ربما كانت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي احمد، معبرة بشكل دقيق ووافي عن الوضع الميداني الحالي لوحدات الجيش الإثيوبي، التي بعد نحو خمسة أشهر من إطلاق عملياتها في إقليم تيجراي، باتت تقاتل ليس فقط في كافة انحاء الأقليم، بل أيضاً باتت تقاتل على التخوم الغربية للعاصمة أديس أبابا، في إقليم أورومو، هذا بجانب عملياتها في إقليم الفشقة السوداني، وهي جبهات تشترك جميعها في سمة واحدة، وهي أن القوات الإثيوبية تقاتل فيها قتالاً دفاعياً، بمعية وحدات الجيش الإريتري، بعد أن كان القتال هجومياً محضاً حتى أواخر العام الماضي.

معارك إقليم تيجراي لم تنته … بل بدأت للتو

أواخر شهر نوفمبر الماضي، أعلنت القيادة السياسية والعسكرية في أديس أبابا، انتهاء عملياتها في إقليم تيجراي، وتمكنها من السيطرة على كامل أراضيه، لكن إذا نظرنا بشكل موضوعي إلى الخريطة الحالية للسيطرة الميدانية على الأرض، سنجد أن السيطرة الميدانية لما يقرب من 60 بالمائة من أراضي الإقليم، تعود لوحدات جبهة تحرير شعب تيجراي، في حين تسيطر الوحدات الإثيوبية والإريترية على النسبة المتبقية، والتي تشمل كامل الجانب الغربي للإقليم، المحاذي للحدود مع السودان، بجانب المدن الرئيسية في الإقليم، مثل العاصمة ميكيلي، ومدن شيراي وأكسوم وإديغرات وويكرو وسامري.

هذه النتائج الميدانية (المعاكسة للتصريحات الرسمية الإثيوبية التي تفيد بأن الأقليم كله تحت السيطرة)، كانت حصيلة هزيلة لمجهود عسكري ضخم بدأته القوات الإثيوبية والإريترية منذ شهر نوفمبر الماضي، تم فيه استخدام مجموعة من التكتيكات العسكرية الترهيبية، بهدف إخضاع الإقليم والوحدات المدافعة عنه. التكتيك الأول في هذا الصدد كانت استخدام أساليب الترهيب ضد المدنيين، حيث تم إحصاء ورصد عمليات ممنهجة لاستهداف المدنيين في الأقليم، شملت بشكل رئيسي الجانب الغربي منه، حيث أفادت الأمم المتحدة ان معسكرات اللاجئين التي تم إنشاؤها في النطاق الغربي للإقليم، تعرضت لهجمات من جانب وحدات الجيش الإثيوبي، مما ادى إلى اختفاء نحو اثني عشر ألف لاجئ من هذه المعسكرات، وحتى الآن لم يتضح مصيرهم النهائي. 

من أهم أمثلة هذا النهج من جانب الوحدات الإثيوبية والإريترية، سلسلة المذابح التي وثقتها عدة وكالات أنباء عالمية، وتمت على بعد نحو 15 كيلومتر جنوب مدينة أكسوم، وفيها استجوبت وحدات من الجيش الأثيوبي مجموعة من اهالي الإقليم، ثم قاموا بإعدامهم رمياً بالرصاص، وهو ما وثقته عدة مقاطع مصورة تم نشرها في شهر مارس الماضي. هذه المذبحة التي يتراوح عدد ضحاياها بين سبعين ومائة شخص، ألقت الضوء بشكل أكبر على مجموعة أخرى من المذابح التي تم تنفيذها خلال الفترة الماضية، والتي شملت المدن الرئيسية في الإقليم، خاصة أكسوم وأديغرات وألاماتا وشيراي.

عاصمة الإقليم نفسها (إكسوم)، شهدت مجموعة من المجازر وعمليات استهداف المنشآت المدنية بداخلها، بما في ذلك الكنائس والمستشفيات. في شهر يناير الماضي، شهدت الفترة بين يومي الثامن والعاشر منه، سلسلة من المجازر في قرية (بورا) الواقعة جنوبي الإقليم، وتحديداً منطقة (جرا ديمو)، حيث شهدت هذه المنطقة وقرى أخرى تابعة لها، منها قرى (تشيلينا – ويرو – مبال – مي ليهم – قلمة – أزيبو – فري وايان – ميدري ويسن – عدى شيغلا)، مداهمات لوحدات الجيش الإثيوبي، التي استهدفت بشكل عشوائي منازل المدنيين في هذه القرى، ما أسفر عن مقتل ما بين مائة إلى مائة وخمسين شخصاً، وهي ترافق مع إحراق واسع للمنازل الموجودة في هذه المناطق، وهي أستراتيجية تم أتباعها أيضاً في الجانب الغربي من الإقليم، مثل منطقة (تسجيدي)، وقرية (كوريم).

يضاف إلى ما سبق، إستخدام وحدات الجيش الإثيوبي والإريتري لكافة الوسائل القتالية المتوفرة لديهم، بما في ذلك الدبابات وراجمات الصواريخ، والمدفعية الثقيلة من عيار 155 ملم، بجانب توثيق استخدام القوات الجوية الإثيوبية عدة مرات للذخائر العنقودية روسية الصنع (أر بي كي – 250)، في غارات نفذتها خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، على النطاق الواقع جنوبي غرب عاصمة الإقليم ميكيلي، وتحديداً محيط مدينة (سامري).

صحوة هجومية لوحدات جبهة تحرير شعب تيجراي

من أهم التحديات التي تواجه وحدات الجيشين الإثيوبي والإريتري في إقليم تيجراي، هي التكتيكات الجديدة التي بدأت وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي في إستخدامها ميدانياً، منذ فبراير الماضي، بعد أن قامت بتجميع عناصرها في المناطق الجبلية الواقعة وسط وشرق الإقليم، حيث أطلقت وحدات الجبهة سلسلة من الهجمات الخاطفة المنسقة والعالية الدقة، استهدفت بشكل رئيسي قطع طرق الإمدادات الرئيسية المؤدية إلى المواقع الأساسية لوحدات كلا الجيشين في الإقليم، وتحديداً طريق الإمداد الشرقي، الرابط بين مدينة ألاماتا في أقصى الجنوب الشرقي للإقليم، وبين مدينة إديغرات في أقصى الشمال الشرقي للإقليم، وهو يمر بنقاط أساسية بالنسبة للجيش الإثيوبي، هي العاصمة ميكيلي، ومدينة ويكرو.

في هذا القطاع تمكنت وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي خلال شهر مارس الماضي، من أسر عدد من الجنود الإريتريين في منطقة (نكسيجي)، التي سيطرت عليها وحدات الجبهة بجانب منطقة (بورا) جنوبي غرب عاصمة الإقليم، ومنطقة (هاوزن) جنوبي غرب مدينة إديغرات. هذه العمليات أسفرت أيضاً عن مصادرة كميات من الذخائر والمدافع، مما أسفر عن تطوير عمليات الجبهة لتصبح هجومية بشكل كامل في هذا القطاع، عبر تنفيذ عمليات خاصة داخل عاصمة الإقليم، أنطلاقاً من المناطق الجبلية الواقعة جنوبي غربها، وكذا المناطق الواقعة جنوبي غرب مدينتي ويكرو وإديغرات، وهذه العمليات تضمنت التصدي لمحاولات التقدم من جانب القوات الإريترية أنطلاقاً من مدينة إديغرات شمالاً، والعاصمة ميكيلي جنوباً.

الاتجاه الهجومي الرئيسي الثاني لوحدات جبهة تحرير شعب تيجراي كان الطريق الرئيسي وسط الإقليم، الذي يسمى طريق (بي-30)، ويربط بشكل أساسي بين مدينتي شيراي وأديغرات، مروراً بمدينة إكسوم. هذا الطريق الذي يعتبر شريان أساسي لتحرك القوات الإثيوبية، بات مقبرة للعربات والدبابات التابعة لها، نتيجة للكمائن المستمرة من جانب وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي، والتي تكثفت منذ أوائل الشهر الجاري.

جبهة إقليم أوروميا … مصاعب مستجدة أمام الجيش الإثيوبي

لم تقتصر المصاعب الميدانية التي تواجه وحدات الجيشين الإثيوبي والإريتري على إقليم تيجراي فقط، فقد فوجئ كليهما باشتعال جبهة جديدة على بعد عشرات الكيلومترات من التخوم الغربية للعاصمة الاتحادية أديس أبابا، وتحديداً إقليم (أوروميا)، الذي يشغل معظم مناطق وسط البلاد، ويتكون من عشرة أقاليم رئيسية. يتواجد في هذا الإقليم مجموعة من الفصائل المسلحة التابعة لقومية الأورومو، وعلى رأسها جبهة تحرير أوروميا، التي تأسست عام 1973، وخاضت مع السلطات الإثيوبية المتعاقبة، نزاعات عديدة نتيجة لما يراه هذا الإقليم من تهميش وإهمال، رغم أن عاصمة البلاد تتبع له إدارياً.

هذا الاحتقان المكتوم، مضافاً إليه نزاع قديم على خلفيات إثنية ودينية، نشب منذ سنوات بين قومية الأورومو وقومية الأمهرة، تفجر الشهر الماضي عرضياً على يد الشرطة الفيدرالية الإثيوبية التابعة لقومية الأمهرة، حين أقدمت على قتل أحد المواطنين أثناء خروجه من أحد المساجد في منطقة (أتاي)، ما فجر موجة من أعمال العنف شملت مناطق (جيل توموغا – شيوا – كيميزي)، وهو ما أطلق شرارة بدء عناصر جبهة تحرير اورومو، للعمليات العسكرية ضد القوات العسكرية والأمنية الإثيوبية المتواجدة في الإقليم.

منذ منتصف الشهر الماضي، بدأ عناصر جبهة تحرير أورومو في مهاجمة معسكرات الشرطة الفيدرالية والجيش الإثيوبيين، على ثلاث جبهات، اثنتين منها هما الجبهة الشمالية والجبهة الوسطى، تقعان في التخوم الغربية والشمالية الغربية للعاصمة، في حين توجد الجبهة الجنوبية في أقصى الجنوب الغربي للعاصمة. وقد تمكنت هذه الوحدات من السيطرة على عدة معسكرات امنية وعسكرية إثيوبية، خاصة في الجبهة الوسطى والشمالية، في مناطق مثل (جوجي – قيليم – بيجي – جيما).

الوحدات التابعة لجبهة تحرير أوروميا، ونظراً لمصادرتها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وكذا شاحنات وعربات عسكرية، باتت الآن في طور مهاجمة عاصمة الإقليم (فين فيني)، وأصبح عناصر هذه الجبهة على بعد ما بين 60 و70 كيلو متر من غرب العاصمة أديس أبابا، في منطقتي (جيندابارات) و(هورو جودورو)، وهو ما وضع القوات الإثيوبية تحت ضغط ميداني مستمر، نتيجة اقتراب المعارك من العاصمة، خاصة بعد إعلان الجيش الإثيوبي عن وجود 51 منطقة خارجة عن سيطرته في هذا الإقليم، وهو ما أجبره على الدفع بوحدات مشاة إضافية إلى الإقليم، تم سحبها من إقليم تيجراي، بعد تطعيمها بعناصر تابعة للحرس الجمهوري والقوات الخاصة، ناهيك عن وصول وحدات إريترية إلى هذا الأقليم أيضاً.

الجيش الإريتري في كل الجبهات الإثيوبية

اعتراف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي احمد منتصف الشهر الماضي، بوجود وحدات تابعة للجيش الإريتري على الأراضي الإثيوبية، جاء متأخرا عدة أشهر، كانت فيها هذه الوحدات تقاتل جنباً إلى جنب مع وحدات الجيش الإثيوبي والقوات الخاصة للأمهرة في إقليم تيجراي. لكن هذا الإعتراف جاء أيضاً بالتزامن مع أنتشار أوسع للقوات الإريترية في جبهات إثيوبية أخرى. في ما يتعلق بإقليم تيجراي، الذي شهد أسر عشرات الجنود الإريتريين في جنوبي شرق الإقليم على يد عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي، باتت مدينة (إديغرات) الواقعة في أقصى الشمال الشرقي للإقليم، معقلاً أساسياً للقوات الإريترية، التي تنتشر أيضاً في المدن الرئيسية، خاصة على خط أكسوم – شيراي. هذا الخط، وبسبب تعرضه لهجمات مستمرة من جانب عناصر جبهة تحرير تيجراي، تم مؤخراً تعزيز تواجد الوحدات الإريترية في مدن هذا الخط، بجانب مناطق (سيليكليكا – إداغهاموس – موغولات).

هذا الوضع يناقض التصريحات الرسمية الإثيوبية التي تتحدث عن انسحاب هذه القوات من الإقليم، حيث تم رصد تواجد عناصر هذه القوات بلباس الجيش الإريتري في عدة مناطق في إقليم تيجراي، وكذا دبابات ومدافع ذاتية الحركة تابعة للجيش الأريتري، بالإضافة إلى عشرات الأسرى من جنود هذا الجيش. التواجد الإريتري في إقليم تيجراي بات أكبر من الأشهر الأولى لبدء المعارك هناك، وتشير بعض التقديرات أنه وبعد سحب بعض الوحدات الإثيوبية إلى إقليم أوروميا، باتت عدد عناصر الجيش الإريتري في إقليم تيجراي أكبر فعلياً من عدد عناصر الجيش الإثيوبي، وتقدر أعدادهم بين عشرة وخمسة عشر ألف جندي

وقد أصدرت جبهة تحرير أوروميا بياناً يوضح أن وحدات أريترية باتت تقاتل أيضاً في أقليم اوروميا، وهو ما يمكن قراءته على أنه محاولة إثيوبية لتدارك الموقف الميداني السيئ في مناطق غرب العاصمة، في ظل استمرار انتشار وحدات الجيش الإثيوبي في عدة مناطق على الحدود مع السودان، بل ومناطق داخل محلية الفشقة السودانية.

الدور الإريتري يبرز أيضاً في جبهة أخرى من الجبهات المشتعلة في إثيوبيا، وهي جبهة الحدود السودانية، وتحديداً محلية الفشقة، حيث تم رصد تواجد لوحدات إريترية في منطقة (بركت)، وهي واحدة من ثلاث مناطق تتواجد فيها وحدات إثيوبية حالياً. الجيش السوداني يراقب هذه التحركات جيداً، وحشد قوات كبيرة مؤخراً قرب منطقة (بركت)، كما أحبط اواخر الشهر الماضي محاولة لتوسيع العمليات نحو ولاية النيل الأزرق، حيث صادر أسلحة كانت عناصر تابعة للجيش الإثيوبي تحاول ادخالها للأراضي السودانية قرب منطقة القلابات، وأشتبك مع وحدات أخرى حاولت التقدم إلى  مناطق بركة نورين وودكولي.

خلاصة القول، أن الجيش الإثيوبي والوحدات المساندة له، باتت حالياً في وضع دفاعي بحت، مشتتة بين جبهات متعددة شمال وغرب البلاد، وأصبحت العاصمة أديس أبابا مهددة بشكل فعلي بالسقوط، مع تفاقم في التوترات الإثنية والدينية، وتصاعد في انتهاكات حقوق الإنسان، التي لم ينجح التعتيم الإعلامي الإثيوبي، ولا حتى قطع الكهرباء وخدمة الأنترنت بشكل كامل عن الأقاليم المضطربة، في اخفائها والتستر عليها. ربما يرى البعض أن الوسيلة الوحيدة للقفز على هذا الوضع، هو الدخول في مواجهة مع دول خارجية ما، بحيث يتم صف الأصوات كلها خلف الحكومة المركزية، لكن هذه النظرة تتعارض مع الواقع المعاش على الأرض في إثيوبيا، والذي مفاده أن الانقسامات الداخلية المتجذرة في تاريخ هذا البلد، باتت أكبر بكثير من أية محاولات لاحتواء، وهي محاولات تم من خلالها تجربة كل الطرق، بما في ذلك القوة العسكرية الغاشمة، والنتيجة واضحة للعيان اذا ما قارنا بين إثيوبيا نوفمبر 2020 وإثيوبيا أبريل 2021.

مصادر

1- https://2u.pw/Qma0Q

2- https://2u.pw/CrSWG

3- https://2u.pw/VE2rc

4- https://2u.pw/Eamka

5- https://2u.pw/SK9bC

6- https://2u.pw/3Etts

7- https://2u.pw/xgnzX

Scroll Up