أكد الدكتور خالد عكاشة المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن مفهوم حقوق الإنسان يمتد بأصوله وجذوره الفكرية والفلسفية في أعماق التاريخ الإنساني، شهد خلاله جدليات وأطروحات سارت في اتجاه ترسيخ لمفهوم حقيقي يستجيب لكافة التحديات التي يواجهها البشر، ويدشن لأساس يمتثل إليه في إنسانيته وكرامته، مشيرا إلى أن أحداثا وقعت مثلت نقاطًا للتحول التاريخي والفكري للإنسان دفعته إلى التأمل في وضعه الراهن وما توصل إليه، والبحث عن موارد يحشدها للسعي إلى تحقيق أهدافه المنشودة.
وذكر عكاشة – في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر “حقوق الإنسان.. بناء عالم ما بعد الجائحة” الذي ينظمه المركز وتنطلق فعالياته اليوم الخميس – أن إحدى المحطات الرئيسة في هذا المسار التاريخي كانت في منتصف القرن العشرين هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والذي جاء كاستجابة عالمية متراكمة لإرث فكري، اتخذت من الإنسانية وصيانتها محكمًا لها في مجابهة الأيديولوجيات العنصرية والمتطرفة بعد اندلاع حرب عالمية كان الخاسر الأكبر جراء اشتعالها هو الإنسان.
وقال إنه إبان عهود الاستقلال في ستينات القرن الماضي، مثلت التنمية الاقتصادية والاجتماعية مثار الجدل الأساسي للدول حديثة الاستقلال، ليأتي الإعلان عن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كاستجابة إنسانية أخرى في مسار التحديات التاريخية التي يجابهها الإنسان.
ولفت إلى أن منظومة الحقوق شهدت تطورًا وفهمًا أكثر عمقًا يجسد تراكم المعرفة البشرية من ناحية، ويستجيب لأجيال جديدة من التحديات من ناحية أخرى. فهناك دائمًا حقوق يتم العمل على تحقيقها وتعزيزها في المنظومات العاملة بالدول والمجتمعات، وهناك إنسان يمثل غاية أساسية لتلك المنظومات.
وأكد أن البشرية تشهد حاليا تحديا غير مسبوق من حيث اتساع نطاق انتشار لوباء مجهري مثّل خطرًا محدقًا على الإنسان وحقوقه من ناحية، وأتاح لنا جميعًا فرصة اكتشاف أن لدينا مصيرًا مشتركًا يجمعنا مهما تفاوتت الظروف أو اتسعت الهوة بين الدول من ناحية أخرى. فالتأثير الأبرز لجائحة كورونا استند إلى إعادة النظر والمراجعة الشاملة لجميع نواحي الحياة الإنسانية، والوقوف على عظات العلاقة بين التاريخ والأوبئة، والقفز بالإنسان ليصبح هدفًا في حد ذاته، تتضافر من أجله الجهود، وتُضمن له حقوق إنسانية تصون له الكرامة والعيش الكريم.
وأوضح أنه في لحظة التأمل الإنساني لما توصل إليه العالم من معرفة متطورة تدفع به إلى طريق التعافي الصحي على غير شاكلة ما طرأ في العهود السابقة وحتى بدايات القرن العشرين، هناك لحظة أخرى موازية يتعرض فيها الجنس البشري لصراعات عالمية وتنافسات استراتيجية وصعود لإيديولوجيات شوفينية معادية لأفكار المساواة وتتسم بالأنانية والتعصب، وهي تحديات تعمل بدورها على زيادة حرج اللحظة الراهنة وتضع تحديات أمام المؤسسات الدولية وتزيد من مساحة التأزم والتي وصلت إلى دول ومجتمعات لم نكن نتوقع أن تصل بها الأمور إلى هذا الوضع.
وقال إن ما شاهدناه من صور ومقاطع مصورة وتقارير عالمية مثل صدمة لم تكن مجالًا للخيال في ظل عصر العلم والتكنولوجيا والسعي البشري للتحكم في جميع مجريات الأمور، وأعاد التفكير في تطبيق حقوق الإنسان على الصعيد العالمي ومخاطبة قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تظهر على السطح إلا بمجيء حدث جلل مثّل اختبارًا حقيقيًا لتطبيق منظومة حقوق الإنسان.
واعتبرت أن الاستجابة الإنسانية إزاء تلك اللحظة الحرجة جاءت في ربط يوم حقوق الإنسان العالمي في العاشر من ديسمبر لعام 2020 بجائحة كوفيد-19، والتركيز على الحاجة إلى إعادة البناء بشكلٍ أفضل من خلال ضمان أن تكون حقوق الإنسان أساسيةً في جهود التعافي، والعمل على معالجة التأثير المتبادل ما بين جائحة قضت على حقوق رئيسة للإنسان وانتشرت في مجتمعات اللامساواة والتمييز من ناحية، وبين الفئات الأكثر تضررًا وتهميشًا والتي سرعت من تفاقم المرض وتسببت في انتشاره بوتيرة غير مسبوقة من ناحية أخرى.
وأشار إلى أن الأجندة العالمية لحقوق الإنسان 2020 تناولت أربع قضايا رئيسة، أخذت الإنسان وحقوقه مرتكزًا لها لبناء عالم أفضل ما بعد الجائحة. القضية الأولى هي مناهضة التمييز والعنصرية التي طالما ضربت المجتمعات جراء انتشار الأوبئة على مدار التاريخ، أما القضية الثانية فهي التصدي لغياب المساواة وما خلفته الجائجة من آثار تدميرية على الفئات والمجتمعات المهمشة، والجدل حول إمكانية تدشين عقد اجتماعي جديد يجمع العلاقة بين جميع مكونات المجتمع بشكل يتحقق فيه مزيد من المساواة، وثالثًا تشجيع المشاركة والتضامن كحجر أساس لعالم ما بعد الجائحة وتأكيد الدور المحوري للمجتمع المدني والجمعيات الأهلية الناتج عن تواصلهم المباشر مع المجتمع وأفراده وتحقيق المستهدفات الرئيسية لبناء عالم ما بعد كورونا، وأخيرًا قضية التنمية المستدامة والتي تقع حقوق الإنسان في صميم فلسفتها وعملها.
وشدد على أن المركز المصري اتخذ من أجندة الأمم المتحدة إطارًا عامًا لمناقشتها اليوم في مؤتمر يقوم المركز على تنظيمه وإدارة الحوار حولها. فنحن في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في حالة حوار دائم مع مختلف قوى المجتمع المدني والقوى السياسية ومؤسسات الدولة من أجل تحقيق تقدم وتحسن تدريجي في قضايا حقوق الإنسان بمعناها الشامل.
واليوم، يأتي هذا المؤتمر كأحد الأنشطة الفكرية وساحات الحوار الإضافية التي يحرص المركز على ضمانها، والعمل على تسهيل وتشجيع الحوار بشأن حقوق الإنسان، وليجمع العديد من الأطراف الداخلية المتمثلة في الحكومة والمجتمع المدني والخبراء للدخول في نقاش مع المؤسسات والمنظمات الدولية والصحافة على اختلاف مستوياتها المحلية والدولية حول قضايا حقوق الإنسان الرئيسية، والعمل على إيجاد مناخ عام وحقيقي لإجراء مثل تلك النقاشات البناءة والحرص على دوام تنظيمها بصورة دورية، وتفاعل جميع الأطراف المشاركة والحاضرة والمشاهدة في هذا المجال العام المفتوح والممتدة ذراعيه للإنصات واستيعاب كافة الأطروحات الموضوعة والمثارة بشأن تلك القضية بالغة الأهمية للمواطن والإنسان في حد ذاته في المقام الأول، وإيمان المركز بضرورة وجود الجميع في إطار تلك الحوارات وممارسة دوره البحثي والفكري في استقراء أكبر قاعدة من الأطروحات والأفكار وإنتاجها في صورة بحثية تفيد بها القائمين على دعم الملف، وإمدادهم بالأفكار الموضوعية والآليات بهدف تعزيز مسار حقوق الإنسان، والتي لن نصل إلى أهدافنا العالمية المشتركة ما لم نكن قادرين على خلق فرصٍ متكافئةٍ للجميع، وما لم نتمكن من معالجة الإخفاقات التي كشفتها واستغلتها جائحة كوفيد-19، مع تطبيق معايير حقوق الإنسان للتصدي لأوجه عدم المساواة والإقصاء والتمييز المتجذرة والمنهجية بين الأجيال.
وقال إن أعمال المؤتمر تدور في إطار ثلاث جلسات، تناقش الجلسة الأولى التي عنوانها “الهدف هو الإنسان.. حقوق الإنسان في ظل الجائحة” فكرتي تعزيز الحق في الصحة ومناهضة التمييز والعنصرية التي كشفت عنها الجائحة، بينما تناقش الجلسة الثانية وعنوانها “إشكاليات المساواة وتحفيز جهود التنمية المستدامة” أثر غياب المساواة والتفاوتات في الحقوق على تعميق التداعيات السلبية للجائحة فضلًا عن دور التنمية المستدامة ودورها في تعزيز حقوق الإنسان. أما الجلسة الثالثة بعنوان “بناء عالم ما بعد الجائحة التضامن حجر الأساس” فإنها تناقش دور التضامن الداخلي القائم على توصيل أصوات الأكثر تضررًا وضعفًا للقائمين على جهود الإنعاش، والحاجة إلى التضامن العالمي لدعم ترابطنا وإنسانيتنا المشتركة.
يتشرف المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية اليوم بتنظيم مؤتمر عن حقوق الإنسان وهى القضية التي حظت باهتمام كبير من المركز منذ إنشائه، وإن كان الاهتمام الأكبر يأتي الان المركز المصري و جميع قطاعات المجتمع والدولة المصرية اتساقا مع الإعلان عن عقد حوار موسع وشامل يرتكز على حقوق الإنسان في عالم ما بعد الجائحة لاستشراف ملامح هذا العالم من خلال مناقشة الأجندة الدولية التي أطلقتها الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي، والتي وضعت مناهضة التمييز والعنصرية والحد من عدم المساواة وتعزيز المشاركة والتضامن ودعم التنمية المستدامة كحقوق وأطر رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها لبناء عالم أفضل ما بعد الجائحة.
وإذ يود المركز أن يتقدم بالشكر للسادة الوزراء، وهم وفق ترتيب المشاركات: معالي الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، ومعالي الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، ومعالي الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان، ومعالي الدكتور طارق شوقي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، ومعالي الدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي؛ الذين أبدوا رغبة صادقة ومقدرة من جانبنا في إضفاء ما لديهم من رؤى فكرية وأطروحات تمس محاور المؤتمر المختلفة وتساهم في تدعيم نقاشاته المرجوة منه.
كما نتقدم بالشكر البالغ لأعضاء الهيئة التشريعية من مجلسي النواب والشيوخ لمشاركتهم في حوار اليوم وبما يضيفونه من أطر تشريعية وقانونية تعزز من المناخ العام وترتيباته المستقبلية لبناء عالم أفضل يضع في القلب منه قضية حقوق الإنسان، ويود المركز أن يقدم الشكر للمجالس القومية المصرية المتخصصة لمشاركتهم في المؤتمر ووضعهم لأطروحات فكرية وعملية مصرية معنية بتلك القضية، ونخص بالذكر المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة.
ولا يفوتنا تقديم الشكر والامتنان لسفراء الدول الأجنبية التي حرصت على الحضور معنا اليوم لتحقيق الاستفادة المتبادلة بين تجارب الدول المختلفة. وفي هذا الصدد، نتقدم بالشكر لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية وسفارات الدول الأوروبية، الشركاء الاستراتيجيين للدولة المصرية، وسفارات الدول الأسيوية ذات العلاقات التاريخية والحضارية الممتدة، وسفارات الدول العربية الشقيقة وأخيرًا سفارات الدول الأفريقية ذات البعد والامتداد الحيوي والاستراتيجي والتاريخي للشعب المصري ودولته.
كما نتوجه بالشكر إلى المنظمات الدولية المشاركة بالمؤتمر وممثليهم في القاهرة لابدائهم الاستعداد في خوض حلقات النقاش وامدادنا برؤيتهم لأوضاع حقوق الإنسان على مستوى العالم في ظل الجائحة، وما يمكن استحداثه لتعزيزها ودعمها بالشكل الذي يحقق رفاهية الإنسان وضمان معيشته الكريمة في عالم أكثر اهتمامًا وتقديسًا لكينونته. وفي هذا الصدد يود المركز أن يتقدم بالشكر الخاص لكل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمة الدولية للهجرة كونهم شركاء استراتيجيين للمؤتمر وداعمين رئيسين لشروع المركز في تنظيم هذا الحوار وما يستتبعه من نقاشات وحوارات متبادلة.
كما يتقدم المركز بالشكر لكافة المنظمات المصرية على اتساع نطاقها، والمعنية بحقوق الإنسان ومنظمات ومؤسسات العمل الأهلي والمجتمع المدني للمشاركة ودورهم البارز في ظل الجائحة. ونتقدم بالشكر أيضًا لوسائل الإعلام المصرية الداعمة ويثمن المركز مشاركة مندوبي وسائل الإعلام العربية والأجنبية في مؤتمر اليوم وذلك لحرص المركز المصري باعتباره مركزا للتفكير والدراسات الاستراتيجية على فتح ساحة للحوار ما بين الشخصيات الرسمية والمهتمين والمعنيين بكافة القضايا المتعلقة أو ذات الإرتباط بحقوق الإنسان للوصول لأفضل صورة حوارية نستزيد منها ونستخرج على أسسها آليات وأطروحات تسهم في تعزيز حقوق الإنسان لبناء عالم ما بعد الجائحة.

Scroll Up