في “حرب واترلو”، سأل جندي فرنسي نابليون بونابرت: هل الله معنا نحن الكاثوليك.. أم مع الانجليز البروتستانت، فرد عليه نابليون: إن الله مع أصحاب المدافع الكبيرة. ذلك معناه أن النصر في الحرب مرهون بتوظيف أمضى الأسلحة وأنسبها لتحقيق الهدف وإنجازه، بحكمة وحزم.
وهذا المرتجى من مصر وهي تخوض أكبر وأخطر المعارك على مر تاريخها الممتد بطول تاريخ البشرية، معركة النيل، سر وجود مصر وطلسم حضارتها الزاهرة، في ظل التهديد الإثيوبي بالملء الثاني لسد (النهضة)، يوليو المقبل، فالوقت يمر بسرعة، وإثيوبيا عاقدة العزم على صب نصف مليون متر من الخرسانة بالممر الأوسط للسد؛ حتى تتمكن من تخزين 18 مليار متر مكعب من المياه، بغض النظر عن الاتفاق أو عدمه مع مصر والسودان؛ لتضع البلدين أمام أمر واقع في منتهى الخطورة؛ إذ يصعب بعدها وقف الملء، وصولا إلى السعة الكاملة للسد التي تتجاوز 74 مليارا، تجعل منه سلاح دمار شامل مسلطا على رقبة الدولتين، وأداة ضغط وإكراه استراتيجي على جميع المستويات.
إثيوبيا دولة هشة تعاني حروبا أهلية بين عرقياتها المختلفة، لذلك يصعب تصور أن هذا العناد نابع من أسباب داخلية فحسب، إنما هناك أياد خارجية فاعلة في قضية السد، دول كبرى وإقليمية معادية وصديقة وشقيقة لمصر، تلعب أدوارا رئيسية في دفع إثيوبيا للتشدد وإفشال المفاوضات، لتصبح حصتا مصر والسودان سلعة في مزاد، يشتريها من يملك المال والنفوذ، وأداة ضغط مضمونة النجاح لإجبار القاهرة والخرطوم على الرضوخ لأي إملاءات، خاصة إذا علمنا أنه باكتمال مشروعات السدود الإثيوبية- ثلاثة أمام سد النهضة- سوف تحتجز 200 مليار متر، بما يفوق المياه المتدفقة بالنيل الأزرق لمدة أربع سنوات، أو بمعنى آخر تعطيش مصر والسودان طوال تلك المدة، دون نقطة مياه واحدة. أديس أبابا لا تخفى نواياها، قالها دينا مفتي المتحدث باسم الخارجية بأنه لا مانع لديهم في بيع المياه، وبالطبع فإن إثيوبيا، إن لم تجد ما يعيد إليها رشدها المفقود، ستصبح قدوة لآخرين يترقبون نتيجة المعركة الراهنة، ولو حدث هذا قل على النيل ومصر والسودان السلام؛ لذلك لا يمكن السماح بالملء الثاني دون اتفاق، وتحت أي ظروف، والعلاقات مع السودان هي بوابة النجاح، من ثمّ لابد من تنقية هذه العلاقات من الشوائب سريعا، وعلى الدوام؛ لأن السودان أهم دولة بالنسبة لمصر، ومصر هي الأهم للسودان.
تتصاعد الأخطار الاستراتيجية، وليس أمام الدولتين سوى شهر واحد هو زمن وضع خرسانة السد، لتدارس الخيارات في هذه الأزمة الوجودية، حتى الآن لم تتجاوز خياراتهما التحركات الدبلوماسية التي تشبه الجري في المكان، وأحسب أن الخطوة المقبلة هي اللجوء إلى مجلس الأمن، تحت الفصل السابع من الميثاق، والفصلين السادس والثلاثين والثامن والثلاثين من النظام الداخلي للمجلس، وإذا لم تحقق تلك الخطوة هدفها فإنه يمكن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية؛ لاستصدار قرار بوقف عملية ملء السد والبناء فيه؛ لحين إنجاز اتفاق ملزم. وقد شرع سامح شكري وزير الخارجية في جولة إفريقية لشرح أبعاد الموقف المصري، حول (سد أبرهة)، المسمى زورا وبهتانا ب (النهضة)، وهي خطوة تأخرت كثيرا، لكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي.
السؤال الأهم هنا، ماذا لو فشلت كل تلك المساعي في إقناع إثيوبيا (ورعاتها الدوليين والإقليميين والعرب) بالوصول لاتفاق؟. في الحقيقة هذا هو الاحتمال الأرجح؛ ساعتها من حق دولتي المصب معا أو منفردتين، اتخاذ أي إجراء للدفاع عن النفس، حفاظا على حياة 150 مليون مصري وسوداني، معرضين للهلاك عطشا أو غرقا لو انهار السد. التوقيت حرج والفرصة ضيقة والخيارات مريرة فعلا، لكننا نثق بقدرة مؤسسات الدولة المصرية على اختيار الأداة والتوقيت المناسب للحفاظ على حياة الشعب، دون تفريط، حتى لو كان (الخيار الأخير) الذي لابد منه، بغض النظر عن أي تداعيات على المستوى الدولي، فكل خطر يهون بجوار تهديد النيل؛ فعلى مر العصور أدرك حكام مصر أن توافر مياه النيل هو ضمانة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والتقدم الحضاري، حتى قال نوبار باشا رئيس الوزراء (1825– 1899م) إن المسألة المصرية هي مسألة ري!. لذلك لا يجوز السماح بكسر إرادة المحروسة وتهديد حياة أبنائها، وعلينا ألا ننسى أن الله مع أصحاب المدافع الكبيرة، ونحن نملكها!.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عددها الصادر اليوم الأربعاء

Scroll Up