرير أيضًا إلى أن الاتحاد الأوروبي لديه مصلحة في الحفاظ على جميع أشكال الحوار مع المجتمع الروسي ككل. وهذا يعني بالتأكيد دعم المنظمات غير الحكومية المستقلة والمجتمع المدني، ولكنه قد يشمل في كثير من الأحيان المنظمات التابعة للحكومة أو التي تدعمها الحكومة. نظرًا لطبيعة النظام السياسي الروسي، وهناك عدد كبير جدًا من هذه المنظمات لا يجب تجاهلها إذا كان على المرء أن يحتفظ بأقصى قدر من التواصل مع المجتمع الروسي.

يجب أن يحافظ الاتحاد الأوروبي على سياساته الليبرالية فيما يتعلق بالتأشيرات للمواطنين الروس، ويمكنه تقديم مزيد من التسهيلات من خلال إلغاء أو دعم رسوم هذه الوثائق، ستكون هذه طريقة جيدة للوصول إلى أربعة ملايين روسي يحصلون على تأشيرات الاتحاد الأوروبي سنويًا. ينبغي على أوروبا أن تحافظ على دعمها للمجتمع المدني الروسي مع تكثيف هذا الدعم، حيثما أمكن ذلك.  ويُمكن للطرفان أيضًا التعاون في مكافحة وباء “كوفيد-19″، من خلال التشاور العلمي والطبي، خاصة في مجال تصنيع اللقاحات، لمواجهة الوباء والحد من انتشاره.ختامًا، إن النهج القوي تجاه روسيا ليس جزءًا من الثقافة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، وهو أمر من شأنه أن يُبعد الاتحاد الأوروبي عن النهج الدبلوماسي الذي اعتاد اتباعه. وسيؤتي الحوار الأوروبي مع روسيا نتائج أفضل للاتحاد، وسيسمح للاتحاد الأوروبي بالتصرف بطريقة أكثر حسمًا على الصعيدين المحلى والدولي، ومع مرور الوقت، سيستأنف الطرفان حوارهما. لكن ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يأتي إلى هذا الحوار بمزيد من أوراق الضغط التي تُحقق له أكبر قدر من المنفعة.

Scroll Up