اجتاح فيروس كورونا العالم أواخر عام 2019 وامتدت تداعياته لتشمل إغلاق الحدود بين الدول وتوقف حركة الطيران والسفر وفرض حظر التجوال، ولكن، لم تقتصر تداعيات الوباء عند هذا الحد بل وصلت إلى تنافس الدول بين بعضها البعض على إجازة وشراء وتوزيع اللقاحات وانطلاق حملات التلقيح، في حين استطاعت بعض الدول الأخرى بناء تحالفات فيما بينها لتبادل وإنتاج اللقاحات.

ويعتبر الصراع بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي من أبرز الأمثلة على هذا التنافس؛ والذي وصل إلى حد التهديد بتصدير اللقاحات ضد فيروس كورونا للمملكة المتحدة. 

بدأ الأمر في أغسطس 2020، وقعت شركة “أسترازينيكا” البريطانية- السويدية عقدًا مع الاتحاد الأوروبي تضمن إمداده بنحو 300 مليون جرعة من لقاحها المضاد للفيروس، مع إمكانية إمداده بمئة مليون جرعة أخرى, وعلى هذا الأساس قام الاتحاد الأوروبي بتمويل الشركة بمبلغ 336 مليون يورو من أجل إنتاج اللقاح. وعلى الرغم من التزامها هذا، فقد تخلفت في وعودها وجدول عمليات التسليم؛ إذ أعلنت إنها ستوفر 40% فقط من الإمدادات المتفق عليها للدول الأعضاء خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

وهو ما أشعل الخلاف بين الكتلة الأوروبية والمملكة المتحدة، حيث حذرت الأولى يناير الماضي من إمكانية فرض ضوابط صارمة على تصدير لقاح “فايزر” الأمريكى و”استرازينكا” لبريطانيا، في إطار تشديد الضوابط على لقاحات كورونا التي يتم صناعتها داخل الكتلة الأوروبية، بعد تراجع امدادات اللقاحات المُرسلة من الشركتين نتاجًا لمشاكل في الإنتاج.

وعقب استمرار اللهجة التحذيرية على مدار الأشهر الماضية، قرر الاتحاد الأوروبي أوائل أبريل الجاري وقف تصدير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا من مصانع بهولندا إلى بريطانيا في حالة استمرار شركة “أسترازينيكا” بعدم الالتزام بتوفير الكمية المطلوبة من اللقاح لدول الاتحاد رغم تنفيذ عقدها في بريطانيا، وبررت الدول الأوروبية هذه الخطوة بأن الاتحاد قد صدر حوالي 10 ملايين جرعة إلى بريطانيا ولكنها لم ترسل شيئًا في المقابل، لافتة إلى أن تدفق جرعات اللقاح يجري بسلاسة مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى أن المشكلة تكمن في بريطانيا فقط.

وقد جاء القرار عقب تصريحات مفوض السوق الداخلية في الاتحاد الأوروبي “تييري بريتون” بشأن ضرورة التزام “أسترازينكا” بإمداد دول الاتحاد باللقاح أولًا، وخاصة ذلك المُنتج في مُنشآت بداخله من مصنعي “سونيف” في بلجيكا و”هاليكس” في هولندا، في حين ذكرت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” أن عقد الاتحاد الأوروبي مع “أسترازينيكا” ينص على تسليم جرعات منتجة في كل من أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لكن مع ذلك لم تتلق دول الاتحاد أي شي بينما قام بتسليم جرعات من اللقاحات تتمثل أغلبيتها في لقاح “فايزر-بيونتيك”.

ويذكر أن علاقة الاتحاد الأوروبي المضطربة أساسًا مع “أسترازينيكا” كانت قد واجهت ضربة الشهر الماضي عندما علقت دول عدة استخدام لقاحها بسبب مخاوف من أنها قد تسبب جلطات دموية، لكن الوكالة الأوروبية للأدوية أعلنت أن اللقاح “آمن وفعال” واستؤنف استعماله منذ ذلك الحين في بعض البلدان.

ولا تعتبر هذه المرة الأولى الذي يوقف فيها دولًا تصدير اللقاحات المصنعة على أراضيها للدول الأخرى؛ حيث منعت الحكومة الإيطالية في الرابع من مارس 2021 تصدير شحنة من ربع مليون جرعة من لقاح “أكسفورد-أسترازينيكا” –المُنتج في منشأة تابعة للشركة في البلاد- إلى أستراليا.

وفي أحدث خطوة على مساعي الدول لضمان تأمين احتياجاتهم المحلية من اللقاح، أوقفت الهند -وهي واحدة من أكبر منتجي لقاحات فيروس كورونا في العالم- في الخامس من أبريل مؤقتًا جميع صادرات لقاح أسترازينيكا بسبب الحاجة إلى إعطاء الأولوية لاحتياجاتها الخاصة.

وقد أثار اثنان من منتجي اللقاحات في الهند مخاوف بشأن قدرتهما على تلبية أهداف الإنتاج، حيث قال معهد مصل الهند (إس آي آي) -الذي ينتج لقاحي “نوفافاكس” “وأسترازينيكا”- إنه كان يستهدف زيادة الإنتاج إلى 100 مليون جرعة شهريًا اعتبارا من مارس الماضي، ولكن نظرًا لظروف الإنتاج انخفضت الكمية لما يتراوح بين 60 إلى 70 مليون جرعة.

وفي سياق مختلف، قررت الولايات المتحدة إخراج “أسترازينيكا” من مُنشأة لإنتاج لقاحات كورونا (Emergent Bio Solutions) في مدينة “بالتيمور” وتكليف “جونسون آند جونسون” بإدارتها مما دفع الأخيرة إلى الوعد بتقديم 100 مليون جرعة بحلول مايو، فيما تجري “أسترازينيكا” حاليا محادثات حول موقع تصنيع جديد في الولايات المتحدة. ويرجع هذا القرار إلى إفساد الشركة البريطانية نحو 15 مليون جرعة لقاح بعدما خلط موظفوها جزء من مكونات لقحها مع مكونات لقاح “جونسون أند جونسون”.

وعلى الرغم من الخلاف الناشب بين بعض الدول، إلا أن هناك بعض التحالفات قد قامت في الآونة الأخيرة، من أهمها، إطلاق المشروع الصيني-الإماراتي لإنتاج لقاح “سينوفارم” في الإمارات حيث في التاسع والعشرين من مارس، لتأتي هذه الخطوة بعد ثلاثة أشهر من ظهور نتائج التجارب السريرية للقاح الصيني في الإمارات والتي أثبتت بشكل كامل سلامة وفعالية اللقاح.

فيما أعلن الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة الخامس من أبريل الاتفاق على إنتاج أكثر من 100 مليون جرعة سنويًا من اللقاح الروسي المضاد لكورونا “سبوتنيك V” في الهند، وذلك  عقب إعلان الصندوق عن التوصل إلى اتفاق مع الصين على إنتاج أكثر من 100 مليون جرعة بالسنة من لقاح “سبوتنيك V”.

وأخيرًا وبالنسبة لمصر، فقد أعلن أعلنت وزارة الصحة والسكان أن الدولة حريصة على إنتاج لقاح “سينوفاك” الصيني داخل مصر مشيرًا إلى وصول 900 ألف جرعة من اللقاح الصيني خلال أبريل الجاري مع إمكانية إرسال 4.5 مليون جرعة بحلول أوائل مايو المقبل.

Scroll Up