حازت المعارك الجارية منذ نوفمبر الماضي في إقليم “تيجراي” الإثيوبي، على معظم الاهتمام الإعلامي الإقليمي والدولي، رغم أن هذه المعارك باتت الأن جزءا من مشهد عسكري وأمني أكبر وأكثر ضراوة, يضرب المناطق الشمالية والغربية في إثيوبيا. التركيز الأضعف في هذا الصدد كان على المعارك الدائرة منذ فترة في إقليم “بني شنقول” شمالي غرب البلاد، والواقع على الحدود مع السودان.
تنبع أهمية هذا الإقليم من عدة اعتبارات، الأول هو طبيعته الخصبة، والثاني هو قربه من الحدود مع السودان، وكذا تماسه مع إقليمين من أهم أقاليم البلاد، الأول هو إقليم “أمهرة”، والثاني هو إقليم “أوروميا”. الاعتبار الثاني والأهم، أنه يحتضن موقع بناء سد النهضة.
يعرف إقليم بني شنقول في إثيوبيا باسم “قماز”، ويتكون من شريط حدودي، عرضه ما بين 250 و300 كيلو متر داخل الحدود الإثيوبية، وتبلغ مساحته الكلية نحو 50 ألف كيلو متر مربع. وقد كان تاريخياً تابع لولاية النيل الأزرق السودانية، لكن تم ضمه إلى الإمبراطورية الحبشية قبل استقلال السودان.

يتألف هذا الإقليم من ثلاث مقاطعات رئيسية، هي “ميتيكيل” في الشمال، و”أسوسا” في الغرب، و”كماشي” في الجنوب. وقد شهد على مدار الحقب الماضية، محاولات للتمرد من جانب القبائل السودانية التي تقطن فيه، والتي يبلغ تعدادها نحو أربعة ملايين نسمة، أكثر من نصفهم مسلمون، وذلك بسبب المحاولات المستمرة من الحكومات الإثيوبية المتعاقبة، من أجل طمس الهوية الأساسية لهذا الإقليم، وإذابة القومية السودانية بداخله، في كِيانات قبلية وآثنية إثيوبية، مثل قبائل قالة، وأورومو، ومكادة، وأمهرة، وتيجراي.

هذا الوضع أدى إلى نشوء بعض الكيانات السودانية التي حاولت مقاومة هذه المحاولات من جانب الحكومات الإثيوبية، مثل الحركة الشعبية لتحرير بني شنقول، التي بدأت منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2013، في مواجهة القوات الإثيوبية على الأرض داخل هذا الإقليم انطلاقا من الحدود السودانية. وعلى الرغم من أن هذه الجماعة قد استأنفت عام 2014 عملياتها ضد الجيش الإثيوبي، إلا أنها – وبدافع تطور العلاقات السودانية الإثيوبية في ذلك التوقيت – توقفت تدريجياً عن أية عمليات ميدانية بحلول منتصف عام 2020. محاولات إثيوبيا طمس الهوية العربية لهذا الإقليم، وتوطين كيانات قبلية إثيوبية فيه، بدا أنها أدت خلال السنوات الأخيرة إلى نتائج عكسية، وإلى اندلاع أعمال عنف على خلفيات عرقية بين الكيانات الإثيوبية نفسها.

بداية أعمال العنف هذه كانت في سبتمبر عام 2018، حين بدأت قومية “قميز” في استهداف وطرد الأقليات العرقية المتواجدة داخل مناطق الإقليم، خاصة قومية الأورومو، على خلفية مقتل أربعة موظفين كبار في حكومة الإقليم. عقب ذلك طارد مسلحي القميز أفراد الأورومو وأخرجوهم من كافة مناطق منطقة “كماشي” جنوبي الإقليم، واجبروهم على الإقامة بشكل شبه دائم في إقليمي “تيجراي و” أوروميا”.
https://twitter.com/DubeAbdurazak/status/1381708118975946755
تجددت أعمال العنف مرة أخرى في الإقليم بالتزامن مع بدء العمليات العسكرية في إقليم “تيجراي”، حيث أعلنت منظمة العفو الدولية في ديسمبر الماضي، أن أفراد قومية “قميز”هاجموا بشكل ممنهج منازل تعود للأقليات العرقية في الإقليم، وهي قوميات الأمهرة والشناشا والأورومو، وقاموا بإضرام النار في هذه المنازل وقتلوا نحو 200 مدني خلال هذه الاشتباكات، حسب مفوضية حقوق الإنسان الإثيوبية، التي أشارت إلى أن أعمال العنف تركزت في منطقتي “ميتيكيل” و”كماشي” . أعمال العنف هذه أدت حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة، عن لجوء أكثر من سبعة آلاف من قاطني هذا الإقليم إلى السودان.

التطور اللافت في ما يتعلق بهذا الإقليم تم خلال الأيام القليلة الماضية، حين أعلنت مفوضية حقوق الإنسان الإثيوبية، أن مجموعات محلية مسلحة، يعتقد انها تنتمي لقومية القميز، قامت بالسيطرة بشكل كامل على منطقتي “سيدال” و”ووريدا” اللتان تقعان في مقاطعة كاماشي جنوبي الإقليم، وهما قريبتان بشكل كبير لموقع بناء سد النهضة الإثيوبي. هذا التطور اجبر الجيش الإثيوبي على سحب بعض وحداته من إقليم تيجراي، وإنشاء قيادة عسكرية ميدانية في نطاق إقليم “الأمهرة”، لمحاولة التجهيز لبدء عملية عسكرية لاستعادة هذه المناطق، وهو عبء إضافي على القوات الإثيوبية، بالنظر إلى الواقع الميداني الحالي في عموم البلاد.

فالجيش الإثيوبي حالياً يقاتل في مجموعة من الجبهات، ليس فقط في إقليم تيجراي، وعلى خط الحدود مع السودان، بل أيضاً في إقليم أوروميا المتاخم للعاصمة، حيث تخوض القوات الإثيوبية حرب عصابات مع قوات جبهة تحرير أوروميا، خاصة غربي منطقة “ويليجا”، بجانب اندلاع اعمال عنف عرقية في عدة مناطق بإقليم أمهرة، بين عرقيتي الأمهرة والأورومو، وهي اشتباكات شابها مذابح واسعة النطاق للمدنيين، وباتت سمة أساسية للوضع الداخلي في إثيوبيا على مدار السنوات الأخيرة، فقد سجل مشروع “بيانات مواقع واحداث النزاعات المسلحة”، المعروف باسم (ACLED)، أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تزايدت المذابح التي تستهدف المدنيين في إقليم بني شنقول بنسبة تقترب من ألف بالمائة، وفي إقليم تيجراي كانت النسبة تقترب من 1700 بالمائة.

خلاصة القول أن الجبهة الداخلية الإثيوبية باتت الآن في خضم حصاد السياسات الحكومية الإثيوبية، التي كانت تعتمد على ضرب القوميات العرقية ببعضها البعض، وأصبحت المؤسسة العسكرية الإثيوبية أكثر تشتتاً على المستوى الميداني، بعد أن بات قوس عملياتها يمتد من إقليم تيجراي شمالاً، وصولاً للحدود السودانية وإقليم أمهرة وإقليم بني شنقول وإقليم أوروميا غرباً. فقدان الجيش والحكومة للسيطرة على بعض المناطق في إقليم بني شنقول يعد أمراً غير مسبوق حتى في المرات السابقة التي فرت فيها القوات الأمنية وممثلي الحكومة من بعض مقاطعات هذا الإقليم، وفي حالة استمرار هذا الوضع وتوسعه، ستكون إثيوبيا على موعد مع فصل جديد من فصول الصراع الداخلي، ستلقى بالتأكيد بظلالها على الانتخابات العامة التي تقترب حثيثاً، وكذا على ملف سد النهضة الذي يقترب من لحظة حاسمة وفارقة.

.

Scroll Up