تتعاقب مساعي دعم مسار التسوية السياسية الليبية لاستكمال استحقاقات خارطة الطريق، المُعتمدة عبر لجنة الحوار السياسي الـ (75)، والتي أنهت بالفترة السابقة حالة الانقسام المؤسسي، بعد انتخاب السلطة التنفيذية الموحدة في فبراير الماضي. وشملت تلك المساعي تحركات الدول الإقليمية، وعلى وجه الخصوص دول الجوار الليبي، وكذلك الفواعل الدوليين، كالقوي الكبرى والأمم المتحدة.

مازالت انتخابات ديسمبر المُقبل الهدف الأكبر الذي تُركز عليه تلك الجهود للوصول بليبيا إلى مشهد سياسي وعسكري مستقر بانتخاب سلطة تنفيذية وتشريعية جديدة، وإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة منذ 2011، والتي لم تفرز حتى اليوم إطارًا وطنيًا يُنهي مخاطر تجدد المواجهات، ويدفع البلاد بعيدًا عن مستنقع الأزمات والإشكاليات المهددة لوحدة وسلامة الدولة الوطنية الليبية.

محددات حاكمة

رغم إظهار حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي جدية سعيهم لإنهاء انقسام المؤسسات، وإنهاء وجود المرتزقة وارتباك المشهد الأمني، بالإضافة إلى إطلاق مسار المصالحة الوطنية، وغيرها من المهام التي أوكلت للسلطة الانتقالية الخامسة منذ انطلاق حراك فبراير 2011، إلا أن تلك الجهود لا تزال رهينةً لعدد من العوامل التي ستحدد المسار الذي ستتخذه الأزمة في المستقبل القريب، ومن أبرزها:

أولًا: تفاعلات الأطراف الداخلية

يشمل هذا المحدد موقف المكونات العسكرية والسياسية الليبية من مسار التسوية والسلطة الجديدة. ورغم إعلان القطاع الأوسط من هذه المكونات ترحيبهم بخطوة انتخاب سلطة المنفي والدبيبة، إلا أن الأحداث اللاحقة لانتخاب السلطة الموحدة عكست تمسك بعض تلك المكونات بمواقف تمثل تهديدًا لاستكمال مسار التسوية، كمطالبة بعض الأطراف بتمثيل مناطقها وتياراتها السياسية بالمشهد الانتقالي، فضلًا عن تجميد عملية فتح الطريق الساحلي باتجاه مدن الغرب، وربطها بانسحاب المرتزقة وغيرها من الأسباب التي بررت تلك المجموعات بها عدم امتثالها لبنود اتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر2020).

وهو ما يشير إلى رغبة بعض الفواعل بالداخل في الاحتفاظ بأورق ضغط ميدانية، وتوظيف بعض الأنشطة لتأكيد سيطرتها العسكرية على المناطق الغربية، ووأد أية تيارات مدنية تدعو لإنهاء سيطرة تلك المجموعات بمرحلة ما بعد انتخاب السلطة الجديدة.  إلا أن هذا المشهد لا يخلو من محاولة إظهار تمسك هذه الفواعل بالتسوية، وقد كان نحر ناقة الناشط الليبي “عبدالعالي الحبوني” بمدينة الزاوية (23مارس2021)، ثم إفراج المجموعات المسلحة بذات المدينة عن أسرى الجيش (31مارس2021) نموذجًا واضحًا على تداخل الرسائل التي توجهها القوى الداخلية في ليبيا. 

ثانيًا: اتجاهات الفواعل الإقليميين

ترتبط تفاعلات الأزمة الليبية باتجاهات الفواعل الإقليميين بشكل واضح، لا سيما مصر وتركيا، فالقاهرة تتمسك بإنهاء الوجود العسكري الخارجي وإتاحة المجال للتسوية السياسية، فيما توظف أنقرة مجموعات المرتزقة وتيارات الإسلام السياسي المتحالفة معها للهيمنة على الثروات الليبية، ما أنتج صدامًا إقليميًا لم ينته إلا بإعلان مصر خطًا أحمرًا أتاح لليبيين الجلوس وترسيم خارطة للخروج من الأزمة. وفيما تواصل القاهرة برؤيتها الضامنة لوحدة وسلامة الدولة الليبية، مازالت أنقرة تماطل بعمليات انسحاب المرتزقة، وتحاول التدخل في ليبيا عبر الاستناد للاتفاقيات غير المعتمدة التي وقعتها مع حكومة الوفاق.

وعليه، فالموقف الإقليمي مازال محددًا رئيسًا في فاعلية التسوية وبرامجها، وصاغت مصر بالفترة الماضية أطر تعاونية بالاشتراك مع دول الجوار الليبي والدول الأخرى، والفواعل الداخلية بالبرلمان والحكومة والمجلس الرئاسي، ما عزز من الزخم الداعم لاستكمال مسار التسوية السياسية، وصعب من طموحات الأطراف الراغبة في استمرار المشهد الليبي بذات النسق المضطرب.

ثالثًا: سياسات السلطة الانتقالية

فيما تبدو مهام السلطة الجديدة منصبةً على تحسين الأوضاع الداخلية، وتهيئة البيئة الليبية لإجراء الانتخابات العامة المرتقبة، إلا أن البيئة الداخلية والخارجية دفعتها للاتجاه نحو معالجة قضايا تعد من أسباب عدم الاستقرار، فما أبداه رئيس الحكومة من تمسك باستمرار العمل باتفاقيات حكومة الوفاق مع تركيا، وارتفاع حجم التمويل المطلوب لموازنة العام الجاري مقارنةً بقصر المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى بروز إشكاليات أخرى كالقاعدة الدستورية وصلاحيات الرئيس القادم وطريقة انتخابه، تصاعد من ضغوط الأطراف المتحفظة على تلك السياسات.

وبذلك، فسياسات السلطة الانتقالية أصبحت بحاجة إلى مُراجعة عاجلة، تشمل إعطاء الأولوية لقضايا الداخل كتفعيل أطر المصالحة وجبر الضرر، والتركيز على الإشكاليات الأكثر إلحاحًا والمرتبطة باستكمال مسار التسوية والاستعداد للانتخابات وتسليم السلطة، وفقًا للجدول الزمني الذي تم انتخابها وفقًا له. مع أهمية تخفيض درجة انخراطها بتعقيدات القضايا الخارجية، وصياغة موازنة الدولة بما يلافي عدم تمريرها من البرلمان، الذي أبدى تحفظًا عليها.

سياقات إيجابية

تمتلك السلطة الليبية الجديدة فرصًا لم تكن متاحة لسابقاتها، فلديها دعم أممي وزخم دولي وهدوء داخلي يسهل توظيفه لتحقيق أهداف المرحلة الانتقالية، ويمكن استثماره لتجاوز التعقيدات التي تفرضها طبيعة الصراعات والتجاذبات الداخلية والإقليمية، ويمكن الإشارة إلى أبرز ملامح هذه السياقات الإيجابية كما يلي: 

أولًا: الدعم الأممي

يدعم وصول المبعوث الأممي الجديد “يان كوبيش” إلى رئاسة بعثة الدعم إلى ليبيا -عقب انتخاب السلطة الموحدة- استكمال استحقاقات خارطة الطريق، بما يضمن تحييد فكرة انحياز المبعوث الأممي التي شكلت عثرة أمام جهود الأمم المتحدة على مدار الأزمة. وأسهمت التوافقات الليبية-الليبية، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، في تشجيع تبني المنظمة الأممية لخطوات جادة لتعزيز فرص التسوية. 

ومع تصويت مجلس الأمن بالإجماع على مشروع قرار حول دعم الأمم المتحدة لآلية مراقبة وقف إطلاق النار عبر نشر مراقبين دوليين، بالإضافة إلى تجديد الإجراءات المتعلقة بالتصدير غير المشروع للنفط، وتجديد ولاية فريق الخبراء، يبدو الموقف الأممي مواتيًا لحكومة الدبيبة لفرض سلطة الدولة على المشهد الليبي، والشروع بتوحيد مؤسسات الدولة والتمهيد للانتخابات العامة.

ثانيًا: الزخم الدولي

حصدت السلطة الجديدة دعمًا وإسنادًا دوليًا غير مسبوق، ولديها فرصة لتخفيض حدة التجاذبات التي أسقطت السلطات السابقة بمصيدة الانحياز لقوى خارجية، وهو ما يُعد مدخلًا -حال توظيفه بإيجابية- يتيح لها التعاطي مع كافة الأطراف بدرجة عالية من الاستقلالية. 

وتعكس جولات ممثلي السلطة للخارج رغبةً في الاستفادة من هذا الزخم، ودرجة من درجات تنسيق الأدوار بين المجلس الرئاسي والحكومة، ولكن من الضرورة أن تعكس تحركات السلطة التزامًا بخارطة الطريق، وقطع خطوات ناجزة نحو الانتخابات والوقوف على الحياد الإيجابي بين الفواعل الداخليين والدوليين، إذ ما أرادت الاحتفاظ بهذا الزخم والاستفادة منه.

ثالثًا: الهدوء الداخلي

تسود المشهد الليبي -لاسيما الميدان العسكري- حالة من الهدوء والترقب، وقد استفادت حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي من ذلك كثيرًا؛ إذ حصدت ثقة البرلمان وتمكنت من الوصول إلى مختلف المدن الليبية. 

ويحتاج هذا المناخ للدفع والتحفيز عبر إيجاد حلول عاجلة للأزمات الراهنة التي تمس الليبيين، كالكهرباء وكورونا وضعف الأمن، وحاولت السلطة الجديدة تحقيق ذلك بتدشين المصالحة الوطنية وإلغاء بعض قرارات حكومة الوفاق، فضلًا عن توفير لقاحات لكورونا وبعض الجهود المبذولة لتحسين الموقف الأمني. إلا أن الهدوء الداخلي فيما بعد الصراعات يستلزم العمل المستمر على قطع الطريق أمام تجدد الاقتتال، أو حدوث اصطفافات سياسية مُعطلة لجهود التسوية، وغيرها من المبادرات الجادة لإنهاء تجدد الأزمات.

وفي النهاية، يمكن القول إن المرحلة الانتقالية الراهنة في ليبيا تحظى بسياقات إيجابية مُحفزة للوصول إلى التسوية الشاملة. وإن كان ذلك مرهونًا بمحددات حاكمة، فالسلطة الموحدة لديها زخم دولي ودعم أممي وهدوء داخلي يسهل توظيفه للاستمرار بحصد استحقاقات خارطة الطريق. ويبقى أن تظل قضايا الداخل الليبي، الأمن وكورونا وتوحيد المؤسسات، الهدف الرئيس المستهدف معالجته؛ للوصول إلى انتخابات ديسمبر المنشودة، والعبور بليبيا من دوائر الصراع والانتقال المتعاقبة إلى ترسيخ الاستقرار، انتهاءً بتثبيت أركان الدولة الوطنية الموحدة.

Scroll Up