عرض – آية عبد العزيز

نشر المعهد الملكي للشئون الدولية “تشاتام هاوس” ورقة بحثية في مارس 2021، بعنوان هل هناك سياسة خارجية شعبوية؟، للدكتور “أنجيلوس كريسوجيلوس” -زميل مشارك في برنامج أوروبا بالمعهد- يركز فيه على المقاربات الأوسع التي تتخذها القوى الشعبوية في توجهاتها الخارجية في أوروبا وخاصة موافقهم من الولايات المتحدة وروسيا.

سلطت الورقة الضوء على أربع حكومات قادتها في أوروبا في السنوات الأخيرة قوى شعبوية، مثل حكومة الحزب الواحد في المجر فيدس (Fidesz)، وحزب “القانون والعدالة” في بولندا، وتحالف سيريزا وأنيل (Coalitions of SYRIZA and ANEL) في اليونان، وحركة النجوم الخمسة والرابطة في إيطاليا. فبمجرد وصولهم إلى السلطة، ظلت توجهات جميع هذه الأحزاب إلى حد كبير في إطار المصالح الوطنية لدولهم، ولكن هذا لا يعني إنهم أضافوا بعض العناصر الجديدة في سياساتهم الخارجية، إلا إنها مثلت انعكاس لتأثير التقاليد الاستراتيجية الراسخة بدلاً من الأيديولوجية الشعبوية في حد ذاتها.

وتجادل الورقة بأن التحليل القوى الشعبوية بشكل تفصيلي كشف إنه من المضلل التعميم حول المقاربة الشعبوية الواحدة للسياسة الخارجية، بالرغم من إن هناك بعض المواقف التي تربطهم ببعض، وعليه فقد حددت الورقة ثلاثة أنواع من الشعبويين في أوروبا: القوميون الأطلسيون (Atlanticist nationalists)، والقوميون القاريون (continental nationalists)، والأمميين المناهضون للإمبريالية (anti-imperialist internationalists)؛ حيث أن كل منهم يتحدى النظام الدولي الليبرالي بطريقة مختلفة.

الأيديولوجية الشعبوية والسياسة الخارجية

وفقًا للورقة يعتبر الشعبويون أن المجتمع مقسم إلى معسكرين متناقضين: “الشعب” و”النخبة”؛ حيث يروا الناس على أنهم أنقياء ومضطهدون، والنخب على أنها فاسدة، منعزلة ورفضية، ويتم تحديد المحتوى لهذه المعارضة، ومن هو جزء من الشعب والنخب، من خلال أيديولوجيات أخرى أكثر اتساقًا والتي تظهر الشعبوية معها عادةً.

في حين أن الشعبويين اليساريين عادةً ما يحددون تقسيم الشعب والنخبة في المصطلحات الاقتصادية، يعرّفهم الشعبويون اليمينيون على أسس عرقية وثقافية، وعندما يتم ترجمة ذلك في التوجهات الخارجية فإنها تتخذ أنماط مختلفة؛ حيث يميل الشعبويون اليساريون إلى أن يكونوا أمميين (على الرغم من أنهم قد يتخذون بعض المواقف السيادية بشأن السياسة الاقتصادية)، بينما يميل الشعبويون اليمينيون إلى أن يكونوا قوميين.

واستكمل “كريسوجيلوس” إنه قد يعارض الشعبويون بعض المبادئ الراسخة في السياسة الخارجية لبلدهم كجزء من محاولة لتسليط الضوء على معارضتهم للنخب التي صممتها، لكنهم قد يدعمون أيضًا عناصر من السياسة الخارجية التقليدية لبلدهم، بينما ينأون بأنفسهم عن أحزاب الوسط من خلال الادعاء بأن النخب المستعبدة للمؤسسات الدولية والجهات الفاعلة الأجنبية قد “خانت” المصلحة الوطنية أو إرادة الشعب.

أنماط القوى الشعبوية

تطرقت الورقة إلى تقسيم القوى الشعبوية الأوروبية إلى عدد من الاتجاهات لتوضيح الفرق بينهم، من خلال مناطق تمركزهم ومواقفهم من بعض التفاعلات الدولية، علاوة على تعاطيهم مع الولايات المتحدة وروسيا على النحو التالي:

أولًا: الشعبويون اليمينيون

  •  أفادت الورقة أن اليمين الراديكالي الشعبوي يُعد من الأنماط الأكثر رسوخًا في أوروبا، ومُرتكزًا في غرب وشمال أوروبا وغالبًا ما تعود أصوله إلى أحزاب ما بعد الفاشية، ومن أمثلة هذه الأحزاب التجمع الوطني في فرنسا، وحزب الحرية في النمسا، وفلامس بيلانج في بلجيكا، حزب والحرية في هولندا، والرابطة في إيطاليا، ومؤخراً البديل لألمانيا.
  • ووفقًا للورقة يتسم اليمين الراديكالي الشعبوي بالمواطنة؛ إذ يُعرّف الناس من الناحية الإثنية أو الثقافية على أنهم السكان الأصليون الفاضلون المهدّدون بالهجرة وعوامل تمكين النخبة. وبالرغم من هذه الأيديولوجية المشتركة، إلا إن هناك تنوع في مواقفهم الخارجية وتجلى ذلك في الثمانينيات، كان كل من حزب التجمع الوطني، والحرية في النمسا مؤيدين تمامًا للولايات المتحدة كجزء من مناهضتهم للشيوعية في الحرب الباردة. لكن بعد نهاية الحرب الباردة، أصبحوا أكثر معاداة لأمريكا ورأوا الولايات المتحدة بشكل متزايد كقوة مهيمنة عالمية تهدد السيادة الاقتصادية والسياسية والثقافية للشعب. في هذا السياق، عارضوا التدخل العسكري لحلف الناتو والولايات المتحدة.
  • وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان حزب الشعب الدنماركي واليمين الشعبوي الهولندي مهتمين في المقام الأول بالنفوذ الإسلامي في أوروبا، وبالتالي كانوا داعمين لـ “الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة – بما يتوافق مع الهوية الاستراتيجية الأطلسية لهذه البلدان.
  • –        في عام 2010، مع تحديات الربيع العربي حافظ البعض مثل الجبهة الوطنية على دوافعهم المناهضة للتدخل الغربي في ليبيا في عام 2011. كما عبر اليمين الشعبوي في فرنسا والنمسا عن مواقف مؤيدة للأسد. وفي عام 2016 رأى العديد من الشعبويين اليمينيين انتخاب “دونالد ترامب” رئيسًا بإنه حليف أيديولوجي لهم. وقد نظرت هذه الأحزاب إلى روسيا كمشارك ضروري ومهم في الأمن الأوروبي، وفي بعض الحالات كثقل موازن للولايات المتحدة. وهذا على عكس الأحزاب اليمينية في وسط وشرق أوروبا ما بعد الشيوعية، التي تتخذ موقف متشدد من روسيا.

ثانيًا: الشعبويون اليساريون

  • أفادت الورقة أن القوى الشعبوية اليسارية حتى عام 2010 تتواجد بشكل أساسي في شمال أوروبا، ومن أمثلة هذه الأحزاب الحزب الاشتراكي في هولندا، وحزب اليسار في ألمانيا، وحزب سيريزا في اليونان؛ حيث أدت العديد من الأزمات الأوروبية مثل أزمة اليورو إلى ظهور بعضها حزب بوديموس في إسبانيا، الذي ظهر في عام 2014 من حركة Indignados المناهضة للتقشف.
  • على الرغم من أن بعض مواقف السياسة الخارجية لليسار الشعبوي تتداخل بشكل كبير مع مواقف اليمين الراديكالي الشعبوي، إلا أن تفكيره يختلف بشكل ملحوظ. في حين أن اليسار الشعبوي يمكن أن يكون معاديًا لأمريكا، فإن تركيز خطابه ينصب على الإمبريالية والعسكرة الأمريكية؛ إذ عارض اليسار الشعبوي تدخلات الناتو والولايات المتحدة في البلقان والشرق الأوسط في السنوات الخمس والعشرين الماضية.
  • –        وذكرت أن اليسار الشعبوي ليس معاديًا للعالمية، بل إنها تمثل نوعًا مختلفًا وراديكاليًا وتحرريًا من الأممية، فهي لا تعارض النظام الدولي الليبرالي في حد ذاته (على الرغم من أنه يعارض عناصر من النظام الاقتصادي) بل يعارض الموقع المهيمن للولايات المتحدة داخل النظام.
  • ويتعاطف بعض الشعبويين اليساريين في أوروبا، مع روسيا التي يرون أنها تمثل ثقلًا موازنًا للولايات المتحدة، مثل حزب اليسار الذي يعارض عمليات الانتشار العسكرية الألمانية في الخارج ويقترح انسحابًا أحاديًا لألمانيا من الناتو، لكونها “تجاوزت فترة” مهمتها، ويهدف إلى “نظام أمن جماعي في أوروبا” من شأنه أن يشمل روسيا، فضلاً عن اعترافه بانتهاكات حقوق الإنسان والعدوان الروسي في أوكرانيا وسوريا، ولكنه يميل إلى اعتبارها رد فعل على العدوان الغربي.

ثالثًا: شعبويون آخرون

  • أوضحت الورقة أن حركة “النجوم الخمسة” الإيطالية تُمثل أحد أنجح الأحزاب الشعبوية في أوروبا، كما إنه من الصعب تصنيفها في مصطلحات اليسار أو اليمين، ويُستمد اسم الحزب من القضايا التي ركز عليها في الأصل: المياه العامة، والنقل المستدام، والتنمية المستدامة، والحق في الوصول إلى الإنترنت، وحماية البيئة.
  • يُعد أكبر حزب في إيطاليا منذ عام 2013 والشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم في روما منذ عام 2018، تم وصفه بأنه حزب شعبوي انتقائي، مع تبنيه مواقف يسارية في الغالب حول القضايا الاقتصادية ونهج للهجرة يعتمد على الأمننة الوطنية والإنسانية الدولية.
  • وكشفت إنها تنتهج مواقف غير منتظمة ويصعب تحديدها أيديولوجيًا في توجهاتها الخارجية، فيما يتعلق بمسائل العمليات العسكرية والسياسة الأمنية، فقد كان خلال فترته الأولى في البرلمان (2013-18) أكثر تشابهًا بـ “حزب شعبوي يساري ليبرالي أكثر من حزب يميني متطرف سيادي”. فقد عارض ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، كما عارض أيضًا عقوبات الاتحاد الأوروبي ضدها موسكو.

وعليه فقد اختتمت الورقة بعدد من الاستنتاجات التي تتجسد أبرزها في أن تصور الشعبوية كخطر مميت على النظام الليبرالي الدولي يحتاج إلى تحديد، على الأقل فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للشعبويين الأوروبيين. كما أن هناك حالة من عدم التجانس بين الشعبويين حتى لو كانوا في موقع المعارضة. وعندما تصعد هذه القوى الشعبوية سواء من اليسار أو اليمين إلى السلطة نادرًا ما يطبقون سياسات خارجية تختلف اختلافًا جوهريًا عن سياسات غير الشعبويين، إلا أنهم قد يقدمونها بشكل مختلف نوعًا ما عن الوسطيين الأكثر مهارة في استخدام لغة الأممية الليبرالية مع تعزيز الأهداف الوطنية. وبالتالي يُنظر إلى تأثير الشعبوية من منظور الخطابات والأساليب والتأكيدات المختلفة أكثر من تغيير السياسة بشكل فعلي.  

Scroll Up