الحديث حول موضوع حقوق الإنسان لا ولن ينقطع مطلقًا؛ نظرًا لارتباطه المباشر بوجود الإنسان بل وحياة البشرية كلها، وتتنوع هذه الحقوق لتشمل كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وغيرها، بمعنى أنها لا تقتصر على حقٍ واحدٍ فقط؛ بل تتضمن مجموعة من الحقوق تصب كلها في بوتقة أشمل لكل ما يتعلق بتوفير حياة كريمة وملائمة للإنسان الذي كرمه الله عز وجل من فوق سبع سماوات قبل أية تشريعات دنيوية.

 ولا شك أن هذا المفهوم العام لفكرة حقوق الإنسان يقودنا إلى ضرورة أن نتعرض إلى بعض المحددات المهمة المرتبطة بهذه الفكرة، والتي ما زالت تشهد قدرًا كبيرًا من الجدال والنقاش والتوافق والاختلاف على مستويات متعددة، ويمكن هنا الإشارة إلى المحددات الستة التالية: –

 المحدد الأول: أن المفهوم العام لمبدأ حقوق الإنسان يعنى أنها كلٌ متكامل؛ إذ لا يمكن أن نركز على جانبٍ واحد فقط من هذه الحقوق دون أن نتناول كافة الحقوق الأخرى أو على الأقل أهمها أو معظمها.

المحدد الثاني: أن هناك دولًا ديمقراطية متقدمة تنتهك حقوق الإنسان بطريقة فجة وعلنية دون أن تجد من يحاسبها أو يعاقبها، بل تسعى هذه الدول إلى اتخاذ قرارات مضادة تجاه دول أخرى بالشكل الذي تراه مناسبًا من وجهة نظرها دون اختصاص أو رقيب.

المحدد الثالث: أن ازدواجية المعايير أصبحت هي القاعدة الأساسية التي تتحرك وفقها تلك الدول التي تنصب نفسها الحكم والقاضي على الدول الأخرى، بل تنتزع لنفسها الحق –وبدون أدنى حق- في تقييم مدى التزام هذه الدول بحقوق الإنسان من عدمه.

المحدد الرابع: أن تسييس قضية حقوق الإنسان أصبح هو القاعدة التي تحكم للأسف مواقف العديد من الدول الأوروبية وبعض المنظمات الدولية.

المحدد الخامس: أن هناك اتهامات يتم توجيهها لدول معينة بدعوى عدم التزامها بحقوق الإنسان دون الاستناد على أية معايير موضوعية، بل الاعتماد على معلومات مغلوطة وموجهة.

المحدد السادس: أن الواقع يشير إلى أن هناك ظروفًا استثنائية تمر بها أوضاع بعض الدول على المستويين الإقليمي والدولي بما يدفعها إلى اتخاذ قرارات صارمة جزئيًا وإجراءات تقييد مؤقتة من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي للدولة. 

ولا شك أن أهم الجوانب التي ينبغي الإشارة إليها في هذا المجال أن موضوع حقوق الإنسان أصبح أداة سياسية في أيدي بعض الدول الكبرى تقوم باستخدامها بدون أي أساس في مجال علاقاتها الخارجية تجاه بعض الدول، بل وتسارع إلى توجيه الاتهامات والإدانات من أجل تحقيق أهداف محددة، وللأسف دون أن تستند على معلومات مؤكدة أو حتى تراجع الدولة المعنية.

وفي هذا السياق جاء البيان الذي وقعت عليه 31 دولة في جنيف خلال اجتماعات مجلس حقوق الإنسان يوم 12 مارس الماضي ليؤكد مدى انتهاج هذه الدول سياسة ازدواجية المعايير التي تتبناها في إطار عملية تقييم وتسييس موضوع حقوق الإنسان؛ إذ أعرب هذا البيان عن القلق على وضع حقوق الإنسان في مصر، بل وتضمن العديد من المغالطات، وقام بتوجيه اتهامات باطلة لمصر دون التحقق منها.

وفي الجانب المقابل أسرعت مصر من خلال وزارة الخارجية بالرد على البيان في نفس يوم صدوره وتأكيد رفضه بصورة مطلقة، كما ألقت البعثة المصرية الدائمة في جنيف بيانًا شديد اللهجة أمام العالم في 15 مارس تفند فيه كافة هذه الادعاءات الباطلة والإشارة إلى أن الدول التي وقعت على البيان تشهد أقصى أنواع انتهاك حقوق الإنسان، مع التأكيد على أن مصر تواصل جهودها لتعزيز كافة حقوق الإنسان في إطار رؤيتها الوطنية وتلبية طموحات جميع المصريين، وفي النهاية طالب البيان كل من يريد التعاون مع مصر بأن يتوقف عن اتباع هذا النهج الهدام.

وفي خضم الأبعاد والتحركات ومحاولات تسييس موضوع حقوق الإنسان جاءت جائحة كورونا لتنقل هذا الموضوع إلى مساحة أخرى جديدة وغير مسبوقة، حيث كانت هذه الجائحة كاشفة للعديد من السلبيات الخاصة بالاهتمام بالإنسان على المستوى الدولي بما في ذلك تلك الدول التي تتشدق بأنها الراعية الأولى لحقوق الإنسان في العالم، وقد أكدت هذه الجائحة أربعة نواقص رئيسة على مستوى العالم وهي ما يلي: –

 1 – أن هناك خللًا كبيرًا في المفهوم العملي لمبدأ التضامن والتكاتف في مواجهة ظاهرة مفاجئة بحجم جائحة كورونا.

2 – أن هناك غيابًا ملحوظًا لفكرة المساواة والعدالة في التعامل مع هذه الجائحة منذ بداية ظهورها ومرورًا بتطوراتها وإجراءاتها الاحترازية المختلفة وانتهاءً بتوزيع اللقاحات.

3 –  أن الاستعدادات لمواجهة هذه الظاهرة على المستوى الدولي لم تكن على المستوى الملائم على الأقل في بدايات ظهور الجائحة؛ إذ عانت دول كثيرة بما في ذلك الدول المتقدمة في المجال الصحي من نقص شديد في الإمكانيات اللازمة لمواجهة الجائحة.

4 –  أن صحة الإنسان لم تكن تتمتع بالأولوية لدى معظم دول العالم، وهو ما يعني أن الإنسان لم يكن هو الهدف الذي كان ينبغي توفير كافة الإمكانيات من أجل صحته ورفاهيته.

 وفي هذا الإطار كان لابد من التعامل والإقتراب من موضوع حقوق الإنسان ارتباطًا بمتغير فيروس كورونا، وكيف يمكن بناء عالم أفضل بعد الجائحة التي أصبحت تعكس العديد من التأثيرات على كافة جوانب حياة الإنسان وعلى أولويات الحقوق التي يجب أن يتمتع بها، وطبيعة تلك الأولويات سواء العاجلة أو الآجلة، بالإضافة إلى أهمية البحث في كيفية أن يكون هناك تضامن وتكاتف بين دول العالم حتى يكون هذا الإنسان -الذي ما زال يعاني- في وضع أفضل من كافة النواحي في مرحلة ما بعد الجائحة.

وانطلاقًا من هذه التطورات حرص المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية على أن يكون لديه السبق في التعامل مع موضوع حقوق الإنسان وكيفية بناء عالم أفضل ما بعد كورونا، والتطرق إلى معالجة كافة جوانب هذا الموضوع، والإجابة على كافة التساؤلات المرتبطة بحقوق الإنسان؛ ليس فقط تلك الحقوق المتعلقة بالجائحة ولكن بأية حقوق أخرى يمكن أن تكون مثارًا للاهتمام من جانب بعض المعنيين بملف حقوق الإنسان.

 وفي هذا الإطار عقد المركز المصري مؤتمرًا موسعًا في الثامن من أبريل الحالى شارك فيه العديد من الوزراء المصريين وأعضاء البرلمان والسفراء الأجانب وممثلي المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وكان هناك إصرار على تنويع حجم المشاركة حتى يكون هناك تفاعل وطرح لكافة القضايا بجدية وشفافية.

وكذا، حرص المركز على أن يكون هذا المؤتمر متماشيًا مع التطورات الدولية التي عالجت هذا الموضوع؛ إذ تم عقد المؤتمر ارتباطًا بالأجندة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة في ديسمبر 2020 والتى حددت أربع قضايا رئيسية يتم التركيز عليها المرحلة القادمة وهي (مناهضة التمييز والعنصرية – التصدي لغياب المساواة خاصة مع الفئات المهمشة – تشجيع المشاركة والتضامن في الفترة القادمة – التنمية المستدامة).

 وقد تناول المؤتمر العديد من الموضوعات محل الاهتمام على كافة المستويات والتى تظهر مدى وكيفية التعامل مع الإنسان في إطار هذه الجائحة وكيف يمكن الاستفادة مما حدث في بلورة وضع أفضل في المراحل القادمة، ويمكن تحديد أهم الموضوعات الرئيسة التي تم طرحها بشكل موضوعي وتفصيلي فيما يلي: 

1 – توضيح كافة الجهود التي قامت بها الدولة في مواجهة الجائحة في المجالات الصحية والاجتماعية والاقتصادية ومدى تأثيرها الإيجابي على احتواء آثار الجائحة، وكيف يمكن الاستفادة من هذه الجهود لبناء عالم أفضل بعد انتهاء الجائحة.

2 – تعزيز الحق في الصحة لاسيما مع نقاط الضعف الضخمة التي كشفت عنها جائحة كورونا، مع تأكيد ضرورة وضع هذا الحق على رأس أولويات كل الدول ولاسيما بالنسبة لعدالة توزيع اللقاحات.

3 – مناهضة التمييز والعنصرية التي كشفت عنها الجائحة وخاصة ضد الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل المرأة والمهاجرين والطبقات الأكثر فقرًا، مع التركيز على السبل والأدوات العملية لمناهضة هذا التمييز في سبيل عالم أفضل بعد الجائحة.

4 – تأثير غياب المساواة والتفاوت في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاسيما في مجالي التعليم والرقمنة في تعميق التداعيات السلبية للجائحة وكيفية مواجهة هذا الأمر لبناء عالم أفضل ما بعد الجائحة.

5 – دور التنمية المستدامة في تعزيز حقوق الإنسان بوصفها تراعي حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية.

6 – أن الدستور المصري الحالي كان حريصًا للغاية على تحسين حقوق الإنسان واحترامها وحمايتها باعتبار أنها من مقومات النظام السياسي للدولة؛ إذ تم النص في الدستور على العديد من المبادئ المهمة من بينها (المساواة بين المواطنين دون تمييز – إلزام الدولة بالقضاء على كل أشكال التمييز – حق تكوين الجمعيات الأهلية بمجرد الإخطار).

7 –  الجهود الضخمة التي قام بها المجتمع المدني وأهم منظماته فيما يتعلق بتعزيز التضامن والمشاركة الميدانية في مواجهة الجائحة، سواء بشكل منفرد أو مع الحكومة المصرية.

 لم يكتف المركز المصرى بهذه المناقشات المهمة والمستفيضة، بل حرص على أن تنتهي أعمال المؤتمر بتحقيق أقصى قدر من الاستفادة من طبيعة الموضوعات التي تم التعرض إليها، والاستفادة أيضًا من التساؤلات التي تمت إثارتها خلال المؤتمر، فتم التوصل إلى العديد من التوصيات تم بلورتها في البيان الختامي للمؤتمر أهمها ما يلي: 

1 – ضرورة وضع آليات لتحقيق الإنذار المبكر؛ إذ إن منظمة الصحة العالمية لم تعلن كورونا وباءً عالميًا إلا بعد حوالي أربعة أشهر من ظهور الوباء.

2 – ضرورة توسيع صلاحيات منظمة الصحة العالمية بطريقة شبيهة بمجلس الأمن المخول بحفظ السلم والأمن الدوليين انطلاقًا من دور هذه المنظمة في حماية الصحة الإنسانية.

3 – ضرورة مواجهة كافة أشكال عدم المساواة المرتبطة بالحق في الصحة وفي مقدمتها عدالة الحصول على اللقاحات.

4 – ضرورة تبني نظم تعليمية أكثر مرونة وشمولية وديناميكية بطريقة تجعلها عملية مستمرة تحميها من الانقطاع وقت الأزمات.

5 – أهمية دور العمل المدني في تعزيز حقوق الإنسان بوصفه مسألة تشاركية متعددة الأبعاد، وكذا أهمية المجتمع المدني كأحد أهم أعمدة بناء عالم أفضل ما بعد كورونا.

ومن ناحية أخرى اشتبك المركز المصري بسعة صدر مع بعض القضايا ذات الحساسية الخاصة رغم أنها لم تكن من صميم المحاور الخاصة بهذا المؤتمر، حيث أثار بعض الحاضرين والمشاركين بعض القضايا الأخرى المرتبطة بحقوق الإنسان في مصر مثل مسألة الحبس الاحتياطي وإدانة بعض النشطاء، وفي هذا المجال حرص المركز على أن يوصي أيضًا في بيانه الختامي بما يلي: – 

6 – توصية الجهات المعنية التشريعية والقضائية بإعادة النظر في المدد الخاصة بالحبس الاحتياطي، والعمل على إيجاد آليات لتفادي طول هذه المدة وذلك في إطار خطة شاملة لتطوير التشريعات والقوانين استجابة للتطورات والتحديات المستجدة.

7 – الدعوة إلى تنشيط دور لجنة العفو الرئاسي التي تم إنشاؤها خلال أول مؤتمر وطنى للشباب عام 2016، مع العمل على تطوير آليات عمل هذه اللجنة بما يتلاءم مع المستجدات.

8 – التشجيع على توسيع المجال السياسي عبر تشجيع الشباب على الانضمام للأحزاب وممارسة العمل السياسي بطريقة تمكنهم من تولي المناصب القيادية في المستقبل.

وحرص المركز المصرى على أن يكون لهذا المؤتمر استمرارية، وأن يكون بمثابة نقطة انطلاق لمزيد من بحث قضية حقوق الإنسان خلال المرحلة القادمة، حيث أكدت التوصيات في هذا الشأن على ما يلي: 

  • دعوة المركز مؤسسات المجتمع المدني المصرية إلى تدشين شراكة دائمة مع المركز بطريقة تعزز حالة الزخم الإيجابي المرتبطة بقضية حقوق الإنسان.
  • دعوة كافة المكاتب الإقليمية للمنظمات الدولية الموجودة في مصر إلى وضع إطار تعاوني أكثر شمولًا وديناميكية بطريقة توفر قناة دائمة للاتصال والتعاون المشترك مع المركز.
  • اعتزام المركز تحويل المؤتمر إلى مؤتمر دوري سنوي تشارك فيه كل الجهات الشريكة للمركز في الداخل والخارج؛ من أجل تعزيز ملف حقوق الإنسان على مستوى العالم وتعميق أدوات التعامل معه.

 الخلاصة أن القيادة السياسية المصرية لا تألو جهدًا في اتخاذ كافة القرارات والإجراءات التي من شأنها إعلاء قيمة الإنسان وتوفير الحياة الملائمة له، بالإضافة إلى العمل على ترجمة كل ما ورد بالدستور إلى واقع عملي. وليس أدل على ذلك مما قامت به الدولة خلال الفترة السابقة ومن بينها على سبيل المثال تمكين المرأة بشكل غير مسبوق، والمبادرات الصحية والاجتماعية والاقتصادية المتنوعة غير المسبوقة أيضًا، والقضاء على العشوائيات، وإخراج قانون الجمعيات الأهلية إلى النور، ودعم عمل منظمات المجتمع المدني التي يتجاوز عددها 55 ألف جمعية على مستوى الدولة.

وفي نفس الوقت لم تكتف الدولة بذلك بل كانت مواجهتها لجائحة كورونا نموذجًا علميًا وعمليًا لكيفية التعامل مع ظاهرة بهذا الحجم، وبلورة أنسب السبل لبناء عالم أفضل بعد انتهاء هذه الجائحة، وهو ما يترجم قناعة الدولة بمقولة أن الإنسان المصرى هو الهدف بالفعل، وبمعنى آخر أن الهدف سيكون هو الإنسان على الدوام وهو الأمر الذي ما زالت تعاني منه بوضوح أكثر الدول المتقدمة في هذا العالم.

 ولا شك أن الدولة المصرية لن تتوقف عن العمل على دعم كل الجوانب المتعلقة بحقوق الإنسان، وهي قادرة بكل شجاعة على تصويب أية سلبيات يمكن أن تظهر، واستكمال أية قوانين مطلوب استكمالها أو إصدارها، وتستمع إلى أية آراء وإقتراحات موضوعية وبناءة وليست مغرضة أو موجهة.

وكما قال السيد / الرئيس عبد الفتاح السيسى أن مصر ليس لديها ما تخفيه أو تخشى منه ولكن من الظلم الحكم على جهود الدولة غير المسبوقة في كل المجالات من منظور واحد فقط. وفي رأيي أن قضية تسييس حقوق الإنسان لن تنتهي ومن ثم فعلينا أن نكون على استعداد للمواجهة كلما أمكن. ولكن في كل الأحوال فإن هذا الأمر لن يثني مصر عن الاستمرار في اتخاذ كل القرارات التي تعلي من قيمة الإنسان، وفي نفس الوقت تحافظ على استقرار الدولة.

نقلًا عن مجلة المصور

Scroll Up