أزمة دولية تلوح في الاّفق عنوانها موسكو وكييف، فعلى مدار الأيام القليلة الماضية تصاعدت التوترات بشكل غير مسبوق بين أوكرانيا وروسيا، بعد أن اتهمت أوكرانيا روسيا بحشد آلاف العسكريين على حدودها الشمالية والشرقية وكذلك في شبه جزيرة “القرم”، الأمر الذي أثار مخاوف المجتمع الدولي.  

قامت روسيا بنقل أعداد كبيرة من الدبابات وناقلات الجُند المدرعة إلى المناطق المتاخمة لأوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في عام 2014، قدَّرت تقارير أن موسكو أرسلت نحو 4000 جندي روسي إلى الحدود مع أوكرانيا، تزامنًا مع تسجيل المئات من حالات انتهاك وقف إطلاق النار في المناطق الشرقية التي يسيطر عليه الانفصاليون الموالون لروسيا، وذلك على إثر تبادل اتهامات متبادلة بين قوات الجيش الأوكراني والانفصاليون الموالون لروسيا بش هجمات في منطقة “دونيتسك” في 4 أبريل 2021. ويذكر أن المتمردين قد سيطروا على أجزاء من منطقتي “دونيتسك” و”لوهانسك” على طول الحدود الروسية لما يقرب من سبع سنوات، ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 13 ألف شخص خلال تلك الفترة.

بهذه الخطوات التصعيدية من الجانب الروسي، يتوقّع أن تٌقدم موسكو على فرض سيطرتها على مناطق جديدة داخل أوكرانيا، بما يُنذر بتصعيد الصراعات الثنائية بين البلديْن. 

تبدو التحركات الروسية مُريبة في نظر البعض، إلا أنه لا تأتي بمعزل عن تطورات ميدانية وجيوسياسية متسارعة في نظر البعض الأخر. حيث تتهم موسكو كييف بموجب تلك التطورات بالإمعان في خروقات وقف إطلاق النار والاستفزازات المتكررة، ويأتي ذلك بالتزامن مع تكثيف الناتو نشاطه العسكري في مناطق متاخمة؛ الأمر الذي يصفه الكرملين بالخطير، ويحذر من ظهور قوات أمريكية في أوكرانيا أو تعزيز الناتو لوجوده في دول الجوار؛ ما قد يدفع موسكو بالرد بما تراه مناسبًا.

هذه التطورات أثارت قلق زعماء الاتحاد الأوروبي، في السياق ذاته يًشكل حجم الاهتمام الأمريكي بتطورات الأوضاع في تلك المنطقة والدعم السريع من قِبل الإدارة الأمريكية الجديدة لكييف، اختبارًا مبكرَا لإدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، وكيف سيمكنه اتخاذ موقف صارم إزاء موسكو؟ في الوقت الذي يسعى فيه لإصلاح العلاقات مع الناتو بعد ان شابها عدم الثقة والتوترات أحيانًا، نتيجة لسياسات الرئيس السابق “دونالد ترامب”.

تضامن دولي مع أوكرانيا

الموقف الأمريكي، ردًا على خطوات روسيا التصعيدية، جاءت ردود الأفعال الدولية متضامنة مع أوكرانيا، ومُشددة على ضرورة احترام سياتها. في الوقت ذاته، وفي خطوات ملموسة رفعت القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا درجة استعدادها القصوى للرد على أي تحركات روسية محتملة تجاه أوكرانيا، كما أجرى الرئيس الأمريكي “جو بايدن” أول مكالمة هاتفية مع نظيره الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، أكَّد خلالها دعم “واشنطن” لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية في مواجهة ما وصفه بالعدوان الروسي المستمر في “دونباس” و”شبة جزيرة القرم”. 

الموقف الأوروبي، لم تتوان أوروبا في تقديم دعمها لكييف، تأتي ذلك من خلال إعراب الاتحاد الأوروبي عن قلقه إزاء “الانتهاكات المتزايدة لوقف إطلاق النار”، ومؤكدًا دعمه للحكومة الأوكرانية، وعلى وحدة وسلامة أراضيها، في صراعها مع المتمردين الموالين لروسيا في شرق البلاد. كما وصفوا الأعمال الروسية بالمزعزعة للاستقرار والتي تقوِّض كافة الجهود المبذولة لتهدئة التوترات 

بينما دعت ألمانيا وفرنسا – اللتان تساعدان في إيجاد حل للنزاع الأوكراني من خلال ما يسمى بـ “صيغة نورماندي” – جميع الأطراف إلى التحلِّي بضبط النفس، والعمل من أجل التهدئة الفورية، 

إزاء الإعلان الأوروبي بتقديم الدعم لكييف، حذر الكرملين، من أن أي نشر لقوات الناتو في أوكرانيا سيزيد من حدة التوترات، وسيدفع روسيا إلى اتخاذ تدابير إضافية لحماية نفسها.

دوافع موسكو للتصعيد في أوكرانيا

دافعت روسيا عن تحركاتها الأخيرة، بأنها تُحرك قواتها داخل أراضيها، وأنها لا تشكل تهديدًا لأي طرف، يتزامن ذلك مع من أعلن عنه الجيش الروسي في الأول من أبريل بأنه سيجري تدريبات عسكرية قرب الحدود مع أوكرانيا يشارك فيها أكثر من 15 ألف جندي، فضلًا عن وحدات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي.

لكن يُمكن ترجيح عدد من الأسباب الغير مُعلنة، والتي رًبما تكون من أهم دوافع موسكو للتصعيد مع كييف، أول هذه الأسباب هو، اقتراب الانتخابات البرلمانية في روسيا، والمقرر عقدها في سبتمبر 2021، ونتيجة تراجع شعبية حزب الرئيس بوتين السياسي “روسيا الموحدة”، فقد يكون قرار موسكو بتعزيز قواتها على الحدود الشرقية مع كييف، خطة مدروسة من قبل القيادة الروسية للحصول على التأييد، وزيادة شعبيته عبر احراز انتصار خارجي.  وهو ما عمل الإعلام الروسي على الترويج له خلال الأيام الماضية على فكرة تأهُّب أوكرانيا لشن هجوم عدواني ضد المدنيين في “شبه جزيرة القرم”؛ وذلك لتبرير أي تحرك عسكري روسي مستقبلي ضد كييف. 

السبب الثاني، هو تلاشي الآمال الروسية لتحقيق اتفاقية سلام مع الرئيس الأوكراني “زيلينسكي”، في ضوء رفض أوكرانيا فكرة غضّ الطرف عن السيادة الأوكرانية في الشرق، واستهداف حلفاء “الكرملين” وأنصار “بوتين” داخل أوكرانيا. حيث أثار زيلينسكي غضب موسكو من خلال استهداف صديق بوتين الشخصي والحليف المقرب والنائب الأوكراني “فيكتور ميدفيدشوك”، واتهامه بتحقيق مكاسب متزايدة.

السبب الأخر، هو ما يراه الخبراء والمتخصصون بالشأن الروسي والدولي إذ أوضحوا أن روسيا باتت تعتمد على سياسة “حافة الهاوية” في التعامل مع أوكرانيا، وأنه يمكن تفسير أي هجوم من قِبلها على أوكرانيا، باعتباره رغبة منها في السيطرة على القناة المائية في ولاية “خيرسون” لنقل المياه من نهر “دنيبر” إلى “شبه جزيرة القرم، أو قد تسعى روسيا إلى إدخال “قوات حفظ سلام” فيما يسمى بجمهوريات لوهانسك ودونيتسك الشعبية.

التصعيد الروسي.. اختبار لإدارة بايدن

تمثل الزيادة الأخيرة في النشاط العسكري الروسي، تحدياً جديداً لسياسة بايدن الخارجية بعد تعهده باتخاذ موقف أكثر صرامة مع روسيا من الرئيس السابق ترمب الذي أدت علاقته بالرئيس الروسي بوتين إلى تصاعد الاتهامات ضده بأنه كان لطيفاً وليناً مع موسكو بدرجة غير مقبولة ولا تعبر عن حقيقة الخطر الذي تمثله سياسات بوتين ضد الولايات المتحدة.

وإزاء التصعيد الروسي في أوكرانيا، سيتعين على الإدارة الأمريكية الجديدة اتخاذ موقف صارم يبلور رؤيتها للشكل الذي يُمكن ان تسير عليه العلاقات الأمريكية الروسية في قادم الأيام، وفي هذا السياق يتوقع أن تتحرك الولايات المتحدة بشكل أكثر صرامة في حال وجّهت روسيا ضربات عسكرية لأوكرانيا، وسيكون ذلك عبر فرض عقوبات على بنوك روسية كبرى مثل Vnesheconombank، وعلى خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، مع توجيه رسالة مباشرة إلى “بوتين” لمطالبته بوقف العدوان على أوكرانيا.

في السياق ذاته، فإن الاتصالات التي أجراها المسؤولون الأمريكيون مع نظرائهم الأوكرانيين مع بدء التصعيدات الروسية، تأتي في سياق التأكيد على الدعم الأمريكي للسيادة الأوكرانية، وكرسالة تحذيرية إلى روسيا مفادها أنه في حالة إقدامها على أي هجوم عدائي فإن ذلك سيتسبب في فرض عقوبات جديدة عليها.

كما تجدر الإشارة إلى أن الاستفزازات الروسية ربما تمثِّل حافزًا للولايات المتحدة لتقييم مستوى مشاركتها في عملية السلام داخل أوكرانيا، كما أن التوسع العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية يجب أن يدفع دول أوروبا والولايات المتحدة لتغيير نهجها الأمني؛ لزيادة تأمين أعضاء حلف الناتو. 

إذ أن الحشد العسكري الروسي بالقرب من الحدود الأوكرانية لن يؤثر على أمن أوكرانيا وحدها، ولكنه سيؤثر على أمن أعضاء حلف الناتو الأوروبيين، وتحديدًا بولندا، ولاتفيا، وليتوانيا؛ إذ تعمل روسيا على تطوير قدراتها العسكرية في مدينة “كلينينجراد” الفيدرالية، كما توسِّع نطاق نفوذها العسكري في بيلاروسيا، مستغلة ضعف وعزلة رئيسها “ألكسندر لوكاشينكو” 

سيناريوهات مُرجحة

  • استبعاد سيناريو الحرب: فروسيا لن تقدِم على شن هجوم عسكري على أوكرانيا؛ لأن هذا يعني قطع علاقاتها مع الدول الغربية، وهو ما لا يسعى إليه “بوتين” في الوقت الراهن مع اقتراب الانتخابات البرلمانية.
  • عدم التصعيد: حذرت روسيا حلف شمال الأطلسي من أن نشر أي قوات في أوكرانيا وهددت بأن مثل هذه الإجراءات ستصعد التوترات وأن موسكو ستضطر للرد.
  • انضمام أوكرانيا لحلف الناتو: وهو ما تمثل في دعوة الرئيس الأوكراني “زيلينسكي”، في 6 أبريل، حلف شمال الأطلسي (الناتو) لقبول طلب انضمام بلاده إلى الحلف، موضحًا إنها الطريقة الوحيدة لإيقاف القوات الانفصالية الموالية لروسيا.

في الأخير، يُكن ترجيح التحركات الروسية الأخيرة بأنها تأتي في إطار مساعيها للضغط على كل من أوكرانيا، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الامريكية للحصول على امتيازات تجارية، ولا سيما فيما يتعلق بخط أنابيب الغاز الطبيعي “نورد ستريم 2″، والمفاوضات التي تقودها برلين بشأن وقف إطلاق النار شرق أوكرانيا، أو الحصول على مكاسب على الصعيد المحلي في ضوء اقتراب الانتخابات البرلمانية القادمة في روسيا. لكن بلا شك إذا ما استمر التصعيد الروسي في الازدياد، فإن ذلك سيُشكل مرحلة جديدة من الصراع سيكون لها تداعيات خطيرة على الأمن الدولي.

Scroll Up