“عقدة حتشبسوت” هو مصطلح نشأ في علم المصريات خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، على ضوء فهم نهاية أشهر ملكات الحضارة المصرية القديمة، وطبيعة العلاقة بينها وبين ابن أخيها تحتمس الثالث، وهي العلاقة التي أثير حولها الكثير من الجدل خلال المئة عام الأخيرة، وتحولت إلى رواية شعبية تناولتها فرقة رضا للفنون الشعبية في لحن خاص بها رسخ تلك الرواية في أذهان العامة.

ولكن أولًا.. ماذا نعرف عن حتشبسوت؟

“هي أول سيدة عظيمة في التاريخ”، هكذا وصف عالم المصريات جيمس هنري برستد الملكة المصرية حتشبسوت، خامس ملوك الأسرة الثامنة عشر التي يمتد نسبها إلى الملك أحمس قاهر الهكسوس ومؤسس الدولة المصرية الحديثة.

هي ابنة واخت وزوجة ملك، في سلالة لم يستطع رجالات القصر وكهنة المعبد ذوو النفوذ أن يقفوا أمامها؛ أبوها تحتمس الأول، زوجها وأخوها غير الشقيق هو تحتمس الثاني، ولقد كان والدها تحتمس الأول ملكًا عظيمًا، ولكنه أدرك مبكرًا أن ابنه تحتمس الثاني لم يكن بكفاءة الأجداد، وقام بتصعيد ابنته الشابة حتشبسوت للحكم معه، في تقليد غير غريب على الحضارة المصرية القديمة؛ إذ يمكن أن يختار الملك من يشاركه العرش.

عقب وفاة تحتمس الأول، كان يفترض أن تخلفه فورًا حتشبسوت، ولكن النخبة السياسية والدينية حاولت عرقلة الأمر، إذ أن وجود ملك قوي للبلاد سوف يعرقل نفوذهم ومكاسبهم، وهكذا اضطرت حتشبسوت للقبول بزوجها وأخيها الضعيف تحتمس الثاني ملكًا مشاركًا معها.

ولكن تحتمس الثاني مات مبكرًا، ولم ينجب إلا تحتمس الثالث من زوجة أخرى غير حتشبسوت، وهكذا فإن الطريق أصبح مفتوحًا أمام حتشبسوت للحكم منفردة بعد أن شاركت تحتمس الأول والثاني في العرش.

في سنوات حكمها منفردة، أعادت تأسيس الشبكة التجارية للإمبراطورية المصرية والتي تعطلت أثناء حكم الهكسوس وعلى رأسها الرحلة الشهيرة إلى بلاد “بونت” التي شهدت أول حالة علمية مؤكدة في التاريخ لزراعة أشجار أجنبية عبر نقل البذور من مجتمع لآخر. واستردت الزخم الثقافي لمصر بعد سنوات من التدهور الثقافي في سنوات عصر الاضمحلال الثاني والهكسوس.

وعكس الشائع عنها، لم تكن ملكة قوية ذات إصلاحات اقتصادية وعمرانية فحسب، ولكن أيضًا كانت ملكة محاربة قادت الجيش المصري بنفسها قبل أن يكبر ابن زوجها تحتمس الثالث ويتولى الجيش في عهدها، وقادت حتشبسوت الجيش المصري في حملات عسكرية ضخمة لتأديب المتمردين في فلسطين وسوريا (ما يعرف ببلاد كنعان في كتب التاريخ القديم)، وقد وثقت الباحثة Margaret Bunson الحملة المصرية على كنعان في كتابها Encyclopedia of Ancient Egypt بداية من الصفحة 161.

عصر حتشبسوت هو أكثر العصور غزارة في البناء، سواء مصر السفلى أو العليا، فكانت سنوات ذهبية في التعمير والتشييد، وما تم بناؤه في سنوات حتشبسوت من قصور وبيوت ومعابد ومسلات وتماثيل هو الأكبر من مجمل ما تم بناؤه في عصر الدولة الوسطى، فلا يوجد متحف في العالم يضم قسمًا للحضارة المصرية القديمة إلا وبه قطعة واحدة على الأقل تعود إلى زمن حتشبسوت. حكمت مصر 21 عامًا وتسعة أشهر، قبل أن ترحل عن 50 عامًا وهو سن متقدمة بمعايير متوسط أعمار سكان مصر وقتذاك.

عقدة حتشبسوت في قواميس المصريات

كانت “مشكلة حتشبسوت” قضية رئيسة في علم المصريات في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث تركزت على الارتباك والاختلاف حول ترتيب خلافة ملوك الأسرة الثامنة عشرة. أخذت المعضلة اسمها من الالتباس حول التسلسل الزمني لحكم الملكة حتشبسوت وتحتمس الأول والثاني والثالث.

كانت المشكلة مثيرة للجدل بما يكفي لإحداث نزاعات أكاديمية بين كبار علماء المصريات وخلق تصورات حول عائلة تحتمس، منها أن تحتمس الثالث هو السبب في محاولات محو اسم حتشبسوت من الآثار المصرية، أو أنها توفيت بشكل غامض، أو تعرضت للاغتيال أو المؤامرة على ضوء عدم العثور على جثمانها.

ومع العقد الأخير للقرن العشرين بدأت مراجعة هادئة بين علماء المصريات حول تلك الفرضيات، وراحت الأوراق البحثية تتوالى حول حقيقة أنه لا يوجد أي نص أو دليل  أو بردية أو اثر يشير إلى خلافات بين حتشبسوت وتحتمس الثالث، وان كل ما هو مستقر في الوعي الجمعي وتحول إلى أوراق بحثية وكتب ومؤلفات هو نظريات ليس لها دليل، اقترحها بعض علماء المصريات المتأثرين بالعهد القديم حيث يتم شيطنة الحضارة المصرية وملوكها وتصورهم باعتبارهم أرباب الشر الذين يتآمرون على من حولهم، وصدق عليها بعض علماء المصريات دون مراجعة أو انتظارًا لما سوف تسفر عن اكتشافات المستقبل.

بينما الثابت أن حتشبسوت سلمت تحتمس الثالث قيادة الجيش دون خوف من أي تحرك للانقلاب عليها، وكذا ثابت أن تحتمس الثالث قام بحملة عسكرية على فلسطين أثناء حكم حتشبسوت بما يعني سيطرته على الجيش من جهة واستماعه لأوامر عمته وأرملة والده الملكة حتشبسوت من جهة أخرى.

وبدأ البعض يتنبه إلى أن الأمر يحمل إساءة مقصودة للملك تحتمس الثالث، أقوى قائد عسكري في تاريخ مصر، إلى جانب أنه كان مؤرخًا ومهندسًا ومؤلفًا أيضًا في زمنه. وبالتنقيب في المكتبة الأثرية تم إلقاء الضوء على كتاب مؤلف عام 1964 على يد Alan Gardiner بعنوان Egypt of the Pharaohs صادر عن جامعة أكسفورد، يشير فيه إلى أن عمليات محو اسم حتشبسوت من الآثار المصرية لم تبدأ إلا في العام العشرين من حكم تحتمس الثالث وبالتالي من غير المعقول أن أرفع جنرال في تاريخ الدولة المصرية قد تذكر ثأره مع عمته بغتة.

بينما الثابت أن عملية محو اسم حتشبسوت قد تمت من بعض المناطق الظاهرة للشعب وليست كل المناطق، وإلا لما وصل لنا من آثارها شيء اليوم، وأن تلك العملية الممنهجة حدثت في عصر أمنحتب الثاني ابن تحتمس الثالث، والذي بدأ في مشاركة أبيه العجوز الحكم عقب إتمام العاهل العجوز عامه العشرين على العرش، ما يجعله المتهم الأول في هذه القضية وليس والده.

وكانت له دوافعه القوية، لان موقعة في السلالة الملكية كان ضعيفًا من ناحية الأم، كما أن اغتصابه للعديد من إنجازات حتشبسوت خلال فترة حكمه مثبت في الكتاب المشار إليه. وأيضًا –وفقًا للكتاب– فإن أمنحتب الثاني تعمد كسر النسب الملكي وعدم تسجيل أسماء ملكاته والقضاء على الألقاب الرسمية والأدوار الرسمية للملكات، كأن عقدة حتشبسوت في علم المصريات لم تكن في واقع الأمر إلا عقدة الملك أمنحتب الثاني.

وفى الواقع أن كثرة إنجازات حتشبسوت جعلت أكثر من ملك يفكر في محو اسمها ونسب الأثر إلى شخصه، والثابت أن الملك سيتي الأول من الأسرة التاسعة عشر قد فعلها أيضًا.

وللمفارقة كان أمنحتب الثاني ملكًا عظيمًا، فهو “فاتح الفرات”، الملك المصري الذي وصل بالجيش المصري إلى ضفاف نهر الفرات بالعراق، وشن حملات تأديبية على أمراء آسيا في عموم سوريا حتى أقصى شمالها، إضافة إلى فلسطين والإمارات الفينيقية أو ما يعرف اليوم بسواحل فلسطين ولبنان وسوريا وجنوب تركيا على المتوسط

جثة حتشبسوت تحل اللغز

وفى يونيو 2007، اهتم عالم المصريات الدكتور زاهي حواس بالجثة المجهولة في مقبرة الممرضة الملكية للملكة حتشبسوت، ومع التقدم العلمي ووجود الأشعة المتخصصة حمل حواس المومياء إلى المتحف المصري القديم بميدان التحرير، وفى حدث عالمي على الهواء مباشرة تم التوصل إلى الاكتشاف المذهل، أنها حتشبسوت نفسها. أما عن أسباب الوفاة، فهو سرطان العظام والتهاب المفاصل. والتهاب المفاصل كان من الأمراض الشائعة في الأسرة الثامنة عشر.

اعترف العالم بهذه الحقيقة عدا مناهج التاريخ والآثار والسياحة والإرشاد السياحي في مصر، والوعي الجمعي والمثقفين في مصر الذين لا يزالون يرددون الرواية الشعبية عن قيام تحتمس الثالث بقتل حتشبسوت عبر وضعها حية في تابوت حتى الموت، أو انه خلعها من العرش، بينما الدراسات الحديثة تؤكد أن أعظم ملوك مصر احترم عمته حتى يومها الأخير.

ولكن كيف دفنت حتشبسوت في مقبرة فقيرة هكذا؟

الحاصل أن وادي الملوك في سنوات تحتمس الأول كان تحت الإنشاء، وقد دفنت مومياء حتشبسوت في مقبرة والدها تحتمس الأول، قبل أن يتم نقلها إلى مقبرة أخرى، تحت المقبرة اكتشفها هوارد كارتر عام 1903، ولكنه لم يدون أي شيء عنها سوى انه نقل المومياء الموجودة بها إلى مقبرة الممرضة الملكية، دون أن يعرف أنها مومياء حتشبسوت.

والبعض يرجح أنه فعل ذلك عمدًا حتى ينهب المقبرة، إذ عرف عن كارتر أنه كان من أكبر سماسرة تجارة الآثار، وكان يسعى لاكتشاف الآثار من أجل نهب ما يمكن نهبه وفقًا لكتاب “توت عنخ آمون.. مؤامرة الخروج”، وبالتالي فإن عدم وجود حتشبسوت في مقبرتها أو وجود مقبرة معروفة لها جرى بسبب تلك الفوضى التي أحدثها كارتر في وادي الملوك تحت مسمى البحث عن مقبرة توت عنخ آمون.

العلاقة بين حتشبسوت وسننموت

وكعادة المستشرقين وعلماء الآثار الأجانب، يتم التلميح لعلاقات جنسية دائمًا دون أي دلائل، ووفقًا للمراجعة التي جرت في السنوات الأخيرة لمسيرة حتشبسوت، فإنه لا يوجد أي دليل أو إشارة إلى وجود علاقة أو زواج سري بين الملكة والمهندس سننموت، القائد العسكري والكاهن والمهندس الذي أشرف على بناء العديد من الأعمال في سنوات حتشبسوت وعلى رأسها معبد حتشبسوت في الدير البحري، وهو الوصي على بناتها نفرو رع ومريت رع.

والحاصل أنه لا يوجد ملك قوي في تاريخ الحضارة المصرية القديمة إلا وكان بجانبه مهندس قوي، يشيد الآثار ويضع التصميمات اللازمة، وأن العلاقة القوية بين الملكة والمهندس ليست استثناءً من هذه المعادلة المصرية الفريدة.

Scroll Up