عرض/ آية عبد العزيز 

يستعرض المعهد الملكي للشئون الدولية “تشاتام هاوس”، في ورقة بحثية بعنوان “خطوات لتشكيل إطار أمن إقليمي للشرق الأوسط: إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، وتهدئة النزاعات وبناء الثقة” صادرة في أبريل 2021، لكل من الدكتورة “سنام وكيل” نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد، والدكتور “نيل كويليام” الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد، مدى إمكانية بناء إطار أمني إقليمي في منطقة الشرق الأوسط من خلال عدد من المسارات التي تتمثل في تهدئة النزاعات وخفض التصعيد، واحتواء إيران عبر إحياء خطة العمل الشاملة، بجانب عدد من الخطوات الموازية. 

وقد استندت الدراسة على مجموعة من المقابلات شبه المنظمة التي أجريت بشرط السرية، مع 210 من الخبراء وصانعي السياسات الحاليين والسابقين في 15 دولة (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، إسرائيل، إيران، فلسطين، سوريا، لبنان، اليمن، العراق، السعودية والإمارات)؛ حيث تم اختيار بعض الدول من خارج الإقليم نتيجة مشاركتهم ودعمهم لعمليات الأمن الإقليمي الحالية والسابقة، أما البلدان التي تم اختيارها من الداخل على خلفية مشاركتهم في الأزمات النشطة. 

وقد تم وضع أسئلة المقابلات من قبل المؤلفين واختبرها عدد من خبراء الأمن الإقليمي والشرق الأوسط، فخلال الفترة من يوليو إلى نوفمبر 2020، تم سؤال الأشخاص الذين تمت مقابلتهم مجموعة من الأسئلة بواسطة استبيان قياسي شبه منظم عن الجدوى والمسارات المحتملة نحو عملية أمنية في الشرق الأوسط، وتحديات البيئة الإقليمية الحالية، وملاحظات حول التوترات الجيوسياسية، ووجهات نظر حول كيفية تأثير نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 على الأمن الإقليمي، وتصورات عن دوافع التوترات الإقليمية، مع التركيز بشكل خاص على إيران، وتوصيات لمعالجة هذه التوترات، مع إيلاء اهتمام خاص لدور إيران الإقليمي في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن.

الإقليم بين الهشاشة والصراعات متعددة الأقطاب

وفقًا للدراسة انتهت مرحلة النظام أحادي القطبية، على الرغم من أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد نظام “صدام حسين” في العراق عام 2003 يمكن اعتبارها النقطة التي بدأت عندها في الانتهاء، إلا أنه بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، كانت بداية الحرب في سوريا هي التي بشرت بحقبة جديدة متعددة الأقطاب.

بالرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكثر هيمنة في العالم، إلا أن استعدادها لإبراز هذه القوة قد تراجع نتيجة تجاربها المتعاقبة في الحروب من كوريا إلى فيتنام، وفي أفغانستان والعراق، ومنذ أن أعلن الرئيس الأسبق “باراك أوباما” عن توجهه نحو آسيا، وأوضح أنه يجب على المملكة العربية السعودية الآن “مشاركة” جوارها مع إيران، علاوة على سحب الولايات المتحدة وجود قواتها في المنطقة وشرعت في عملية فك ارتباط دبلوماسي أيضًا.

 في المقابل استكملت الدراسة أن بعض القوى الدولية قامت بمليء الفراغ مثل روسيا التي تصرفت كفاعل رئيسي، وأثبتت وجودها عسكريًا في عدد من النزاعات لا سيما في سوريا وليبيا، وانضمت إلى تركيا بشكل وثيق أيضًا، وزادت مبيعات الأسلحة ليس فقط لأنقرة، ولكن أيضًا إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. علاوة على ذلك، دفعت موسكو أجندة أوبك+ إلى الأمام، وعملت عن كثب مع الرياض لإبقاء مجموعة أوبك+ متوافقة مع تخفيضات الإنتاج مع انهيار أسعار النفط في بداية 2020، وذلك وفقًا لما أوضحته الدراسة. 

وأفادت أن الصين بدأت في إظهار الرغبة في بعض المشاركة الدبلوماسية بما يتماشى مع مصالحها الاقتصادية المهيمنة، لكن هذا الجهد لا يزال موجودًا داخل المنظمات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة. ومع ذلك، من الواضح أن الصين هي بالفعل لاعب اقتصادي رئيس في المنطقة، ومع ذلك، من الناحية النسبية، لا تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أولوية بالنسبة لبكين، ولكنها ستستفيد من فك الارتباط الأمريكي؛ حيث يفتح هذا طرقًا وقنوات دبلوماسية جديدة تسعد بكين باستكشافها، مثل اتفاقية التعاون الاقتصادي والأمني ​​بين الصين وإيران لمدة 25 عامًا والموقعة في مارس 2021. 

كل هذا يدل على وجود نظام إقليمي ناشئ لا يزال في حالة تغير مستمر، وتراكب نظام دولي لا يزال يلعب على قدم المساواة. بالنظر إلى هذا السياق، فإن فصل النزاعات المختلفة ومعالجة كل منها كمشروعات منفصلة سيثبت أنه يمثل تحديًا خاصًا. وعليه فهناك حاجة واضحة وملحة لإطار أمني للمنطقة يعالج مجموعة من القضايا التي تشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين بطرق مختلفة. 

تنامي الدور الإيراني في الإقليم بآليات مُختلفة

كشفت الدارسة أن الاعتماد الغربي والخليجي على العقوبات وإجراءات الاحتواء، ما هو إلا انعكاس لسياسات غير فعالة لمعالجة التدخل الإقليمي من قبل طهران التي أصبحت فاعل رئيس في جميع نزاعات الشرق الأوسط. وترى دول إقليمية أخرى أن تدخل إيران في سوريا واليمن ولبنان والعراق مزعزع للاستقرار بشكل كبير. بالنسبة لهم، لا يمكن التوصل إلى حل إلا من خلال عملية تفاوض تتنازل فيها إيران عن هذه القضايا. ومع ذلك، فإن ما تفشل الدول العربية في الاعتراف به علنًا هو أن طهران واحدة من بين العديد من دول الشرق الأوسط التي تشارك في أنشطة تخريبية. 

لذا فإن فهم القدرة العملياتية لإيران وتحديد أدوات التفاوض ضروريان لبناء عملية أوسع. لا تزال السياسة الخارجية الإقليمية لإيران، ودعم الجماعات التي تعمل بالوكالة، وانتشار الأسلحة لهذه الجماعات، وبرنامج الصواريخ الباليستية الخاص بها، كلها سمات مهمة لانعدام الأمن الإقليمي، لكونها مدفوعة بتصوراتها الخاصة بالتهديد فيما يتعلق بالولايات المتحدة وإسرائيل، هو ما أدى إلى اتباع طهران استراتيجية دفاعية أمامية غير متكافئة ومنخفضة التكلفة أدت إلى اختراق دول حول إسرائيل. وأوضحت الدراسة العوامل التي سهلت تدخل إيران في دول المنطقة، وذلك وفقًا للآراء المستجيبين كما هو بالشكل التالي: 

وعليه فقد قدم الأشخاص الذين تمت مقابلتهم عددًا من الاقتراحات للرد على النفوذ الإيراني في الإقليم تم بلورته في ثلاث فئات: حلول على مستوى الدولة، ومشاركة دول مجلس التعاون الخليجي على نطاق أوسع، ومزيج من الحوافز والضغط. 

خطوات للتهدئة بين المشاركة متعددة الأطراف والمسارات الموازية

وفقًا للدراسة ستكون عودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة خطوة أولى حاسمة، لكن ستكون هناك حاجة إلى اتفاقية متابعة لإطالة وتقوية اتفاق 2015، وعزله عن التقلبات الحزبية في الولايات المتحدة أو إيران، لضمان صفقة إقليمية رابحة، ولمعالجة أوجه القصور في الصفقة الأصلية. لمنع تكرار الأخطاء التي ارتكبت خلال مفاوضات خطة العمل المشتركة الشاملة؛ حيث تمكنت إيران من توسيع وجودها في العراق واليمن ولبنان وسوريا، علاوة على أن إعادة التزام إيران بالامتثال النووي، سيُمهد للاستقرار الإقليمي، فيما صرح “بايدن” أن الامتثال المتبادل، من شأنه أيضًا تجنب التراكم النووي في الشرق الأوسط. 

ويعد هذا الاقتراح ذا جدوى لدى العديد لما له من تداعيات إيجابية على الأمن الإقليمي وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال الردود على مستوى الدول التي اعتبرت عودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة خطوة مهمة نحو تحسين الأمن الإقليمي (إجمالي النسبة المئوية).

واختتمت الدراسة أن مسارات التهدئة لابد لها من نهج موازي يتضمن تسوية الأزمة القائمة في المنطقة مثل اليمن وسوريا والصراع الإسرائيلي-العربي، والانقسامات بين دول مجلس التعاون الخليجي التي تمثل تحديًا أمنيًا إقليميًا، ومع تبني تدابير بناء الثقة في مجالات مثل الدبلوماسية الصحية والمواقع الدينية المشتركة والتعاون المناخي وحرية الملاحة، التي ستساهم بمرور الوقت للأطراف المتنافسة بمناقشة قضايا أكثر تعقيدًا وانقسامًا مثل الحد من التسلح ودعم إيران للوكلاء الإقليميين، وانتشار الصواريخ والأسلحة الفتاكة، وبرنامج الصواريخ الباليستية الذي يتعين معالجته. وكذلك، يجب أن يُنظر إلى تعزيز التجارة بين الأقاليم على أنه طريق مهم لربط الاستثمار المشترك والنتائج.

هذا بجانب أهمية دور الولايات المتحدة كفاعل أساسي وحاسم في إدارة وتحفيز أجندة الأمن الإقليمي؛ حيث تمثل الإدارة الجديدة للرئيس “جو بايدن” فرصة لصالح المشاركة متعددة الأطراف واستقرار الصراع. علاوة على ضرورة مشاركة أوروبا وروسيا والصين، والتي أعربت جميعها عن مخاوفها بشأن ديناميكيات الأمن الإقليمي وطرحت توصياتها الخاصة لإدارة التوترات الإقليمية.

Scroll Up