منذ أن شرعت الدولة المصرية في تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي سعت بخطوات متوازية لتطبيق برامج الحماية الاجتماعية الشاملة بغرض حماية الأسر الأقل دخلًا من الآثار الناجمة عن الاصلاح الاقتصادي. فقد أطلقت مصر برامج مختلفة على الصعيد الاجتماعي والصحي بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسعت في برامج الائتمان الاجتماعي والصحي كبرنامج تكافل وكرامة الذي يهدف إلى دعم الأسر الأكثر احتياجًا تحت رعاية وإشراف وزارة التضامن الاجتماعي، بالإضافة إلى المبادرات الرئاسية: مبادرة حياة كريمة، ومبادرة 100 مليون صحة، فكيف ساهمت هذه البرامج والمبادرات في تطور حقوق الإنسان في مصر؟

متلازمة التنمية والعدالة

تصنف الأمم المتحدة حقوق الإنسان إلى حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتعد هذه الحقوق مصفوفة واحدة متداخلة ومترابطة، لا يمكن الفصل بينها، وتجتمع هذه الحقوق في صيغة موحدة أعم وأشمل هي الحق في التنمية المستدامة في كل المجالات، فالتنمية كحق من حقوق الإنسان وفق الإعلان الدولي حول الحق في التنمية الصادر في 1986 تعرف بكونها مسارًا اقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وسياسيًا شاملًا، يهدف إلى تحقيق رفاهية الإنسان.

وعليه باتت التنمية وفق هذا الإعلان المكون الأساسي لمنظومة حقوق الإنسان. لذا تم بناء رؤية مصر 2030 كخطة استراتيجية طويلة المدى لتسعى إلى تحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة في كل المجالات، بما يضمن المساواة في الفرص والموارد. 

فالتنمية البشرية بمقوماتها كالتعليم والصحة لا يمكن أن تتحقق دون أن يصاحبها تنمية اقتصادية شاملة تساهم في خفض نسب الفقر والمرض والبطالة، لذا تعد برامج الحماية الاجتماعية أداة فعالة للوقاية من هذه المخاطر، ومعول لبناء العدالة الاجتماعية. فقد حددت الأمم المتحدة العلاقة بين العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية كنهج يوضح قدرة الأفراد على تحقيق الرفاهية وعلاقة ذلك بنسبة مشاركتهم في الأنشطة الاقتصادية أو السياسية.

لذلك فإن آثار برامج الحماية الاجتماعية تساهم بفاعلية أكبر إذا ما تم بناؤها وفق منظور شامل يهدف إلى معالجة جذرية لأسباب المشكلة الاجتماعية ولا يسعى إلى تخفيف التداعيات الاقتصادية انطلاقًا من مفهوم المساعدة فقط. ويظهر هذا جليًا في برامج الحماية الاجتماعية والمبادرات الرئاسية التي أطلقتها الدولة المصرية، فهذه البرامج تعد تحولًا نوعيًا في مفهوم سياسات الحماية الاجتماعية في مصر، حيث تضمنت هذه البرامج والمبادرات استراتيجيات اقتصادية واجتماعية شاملة، وهدفت إلى إصلاحات مستدامة لمعالجة بعض الثغرات الهيكلية معالجة جذرية كالقضاء على مرض الكبد الوبائي ضمن مبادرة 100 مليون صحة، وغيرها.

المادتان (9،11)

تنص المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان على “الحق في الضمان الاجتماعي، بما في ذلك (التأمينات الاجتماعية)؛ وتنص المادة الحادية عشر من ذات العهد على “الحق في المستوى المعيشي الكافي، بما في ذلك (الحق في الغذاء، الحق في السكن اللائق، الحق في الماء والصرف الصحي).

وتبرهن نتائج برامج الحماية الاجتماعية التي نفذتها مصر على تحقق أهداف هاتين المادتين، حيث هدف برنامج تكافل وكرامة إلى حماية الأفراد أصحاب الدخل المنخفض من خلال توفير دعم نقدي شهري، وقد بلغ عددهم حتى عام 2019 أكثر من 12 مليون فرد بقيمة دعم نقدي تخطت 18.5 مليار جنيه سنويًا وفق ما أعلنته وزارة التضامن الاجتماعي.

واستهدف برنامج تكافل وكرامة فئات مختلفة تضمنت: كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وأصحاب الأمراض المزمنة من غير القادرين على العمل، وبلغت قيمة الدعم الشهري لرب الاسرة من حالات كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة من غير القادرين على العمل 325 جنية بالإضافة إلى دعم التعليم بمخصصات محددة لكل مرحلة تعليمية، بينما بلغت قيمة الدعم الشهري لذوي الاحتياجات الخاصة 450 جنيه للفرد بحد أقصى 3 أفراد في الأسرة الواحدة بأجمالي يصل إلى 1350 جنيه شهريًا.

أما المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” التي تم إطلاقها في يوليو 2019، فكان لها الأثر الأكبر في تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال رفع مستوى المعيشه في القرى الأكثر احتياجًا، حيث تضمنت المرحلة الأولى من المبادرة والتي انتهت في ديسمبر الماضي 2020 رفع كفاءة 143 قرية في 11 محافظة بجملة اعتماد مالي بلغ 5،5 مليار جنيه بتدفق مالي على مرحلتين بواقع 3،3 مليار جنيه للعام المالي 2019-2020، و2،2 مليار جنيه للعام المالي 2020-2021، وبلغ عدد الافراد المستفيدين من المبادرة خلال هذه المرحلة 1،8 مليون مواطن، وفق ما أعلنته وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية ضمن تقرير تقييم المبادرة الصادر في يناير الجاري.

وجاءت نتائج هذا التقييم لتثبت بالأرقام مساهمة مبادرة حياة كريمة في تحقيق المبدأ الحادي عشر من مبادئ حقوق الإنسان، حيث انخفض معدل الفقر بمعدل 14 نقطة مئوية، وارتفع مؤشر الرفاه (جودة الحياة) بتحسن بلغ 18 نقطة مئوية، وعلى صعيد توفير المياه النظيفة والصرف الصحي كحق من حقوق الإنسان، فقد سجل التقرير تحسنًا في التغطية بالصرف الصحي بلغ حوالي 46 نقطة مئوية، أما على صعيد توفير العمل اللائق فقد ساهمت المبادرة في توفير 71 ألف فرصة عمل من خلال اتاحة مشروعات صغيرة بقيمة 438 مليون جنيه ضمن المرحلة الأولى.

المادة (12):

تنص المادة الثانية عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان على “الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية”، وباعتراف دولي ساهمت برامج الحماية الاجتماعية التي نفذتها مصر في هذا الصدد تحقق هذا المبدأ، حيث أشادت منظمة الصحة العالمية بنتائج المبادرة الرئاسية 100 مليون صحة في مكافحة مرض الكبد الوبائي، ووصفته بأكبر مسح طبي في تاريخ الإنسانية من حيث الجودة والسرعة والكفاءة وعدد المنتفعين منه بالمجان، حيث تم مسح 60 مليون مواطن في فترة زمنية بلغت 7 اشهر فقط للكشف عن الاصابة بفيروس سي وتلقي العلاج وفق ما أعلنته وزارة الصحة المصرية في يوليو الماضي 2020.

والجدير بالذكر أن مبادرة 100 مليون صحة تضمت برامج رعاية صحية شاملة لكافة الفئات والأفراد، حيث توسعت الحملة لتشمل الكشف عن الأمراض غير السارية (داء السكري، ضغط الدم، السمنة)، ومبادرة صحة المرأة للكشف المبكر عن أورام الثدي، بالإضافة إلى مبادرة الكشف عن الأمراض الناتجة عن سوء التغذية (السمنة، النحافة، التقزم) لدى الأطفال وخاصة طلاب المدارس، حيث بلغ عدد النساء اللاتي تم الكشف عليهن ضمن مبادرة الكشف المبكر عن سرطان الثدي 2 مليون سيدة بالمرحلة الأولى، و510 الف سيدة بالمرحلة الثانية، بينما تستهدف مبادرة الكشف عن الامراض الناتجة عن سوء التغذية مسح 12مليون طالب فى أكثر من 22 ألف مدرسة بجميع محافظات مصر.

ولا تقتصر الرعاية الصحية على مبادرة 100 مليون صحة فقط، فقد تضمنت مبادرة حياة كريمة برامج للرعاية الصحية للقرى الأكثر احتياجًا، حيث سجلت المبادرة في المرحلة الأولى تحسن في معدل التغطية بالخدمات الصحية بحوالي 24 نقطة مئوية، وفق تقرير وزارة التخطيط السابق ذكره.

المادتان (14،13):

تنص المادتان الثالثة عشر، والرابعة عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان على “الحق في التعليم” وتؤكد أهداف برامج الحماية الاجتماعية التي نفذتها مصر على سعيها لتوفير هذا الحق، حيث وفرت وزارة التضامن الاجتماعي من خلال برنامج تكافل وكرامة دعم نقدي لأبناء الأسر الأولى بالرعاية لمساعدتهم على استكمال مراحل تعليمهم، حيث قامت بدعم الطالب بمبلغ شهري قيمته 80 جنيه إذا ما كان مقيدًا بالمرحلة الابتدائية، و100جنيه للمرحلة الاعدادية، و140 جنيه للمقيدين بالمرحلة الثانوية، شريطة مواظبة الطالب على الحضور الفعلي للمدرسة بنسبة 80% شهريًا من اجمالي فترة الدراسة، بما يضمن تقليل نسبة التسرب من التعليم، ونسبة عمالة الأطفال.

أما عن إسهامات المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” في توفير الحق في التعليم فقد حققت المبادرة في مرحلتها الأولى تحسن بلغ 12 نقطة مئوية في معدل توفير الخدمات التعليمية، وفق نتائج التقرير السابق ذكره، الأمر الذي دفع القيادة السياسية إلى الاعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من المبادرة لتستهدف 1381 قرية مصرية.

وبالاستعراض السابق يمكن أن نقر بأن برامج الحماية الاجتماعية والمبادرات الرئاسية ساهمت بشكل ملحوظ في تحسن مؤشر نمو حقوق الإنسان في مصر، لكن يظل ضبط النمو السكاني محرك أساسي للحفاظ على ثمار التنمية بما يحقق تقليل شتى أنواع التفاوت بين المحافظات المصرية المختلفة.

Scroll Up