تناول تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” المعنون بــ”Ethiopia’s Tigray War: A Deadly, Dangerous Stalemate” الصادر عن “CRISIS GROUP”بتاريخ 2 أبريل 2021، الحرب الدائرة في إقليم تيجراي الإثيوبي ومآلات التصعيد من طرفي الصراع هناك خاصة من زاوية إنسانية، في ظل تعقد المشهد وتفاقم الأوضاع الإنسانية بهذا الإقليم وما تبعها من تحديات تواجه وصول المساعدات الإنسانية لذلك الإقليم.

ولعل هذا التفاقم في المشهد التيجراي نابع من استمرارية الصراع المسلح الداخلي بين القوات الفيدرالية وقوات المقاومة، ويمتاز هذا الصراع بكونه معركة طويلة الأجل، ولقد انعكس هذا على الأحوال المختلفة للمدنيين وما تبعها من تزايد خطر المجاعة، وهو الأمر الذي يتطلب تدخل القوى الخارجية لحث أديس أبابا على السماح بدخول المزيد من المساعدات لمنطقة التوتر والضغط لإجراء تفاوضات ومحادثات مشتركة لحل ذلك النزاع.

ملخص عام

على الرغم  من زعم الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بأن الحرب في منطقة تيجراي قد انتهت في شهر نوفمبر – وهو الأمر غير الحقيقي لكون النزاع مستمر وامتاز بأنه صراع متعدد الجوانب- وهو ما كان له انعكاسات باهظة على الداخل الإثيوبي وعلى رأسها الكارثة الإنسانية، خاصة في ظل استمرارية الهجمات المسلحة من جانب الحكومة المركزية الإثيوبية إلى جانب تعزيز قيادات التيجراي – التي تحظى بدعم السكان المحليين- لموقفها باستغلال المناطق الريفية.

وفي ضوء المجهود الحربي الفيدرالي، قام رئيس الوزراء أبي أحمد بتعزيز قدراته الميدانية العسكرية بتجنيد قوات من إريتريا وكذلك بعض العناصر من منطقة أمهرة الإثيوبية، وهو الأمر الذي أدى إلى مزيد من الشعور بالاضطهاد لدى سكان إقليم تيجراي وأدت إلى ترسيخ فكرة التمرد والمواجهة، خاصة في ظل قيام تلك العناصر التي جندها “أبي أحمد” بانتهاكات متزايدة  ضد المدنيين.

وعلى الرغم من الضغط الدولي على الحكومة الإثيوبية وما تبعها من إجبار “أديس أبابا” على الإعلان عن انسحاب القوات الإريترية، غير أن الحرب سوف تستمر، وهو الأمر الذي يتطلب قيام  الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، الضغط من أجل وقف القتال كأولوية ملحة للسماح بزيادة إيصال المساعدات – والاستمرار في مطالبة الأطراف بالسعي إلى تسوية تفاوضية.

ولعل ملامح المشهد المعقد برزت في ظل استمرارية تمسك طرفي الصراع بالمواجهة العسكرية دون اللجوء للحوار، وما زاد الأمر تعقيداً هو احتشاد القيادات التيجراي تحت راية قوات الدفاع التيجراي كأحد أقوى جماعات المقاومة المسلحة والتي تخضع لقيادة ضباط سابقون رفيعو المستوى في قوة الدفاع الوطني الإثيوبية، وتنسط تلك الجماعة في المناطق الريفية وسط وجنوب تيجراي، في حين أن القوات الفيدرالية باتت تسيطر على الطرق الرئيسية والمناطق الحضرية داخل الإقليم.

واتصالاً بالسابق؛ ثٌم هناك حالة من التعنت بين طرفي النزاع لتحقيق تقدم أو حسم عسكري، على الرغم من صعوبة تحقيق ذلك في المدى القريب، خاصة في ظل ما تتمتع به جبهة تحرير التيجراي بدعم واسع في هذا الإقليم، وهو ما يتبعه نهج متعنت من جانب الحكومة المركزية وحلفاءها للقبض على قادة تلك الجبهة ومحاكمتهم، وهذا النهج المزدوج من طرفي النزاع يجعله يستمر لأشهر أو سنوات وبالتالي ستكون عواقبها وخيمة على تلك الدولة. 

وانطلاقاً من هذا؛ فإن إقرار المحادثات المباشرة بين الطرفين ستكون صعبة التحقيق، خاصة في ظل رفض رئيس الوزراء الإثيوبي لفكرة إشراك قادة هذا الإقليم في حوار مشترك أو حتى على مستوى الترتيبات المستقبلية، وهو ما سيدفع الإقليم للانخراط في مجاعة جماعية، وما يزيد من هذا الخطر أن هذا النزاع يتزامن مع موسم الأمطار والزرع في الإقليم مما يزيد من احتمالية تفشي تلك المجاعة.

أحد المعضلات الأخرى المتصلة بهذا التشابك، يتمثل في إخراج القوات الإريترية من الإقليم، في ظل تصميم الرئيس الإريتري “أسياسي أفورقي” على سحق القيادة التيغراية، وهو ما يتطلب العمل الحثيث من جانب الشركاء الأجانب لإلزام “أبي أحمد” لمغادرة تلك القوات، وهو تُمثل البداية الحقيقية لخلق أرضية للمحادثات بين الحكومة الفيدرالية وممثلي تيغراي. 

مقاومة راسخة

إن الحرب في تيغراي باتت مأزقًا كبيراً في ظل عجز الأطراف المتنازعة على تحقيق انتصار نهائي على الطرف الأخر، بالرغم من نجاح الحكومة الفيدرالية في إخراج قيادة تيجراي من عاصمة هذا الإقليم، وقد تسبب تدخل قوات إريترية وقوات من الأمهرة في تحقيق تضامن وتعاون من كافة إقليم تيجراي لقيادته تجاه هذا التدخل العسكري، ولتحقيق موائمة بين الضغط الدولي على الحكومة الإثيوبية قامت بتمرير بعض المساعدات الإنسانية وبعض وسائل الإعلام مع فتح تحقيقات في الجرائم المرتكبة، وعلى الرغم من إعلان “أبي أحمد” انسحاب القوات الإريترية من الإقليم إلا أنه من غير الواضح أنه سيتم هذا دون تحقيق انتصار عسكري شامل على قيادات هذا الإقليم. 

ويُعد المطلب الجوهري للأطراف الخارجية هو الدفع في مسار عملية انسحاب القوات الإريترية والأمهرة الذي لن يكون سهلاً لكونه أحد الضرورات السياسية التي دفعت الحكومة المركزية للانخراط في هذا الصراع العسكري والمتمثل في القضاء على حزب تيجراي الحاكم السابق كقوة سياسية. 

مكاسب وخسائر مزدوجة:

إن المتأمل لوضعية الصراع داخل إقليم تيجراي، يجد أن ثٌم هناك شرعية شعبية مكتسبة لقادة هذا الإقليم وبصورة خاصة داخل القرى المتواجدون بها، مما يعني أن تلك الحركة مستمرة في عملها العسكري، وهو ما تبعه تصعيد عسكري من جانب الحكومة المركزية لفرض القوة وتقويض تحركات قادة الجبهة.

تضاءلت حظوظ المقاتلين المتنافسين وتضاءلت خلال الأشهر القليلة الماضية. في الأسابيع الأولى من القتال ، حققت القوات الفيدرالية وحلفاؤها تقدمًا إقليميًا سريعًا ، وبلغ ذروته عندما أطاحوا بحكومة تيجراي وسيطروا على العاصمة “ميكيلي” في 28 نوفمبر ، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب، في ديسمبر ، انتقلت قيادة التيجراي التي تمت إزالتها إلى وضع البقاء على قيد الحياة ، حيث تراجعت إلى المناطق الريفية النائية في مواجهة حملة جوية بقيادة الطائرات بدون طيار أسفرت عن مقتل بعض القادة وتدمير المعدات العسكرية التي استولى عليها الجيش الفيدرالي.

ومنذ ديسمبر 2020 استطاعت جبهة التيجراي في تعزيز تواجدها وإيجاد موطئ قدم لها في المناطق الريفية بوسط تيغراي، وحققت تقدماً وفقاً للكثير من التقارير في مواجهة قوات الجيش الإثيوبي والإريتري، وبالنظر إلى مسرح العمليات نجد أن الإقليم يشهد معركة لأربعة أطراف مختلفة، تتمثل في قوات دفاع تيجراي في جانب واحد بما لديهم من امتيازات داخل الأراضي الريفية وسط وبعض المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية وكذلك الجنوبية من هذا الإقليم، في حين تتمثل القوى الثانية في الجيش الإثيوبي الذي يسيطر بصورة كاملة على البلدان والمدن الرئيسية، والقوى الثالثة تتمثل في قوات أمهرة الإقليمية النظامية وغير النظامية والتي تقوم بدوريات مستمرة في غرب الإقليم وأجزاء من الجنوب، والجيش الإريتري الذي يتواجد بشكل أساسي في الأجزاء الشمالية من مناطق تيجراي والشمالية الغربية والوسطى الشرقية.

مسرح عمليات متعدد:

وبالنظر إلى مسرح العمليات نجد أن غالبية المعارك تتمركز في وسط تيجراي وهو الأمر الذي دفع زعماء الجبهة من  العاصمة، وتزايدت المعارك مؤخراً في المنطقتين الجنوبيتين على سبيل المثال  اندلعت المعارك في منطقة سامري في المنطقة الجنوبية الشرقية في 14 فبراير 2021 ، ومرة ​​أخرى في مارس من ذات العام ، وكذلك في الجنوب في عدة مواقع في الفترة من 9 إلى 12 فبراير بالإضافة إلى السابق؛ فقد اندلعت اشتباك كبير بين القوات التيغراية والقوات الإريترية في الشمال وكذلك في منطقة تيغراي الوسطى، وفي فبراير تركز الاشتباك بين القوات التيغراية من جهة والقوات الإثيوبية والإريترية من جهة أخرى حول بلدة “أبي عدي” ، التي تقول الأمم المتحدة إن طرقها يتعذر الوصول إليها بسبب انعدام الأمن.

ومؤخراً شهدت منطقتي “أوفلا” و “انداميهوني” في جنوب تيغراي قتالًا عنيفًا ، مع ادعاءات انتصار قوات تيغراي على القوات الإثيوبية والإريترية ، والتي تناقضت مع وسائل الإعلام التي تدعم التدخل الفيدرالي. كما شنت القوات التيغراية هجوماً مميتاً داخل منطقة أمهرة في 18 مارس .

وتطرق التقرير إلى أن الضغط الدولي قد ساهم في حدوث تحول في الموقف العلني لأديس أبابا من وجود القوات الإريترية، ففي الأسبوع الثالث من مارس أرسل الرئيس الأمريكي “جو بايدن” السناتور “كريس كونز” لإيصال رسالة إلى رئيس الوزراء آبي، والتي  أقر “أبي أحمد” بعدها بصورة علنية بالدور الإريتري لأول مرة، وفي أعقاب زيارته الخاصة إلى أسمرة في 26 مارس ، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أن القوات الإريترية ستنسحب.

ولعل وجود بعض من القوات (الإريترية – الأمهرة) له الكثير من التداعيات تتمثل في الآتي:

  • أدى وجود تلك القوات إلى تأجيج المشاعر الشعبية التيغراية، وأدى إلى تعقيدات متعددة في مسرح العمليات، وساهم في ازدياد قوة المقاومة المسلحة للتيغرايين وعززت من موقفها الميداني وساهم في تحقيق سيطرة على مناطق ريفية مركزية، وأصبحت القوات التيغراية أكثر قدرة على الحركة وخفيفة التسليح، في ظل تفاقم الضربات الجوية التي استهدفت المعدات العسكرية الثقيلة التي كانت تمتلكها الجبهة.
  • سُيحقق انسحاب تلك القوات إلى تقدم سياسي وميداني من جانب قيادة جبهة تحرير التيغراي، وتساعد في تخفيف الضغط على قوات تيغراي وتسمح بإعادة هيبة قادة الجبهة وتسويق فكرة القدرة على فرض الانسحاب، وبالتالي فإن هذا الانسجاب ربما يأجج من الصراع مرة أخرى وتوسيع نطاقه.
  • يساعم استمرار وجود القوات الأمهرية في إحداث اضطراب داخل المنطقة الغربية التي تعتبر هادئة نسبياً في الوقت الراهن ، وهو ما يؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار في المنطقة.

تناقضات المواقف:

يوضح التقرير أن هناك تناقضات في البيانات الصادرة عن الجهات المتصارعة في إقليم تيغراي، ففي حين لا يزال يتواجد المئات من القادة السياسيين والعسكريين الهاربين من تيغراي  من بينهم رئيس تيغراي ورئيس جبهة تحرير تيغراي ديبريتسيون جيبريمايكل، تقول الحكومة الإثيوبية أنها استطاعت القبض على الكثيرين منهم وقتل أخرين.

واتصالاُ بذلك، فإن قادة تيغراي يزعموا أنهم يعتقلون ويقتلون بشكل روتيني مقاتلي الأعداء ويصادرون الشاحنات والبنادق والذخيرة للحفاظ على تمردهم، وهو ما يتناقض مع ما تقدمه السلطات الفيدرالية والذي يتضمن تقييمًا مختلفًا بشكل لافت للنظر لديناميكيات ساحة المعركة وبرز ذلك في الخطاب الذي ألقاه “أبي أحمد” أمام البرلمان في 23 مارس 2021 ، وصف أبي الجبهة الشعبية لتحرير تيغري باعتبارها قوة مهزومة بالكامل.

صعوبات تراجع القوات الإريترية وإنهاء الصراع:

يرى التقرير أنه ومع استمرار الصراع، فإنه من الصعب أن يسعى الجيش الفيدرالي إلى تهدئة الوضع إلى حد ما من خلال التخلي عن حلفائه الإريتريين والأمهرة ، وذلك لكون هذا الخيار يعد مخاطرة تنعكس سلباً على وضعية الميدان بل تساهم في تعزيز مقاومة تيغراي.

الأمر الأخر يتمثل في أن هذا الصراع خلق فرصة للرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” للمطالبة بمناطق في شمال إثيوبيا كانت قد منحتها الأمم المتحدة لأسمرة بموجب قرار من لجنة الحدود التابعة للأمم المتحدة عام 2002 والذي رفضت أديس أبابا تطبيقه، علاوة على ذلك يرى التقرير أن الزعيم الإريتري لديه طموح طويل الأمد لتقليص حجم الجبهة الشعبية لتحرير تيغري خاصة في ظل ما حمله التاريخ من تصدعات بين الطرفين عام 1998 على الرغم من الدعم الإريتري القوي لتمرد الجبهة الشعبية لتحرير تيغري ضد “منغستو هيلا “.  

بالإضافة إلى ذلك ، ازداد اعتماد القوات الفيدرالية على الدعم الإريتري وسط المواجهة المسلحة بين إثيوبيا والسودان حول منطقة حدودية متنازع عليها، ففي منتصف ديسمبر ، اندلعت الاشتباكات مرة أخرى في منطقة الفشقة على طول الحدود الإثيوبية السودانية بعد أن تحرك الجيش السوداني للسيطرة على الأراضي التي احتلها الإثيوبيين منذ منتصف التسعينيات

هناك عامل آخر يشير إلى استمرار الصراع وهو أن الحكومة الفيدرالية لم تحقق بالكامل أهدافها الرئيسية للتدخل: نزع سلاح الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ، ومحاكمة جميع قادة تيغراي المطلوبين وإعادة تشكيل حكومة دستورية في تيجراي. مع اقتراب موعد الانتخابات في إثيوبيا (باستثناء تيغراي) ، من المرجح أن يشعر “أبي أحمد” بالقلق من أنه سيبدو ضعيفًا إذا خضع للمحادثات مع قيادة تيجراي الهاربة التي صنفتها حكومته على أنها خيانة.

علاوة على السابق ، يواجه أبي ضغوطاً محلية قليلة لتغيير مساره، إلا أن الحرب في تيجراي تتمتع بتأييد شعبي واسع في معظم أنحاء إثيوبيا ، ونجح أبي في تصوير الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على أنهم أعداء كانوا يسعون إلى  إشعال الحرب الأهلية على مدار العامين الماضيين.

تداعيات متعددة

بالنظر إلى عدد سكان إقليم تيجراي فإن التقارير قد قدرت وجود نحو 4.5 مليون شخص أو أكثر من السكان، تلك الاعداد باتت بحاجة ماسة إلى إمدادات غذائية طارئة، وقد عانت تلك الأعداد من نقص للمواد الغذائية والكهرباء والاتصالات وغيرها من الخدمات الأساسية لأكثر من أربعة أشهر، ومطلع مارس من العام الجاري توقعت توقعت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة أن تعاني أجزاء من شرق ووسط تيغراي من “نتائج طارئة” – أقل بقليل من ظروف “المجاعة” – حتى سبتمبر على الأقل.

لقد فاقمت الحرب في الإقليم من زعزعة الأمن الغذائي وتدمير المرافق الصحية وعمليات النهب الواسع للممتلكات العامة والخاصة إغلاق الاتصالات السلكية واللاسلكية ، وإغلاق البنوك، علاوة على ذلك ، أدى الصراع إلى نزوح ما يقرب من مليون شخص داخل تيجراي ، وكثير منهم من غرب تيجراي. 

لقد ساهم الضغط الدولي في وعد الحكومة الفيدرالية بالوصول “غير المقيد” للمساعدات ، الأمر الذي ينبغي أن يؤدي إلى مزيد من الإغاثة في المناطق الخاضعة للسيطرة الفيدرالية، كما خففت السلطات العوائق البيروقراطية أمام الوصول إلى المنطقة وهناك بالفعل المزيد من العاملين في المجال الإنساني على الأرض. 

غير أن تواجد قوات الدفاع التيغراي تحتفظ بأرض ووجود القوات الإريترية تعني أن عمال الإغاثة لن يصلوا إلى أجزاء كبيرة من تيغراي ما لم تسمح لهم السلطات بالتفاوض بشأن الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها تيغراي وإقناع الإريتريين بالسماح باستمرار بزيادة تدفق المساعدات. بدأ وصول المساعدات الإنسانية بشكل أكبر إلى بعض المناطق التي تسيطر عليها إريتريا في مارس، ولكن مع عدم اقتراب نهاية النزاع ، فمن المرجح أن تظل المساعدة الإنسانية غير كافية. هناك خطر حقيقي من حدوث مجاعة جماعية في الأشهر المقبلة ، خاصة إذا توقف موسم الحرث والزراعة ، مع بدء هطول أمطار غزيرة في شهر يونيو تقريبًا، وفي المجمل فإن الأطراف الأربعة متهمون بارتكاب فظائع ضد المدنيين.  

منع التكرار والتفشي 

إذا استمرت الحرب ، فإنها ستشكل تهديدًا خطيرًا لاستقرار إثيوبيا الشامل وربما على منطقة القرن الأفريقي بأكملها. كان أحد بواعث القلق التي أبرزتها مجموعة الأزمات في بداية النزاع هو أنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم المشاكل في إثيوبيا ، مثل تصاعد عمليات القتل الطائفي في منطقة بني شنقول-جوموز ، المتاخمة للسودان في الغرب ، واستياء الغليان في أكبر منطقة في البلاد ، أوروميا ، وخطوط الصدع الوطنية. تزايد الأعمال العدائية مع السودان يعقد الصورة أكثر.

في الوقت الحالي ، يبدو أن السلطات لديها سيطرة كافية في معظم المناطق خارج تيغراي ، لكنها قد تفقدها. في أوروميا ، موطن تمرد متزايد ، السخط السياسي مرتفع ، على الرغم من أن المعارضة مجزأة نسبيًا. إذا اشتد القتال في تيغري – وتصاعدت الاشتباكات مع السودان – فقد يشعر معارضو أديس أبابا في هذه المنطقة بالجرأة مع اقتراب انتخابات 5 يونيو. يمكن أن تعمق الانتخابات خطوط الصدع ، لا سيما بالنظر إلى أن أحزاب المعارضة الرئيسية في أوروميا تقاطعها بحجة قمع الدولة. وهكذا ، في حين أن أبي لا يزال يحظى بدعم محلي للتدخل في تيغراي ، فإن الصراع الذي طال أمده هناك يهدد بإثارة الاضطرابات في مكان آخر.

 محادثات السلام تبدو بعيدة المنال. في ساحة المعركة ، يتأرجح كلا الجانبين لضربة قاضية ، لكن لا يمكن لأي منهما أن يأمل بشكل واقعي في الهبوط ، بغض النظر عما إذا كانت إريتريا ستنسحب أم لا. لا تستطيع الحكومة الفيدرالية القضاء على المقاومة المسلحة ، التي يبدو أنها مترسخة في المناطق الريفية وتحظى بدعم شعبي واسع النطاق. ليس لدى قوات دفاع تيغراي أي فرصة لإعادة بسط سيطرتها على تيغراي بالنظر إلى الموارد – وخاصة القوى العاملة – تحت تصرف أديس أبابا (وأسمرا). علاوة على ذلك ، ترفض الحكومة الفيدرالية فكرة التفاوض مع قيادة تيغراي المخلوعة ، والتي تتهمها بالخيانة. يبدو أن هذا الموقف لا يزال يحظى بالكثير من الدعم الشعبي في إثيوبيا خارج تيغراي. وفي الوقت نفسه ، يعتبر العديد من سكان تيغراي ، بمن فيهم كبار المسؤولين السابقين ، أن إعادة الحكومة الإقليمية لجبهة التحرير الشعبية لتحرير تيغراي أمر ضروري لاحترام حقوق تيغراي في تقرير المصير. من الصعب تخيل قبول أديس أبابا لهذا المطلب.

علاوة على ذلك ، فإن الطريق إلى انسحاب إريتريا وأمهرة مليء بالعقبات. بالإضافة إلى الرئيس أسياس ، الذي للأسباب المذكورة أعلاه ، وعلى الرغم من إعلان أبي بانسحاب القوات الإريترية ، قد يتردد في فعل أي شيء يخفف الضغط على الجبهة الشعبية لتحرير تيغري ، قد يمثل قادة ونشطاء أمهرة تحديًا. ويعتقدون أنهم تصرفوا لمصلحة العدالة من خلال استعادة الأراضي في تيغراي ، وزعموا أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قد ضمتها في أوائل التسعينيات. حتى لو أراد إزالة الأمهرة ، فسيتعين على أبي أن يفعل ذلك بالقوة ، مما سيؤدي إلى توتر علاقاته مع قادتهم ، وإضعافه سياسيًا ، وبالتالي تعزيز مقاومة تيغراي وموقف السودان. إن تحركًا فيدراليًا ضد الأمهرة من شأنه أن يوسع الانقسامات في حزب الرخاء الذي يتزعمه أبي ، حيث تبرز التوترات بالفعل بين أكبر فصلين إقليميين في أمهرة ومنطقة أوروميا ، مسقط رأس أبي. كما أن سيطرة أمهرة على غرب تيغري تخلق منطقة عازلة لمنع قوات دفاع تيغراي من إعادة الإمداد عبر شرق السودان. قد تغري التوترات المتصاعدة بين الخرطوم وأديس الجيش السوداني لدعم قوات تيغراي إذا غادرت الأمهرة تيغراي.

قد يؤدي وقف الأعمال العدائية في تيغراي وتحسين الظروف الإنسانية إلى تمهيد الطريق للمحادثات. ربما سيرغب “أبي أحمد “ في متابعة تلك المفاوضات بعد الانتخابات ، على افتراض أن حزب الرخاء الذي ينتمي إليه يفوز بأغلبية في البرلمان الفيدرالي وأن رئيس الوزراء في موقع أقوى. ستركز المحادثات على إيجاد تسوية مستدامة ، بما في ذلك القضية المزعجة للتمثيل السياسي في تيغراي ، بالنظر إلى الدعم الشعبي الواسع لقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. نظرًا لأن القضايا شائكة جدًا ، يجب أن تغذي هذه العملية نوع الحوار الوطني الشامل الذي من شأنه أن يعالج الانقسامات المزعزعة للاستقرار الأوسع في إثيوبيا – كما دعت كرايسز جروب وآخرون منذ فترة طويلة.

الاستنتاجات

من خلال قراءة التحليل السابق يمكن استنتاج الآتي:

  • هناك احتمالة لأن يتحول الصراع الجاري إلى حرب طويلة الأمد، وذلك لكون أن هناك حالة من الارتباط الشعبي المتجذر بحقوق الإقليم في تقرير المصير التي لطالما سعى إلى تحقيقها، إلى جانب استمرارية المقاومة التيغراية وتصميم السلطات الإثيوبية والإريترية على عدم فتح نوافذ للحوار مع قادة تيغراي، وهو الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير كامل لتيغراي وما يتبعها من عدم استقرار داخل إثيوبيا وهو ربما يمتد إلى منطقة القرن الأفريقي.
  • واتصالاً بالنقطة السابق؛ يدمر هذا الوضع المتشابك أى احتمالية للانتقال الديمقراطي بقيادة “أبي أحمد” إلى جانب أنها تساعد على زعزعة استقرار إثيوبيا.
  • لحلحلة تلك الأزمة يجب العمل على وقف الأعمال العدائية الذي يسمح بتوسيع وصول المساعدات الإنسانية، كأولى الخطوات العملية في هذا الصراع، والتي ستساهم بصورة كبيرة في تقليل المعاناة الإنسانية وتمهد الطريق للعودة إلى الحوار. 
  • إن السعي المستمر للاستقلال من شأنه أن يؤجج النزاع الإقليمي بين أمهرة وتيجراي وقد يزعزع استقرار إريتريا، مما يتسبب في سنوات عديدة من الصراع.

Scroll Up