عرض – ماري ماهر

أعلن وزير الداخلية الباكستاني الشيخ راشد أحمد، الخميس الماضي، حل حزب “تحريك لبيك باكستان”، وهو حزب إسلامي متطرف كان يقود المظاهرات المناهضة للفرنسيين في البلاد، على مدار عدة أشهر.

وفي هذا السياق نشر موقع “فرانس 24” تقريرًا بعنوان “حزب تحريك لبيك باكستان كان في قلب الاحتجاجات المناهضة لفرنسا”، قالت فيه إن الإعلان عن حل الحزب يأتي بعد ثلاثة أيام من أعمال العنف التي اندلعت الاثنين الماضي عقب اعتقال زعيمه سعد ريفزي.

وعلى إثره، حجبت الحكومة الباكستانية، أمس الجمعة، الشبكات الاجتماعية وتطبيقات المراسلة الفورية لبضع ساعات خوفًا من اندلاع مشاجرات.

بدأ الحزب كحركة للمطالبة بالإفراج عن حارس شخصي متهم باغتيال حاكم البنجاب عام 2011، ثم تحولت إلى حزب عام 2015 برئاسة الداعية خادم حسين رضوى والد الزعيم الحالي.

وينتمي الحزب إلى مدرسة “باريلفي” اللاهوتية، المدرسة الفكرية السائدة في باكستان، وقد رسخ نفسه في المشهد السياسي من خلال محاربة “التجديف”، وهي قضية مهمة في باكستان.

ومع ذلك، أصبحت فرنسا هدف الحزب منذ سبتمبر 2020، عندما قررت صحيفة شارلي إبدو الساخرة إعادة نشر بعض الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول بالتزامن مع انطلاق محاكمة منفذي هجمات شارلي إبدو 2015، مما أثار حفيظة هذا الحزب المتطرف.

وزاد سخط الحزب بعد تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدافع فيها عن “حق الرسم الكاريكاتوري” بعد اغتيال المعلم صموئيل باتي.

وعليه، حشد الحزب الآلاف المتظاهرين الذين حرقوا الأعلام الفرنسية وصور الرئيس ماكرون، وطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع باريس، وطرد السفير الفرنسي لدى إسلام أباد مارك باريتي. وهو ما استجابت له الحكومة الباكستانية في البداية، حيث وقعت اتفاقية تهدئة مع الحزب قبلت بموجبها مقاطعة المنتجات الفرنسية ووعدت بطرح طرد السفير للتصويت في البرلمان بحلول 20 أبريل 2021.

لكن مع اقتراب هذا الموعد، نأت الحكومة الباكستانية بنفسها عن الحزب، واعتقلت قوات الأمن زعيمه سعد رضوى الاثنين الماضي بعد ساعات من دعوته لمسيرة جديدة للمطالبة بطرد السفير الفرنسي. وقد أثار اعتقاله أعمال شغب في جميع أنحاء البلاد، أسفرت عن اعتقال أكثر من 200 من نشطاء الحزب خلال اشتباكات مع الشرطة، ومقتل شخصين وإصابة 340 على الأقل.

وقد ظلت مشاركة الحزب السياسية محدودة للغاية، حيث حصل على مليوني صوت فقط خلال الانتخابات التشريعية لعام 2018 في هذا البلد الذي يزيد عدد سكانه عن 210 مليون نسمة، لكنه يتمتع بقدرة هائلة على تعبئة المتظاهرين واخراجهم إلى الشوارع وقطع الطرق أحيانًا لعدة أيام.

ومنذ عام 2015، ميز الحزب نفسه من خلال قضايا التجديف، وأصبح معروفًا بشكل خاص خلال قضية “آسيا بي بي” تلك المسيحية التي سُجنت وحُكم عليها بالإعدام عام 2010 قبل تبرئتها من قبل المحكمة العليا في عام 2018. وفي عام 2017، تمكن الحزب من تنظيم اعتصام لمدة ثلاثة أسابيع في إسلام آباد للتنديد بتعديل يتعلق باسم الرسول في النصوص الرسمية.

ومع ذلك، يحظى الحزب بشعبية كبيرة بين الشباب خاصة الطبقات الدنيا، كونه لا يتحدث فقط عن تحديد مكانة الإسلام في البلاد، لكن أيضًا عن معالجة قضية عدم المساواة، وبالتالي يستقطب الشباب غير المستقر الذي لا يجد نفسه في النظام الحالي. ويرى المحلل السياسي جان لوك راسين، أن تلك الشعبية فرضت صعوبات على الحكومة الباكستانية في التعامل مع هذه الجماعات الدينية المتطرفة، فهناك دائمًا إحراج بشأن هذه الحركات التي تحظى بشعبية بين السكان، ويكون من الصعب تبني رد حازم ضدها.

واتفق معه في وجهة النظر هذه الصحفي الباكستاني زاهد حسين، الذي قال في صحيفة دون اليومية الناطقة بالإنجليزية: “الحكومة نجحت فقط في تأجيل الازمة، ما يحدث الآن كان حتميًا إنه لأمر مخيف مشاهدة كيف انهارت الإدارة في مواجهة عنف الغوغاء، إنه يؤكد فشلنا في التعامل مع تصاعد التطرف الديني”. واعتبر أن حل الحزب في الوقت الحالي قد يرجع إلى رغبة باكستان في تحسين صورتها التي التصق بها الإرهاب، ورغبتها في تطبيع العلاقات مع باريس.

فقد أكد دبلوماسي باكستاني، رفض الكشف عن اسمه، لصحيفة لو فيجارو الفرنسية، أن “إسلام آباد تريد تطبيع العلاقات مع باريس”. بينما أعرب وزير الداخلية الباكستاني لدينا علنًا عن قلقه من رؤية صورة بلده تتدهور في العالم بسبب تصرفات هذا الحزب.

وبحسب جان لوك راسين، فإن حل الحزب لا يعني بأي حال نهاية الحركة، فقد حظرت البلاد غير مرة جماعات متطرفة مثل هذه، لكنها غالبًا ما تولد من جديد بأشكال أخرى وتحت أسماء أخرى، لذلك من الضروري ملاحظة كيف سترد القاعدة الشعبية المتشددة للحركة في الأيام القادمة.

Scroll Up