عرض – مروة عبد الحليم

نشر مركز بيجين السادات للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي، تقريراً حول الواقع الجديد الذي سيفرضه الاتفاق الاستراتيجي بين “طهران” و”بكين”، خاصة أن الاتفاق جاء في ظل إجماع داخل الولايات المتحدة بضرورة تقليص وجودها في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى علاقاتها التي أصبحت موضع تساؤل مع الدول العربية.

وأشار المركز إلى أن الصين وإيران وقعتا في 27 مارس، اتفاقا موسعا في طهران. لم تكشف القيادة الإيرانية أو الصينية بعد عن تفاصيله، لكن التحليلات تشير إلى أنه سيكون على غرار المسودة المكونة من 18 صفحة والتي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية العام الماضي.

وذكرت “المسودة” أن اتفاقية التعاون مدتها 25 عاما، تشمل استثمارات صينية محتملة بقيمة 400 مليار دولار في صناعات النفط والغاز الإيراني، والاتصالات، والموانئ، والسكك الحديد، وقطاعات أخرى. في المقابل ستحصل الصين على النفط الإيراني بشروط تفضيلية. وهو ما يعني أن بكين، على الرغم من العقوبات الأمريكية القاسية المفروضة على طهران، سيمكنها الاستفادة من النفط الإيراني. وهو ما يحقق مصلحة كبيرة لطهران التي دمرتها العقوبات الاقتصادية وأثرت على صناعة النفط والغاز.

وأشارت المسودة إلى تعميق التعاون العسكري بين البلدين، ويشمل ذلك تدريبات مشتركة وبحوث عسكرية وتبادل معلومات استخباراتية. وقد أجرت الصين تمرينين بحريين مع إيران وروسيا في إطار مكافحة القرصنة والإرهاب، وهو مؤشر خفي على تورط الصين في سلامة طرق تجارة النفط من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ.

ووفقاً للتقرير، يكشف اتفاق التعاون بين الصين وإيران رغبة الصين في إحكام سيطرتها على الشرق الأوسط بأكمله، وما إيران إلا قطعة واحدة على رقعة الشطرنج. فقد أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي الشهر الماضي، جولة في الشرق الأوسط زار خلالها إيران، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وعمان والبحرين. حيث تتطلع القوى الإقليمية الأخرى في الشرق الأوسط إلى تعزيز التعاون والاستثمار مع الصين.

ومن المؤشرات الكاشفة على رؤية الصين الشاملة للمنطقة استعدادها لاستضافة محادثات مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد صرح أحد أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، أن بكين لديها خطة من خمس نقاط “لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من خلال تقديم تعزيزات بناءة للحوار الفلسطيني الإسرائيلي، واستئناف الاتفاق النووي الإيراني وبناء إطار أمني في هذا الصدد.”

البعد الروسي ودوره في العلاقات الصينية الإيرانية

وذكر مركز بيجين السادات للدراسات الاستراتيجية أنه في زخم التركيز على العلاقات الصينية الإيرانية، تغافل بعض المحللين البعد الروسي وأهميته في ازدهار وتنامي العلاقات الصينية الإيرانية. فقد دخلت العلاقات الروسية الصينية حقبة جديدة من التعاون في شتى المجالات تقريبًا.

وعلى الرغم من أن الصين أقوى بكثير اقتصاديًا، إلا أن الجانبين حريصان على إبراز التوازن المشترك بينهما. على عكس آسيا الوسطى أو المنطقة القطبية الشمالية، التي يظهر التنافس الروسي الصيني فيها، في المقابل يعد الشرق الأوسط منطقة للتعاون بينهما.

بالنسبة لروسيا، سيساهم النفوذ الصيني في المنطقة المضطربة على كبح جماح الطموحات الجيوسياسية للغرب. وسيكون النفوذ الصيني موضع ترحيب من قبل موسكو وسيتم النظر إليه على أنه مكون ضروري لتحقيق التوازن في علاقاتها مع الغرب بل والضغط عليه في بعض الحالات. حيث تعمل روسيا في العديد من المناطق عبر أوراسيا، عن كثب مع الجهات الفاعلة الإقليمية لإبقاء الغرب في مأزق. وبالتالي قد يحقق النفوذ الصيني عبر الصفقة مع إيران مكاسب لروسيا تشمل تهميش النفوذ الغربي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تظهر شراكة ثلاثية غير رسمية بين روسيا والصين وإيران.

في المقابل ذكر التقرير، أنه على المدى الطويل، قد تشعر روسيا بالقلق من أن جميع الفرص الاستثمارية المربحة في إيران ستأخذها الشركات الصينية، لكن هذه ليست العقبة الأهم أمام العلاقات الصينية الروسية.

ووفقاً للتقرير، فان الاتفاق بين إيران والصين يمنح بكين ميزة جيوسياسية، لكن تلك الميزة في الوقت الحالي هي مجرد دعاية، فتنفيذ الصفقة في الوقت الحالي ليس بالسهل، ويبدو أن الصين لديها مخارج استراتيجية مختلفة لحماية استثماراتها والتزاماتها.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيانغ عقب مراسم التوقيع إن “خطة التعاون الشاملة الموقعة بين الصين وإيران تركز على الاستفادة من إمكانات التعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والإنسانية وغيرها، وتخطيط آفاق ومسارات تعاون طويل الأجل، ولا تتضمن عقودًا أو مؤشرات كمية محددة، ولا تستهدف أيًا من الفريق الثالث”. وهو ما يشير إلى أن الاتفاقية مجرد مظلة بدون تفاصيل متفق عليها، وأن رقم 400 مليار دولار مجرد تخمين.

كما أعلن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي إن الاتفاقية “ليست معاهدة أو اتفاقية دولية ولا تتطلب موافقة برلمانية “. بموجب هذا التصريح، يمكن أن يُنظر إلى الاتفاقية على أنها طموحة إلى حد كبير، وقد يتم تصنيفها على أنها خارطة طريق، مثلها مثل غيرها من الاتفاقيات التي وقعتها الصين مع دول في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فخلال السنوات الماضية، وقعت بكين اتفاقيات تعاون مع العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وعليه لماذا يجب أن يكون الاتفاق مع إيران مختلفًا؟

حتى لو لم يكن للاتفاق تأثير عسكري آني، فقد يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا. يجب أن تكون الهند والولايات المتحدة أكثر يقظه. ربما يكون التأخير في مشاريع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) في باكستان قد دفع اهتمام الصين المتزايد باستثمارات البنية التحتية في إيران. حيث يوفر ميناء جوادر الباكستان، الذي تديره الصين طريقًا بحريًا أقصر لواردات النفط من الخليج مقابل مضيق ملقا. وتعتبر بكين ميناء تشابهار في إيران مكملاً لجوادار وربما جزءًا من “سلسلة اللؤلؤ” في المحيط الهندي. يجب أن تشعر الهند بالقلق لأنها قد تجد نفسها على المدى الطويل إما محاصرة في الزاوية أو معزولة تمامًا عن المشاريع الكبرى في إيران. نظرًا لأن الاتفاقية ستمنح الصين على الأرجح الوصول إلى القاعدة البحرية الإيرانية في جاسك، خارج الخليج الفارسي.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، لم تتضح آثار الاتفاقية بعد. وما لا يمكن إنكاره هو أن الصين تحركت في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة بتقليص وجودها في الشرق الأوسط وأصبحت علاقات أمريكا مع الدول العربية موضع تساؤل. كما جاء الاتفاق في وقت لا تستطيع فيه روسيا وأوروبا لعب دور حاسم في المنطقة، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا. في المقابل، تتمتع الصين بهذه الإمكانات، فضلاً عن هالة الوسيط المنصف التي رسمتها لنفسها في منطقة تعاني من الخصومات والحساسيات المتزايدة تجاه القوى الإمبريالية السابقة.

Scroll Up