دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى عقد مجلس وزاري مصغر للشؤون السياسية والأمنية لبحث التصعيد المفتوح في الضفة الغربية، وقطاع غزة (25 أبريل). وخَلُصَ المجلس إلى ضرورة فرض الهدوء الأمني على الجبهتين (أي الضفة وغزة)؛ لذلك سرعان ما دعا نتانياهو الدول العربية (مصر والأردن وقطر) للتوسط في خفض التصعيد. يمكن أن يُثار سؤال حول حدود التحديات والفرص أمام نتانياهو جراء اندلاع المواجهة مع الفلسطينيين في الضفة وغزة.

الجدول الزمني

  • 23 إبريل: نظمت حركة قومية يمينية متطرفة إسرائيلية تدعى “لاهافا: وتعني لهب بالعبرية” مسيرة احتجاج في أحياء عربية في القدس الشرقية في 23 أبريل 2021، وهتفت ضد العرب بعبارات متطرفة وجدت استهجانًا لدى المصلين الفلسطينيين الذين صادف خروجهم من صلاة التراويح في المسجد الأقصى؛ مما دفع الأخيرين إلى الانخراط في موجات عنف مع الإسرائيليين المتطرفين وقوات الشرطة الإسرائيلية في آن واحد على مدار أيام 23 و24 و25 أبريل.
  • 24 إبريل: سرعان ما نادت الحكومة الإسرائيلية إلى عقد المجلس الوزاري المصغر لبحث عدة مسائل، وهي آفاق المواجهة مع إيران بعد سقوط صاروخ قرب مفاعل ديمونا، والتصعيد في الضفة.
  • 25 إبريل: يستمر انعقاد المجلس الوزاري المصغر لبحث التصعيد المفاجئ من أطراف فلسطينية في غزة بعد إطلاق مجموعة صواريخ سقطت في الأراضي الإسرائيلية. 
  • 26 إبريل: يدير نتانياهو الأزمة مع حماس في غزة بطبيعة متزنة نسبيًا تجمع بين التوافق والهجوم، إذ دعا إلى ضرورة فرض الهدوء الأمني في غزة بعد دعوة مصر وقطر للتوسط في حل الأزمة. من ناحية أخرى تفرض إسرائيل مجموعة من السياسات الهجومية مثل تشديد الحصار البري والبحري على غزة والتهديد بالمواجهة العسكرية العنيفة في حال عدم عدول “حماس” عن التصعيد.
  • 27 إبريل: يستعد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتأجيل الانتخابات الفلسطينية، في حين يستعد الجيش الإسرائيلي للدخول في مواجهة مسلحة مع حماس بسبب رفض الأخيرة تأجيل الانتخابات.

تحديات غير محسوبة

بالنظر إلى التفاصيل السابق ذكرها يمكن الخروج بعدد من المؤشرات التي لا تتفق مع أهداف إسرائيل الاستراتيجية، ومتطلبات نتانياهو ذاته من أجل تشكيل ائتلاف حكومي مستقر، أبرزها هي:

  • الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يطفو مرة أخرى على السطح: 

طالما حرصت إسرائيل على تذييل القضية الفلسطينية ضمن أولويات المنطقة وتصدير مشاهد أمنية وعسكرية مع دول إقليمية (إيران) وفواعل من دون الدول (حزب الله وحماس). ولكن بيد أن مشهد المظاهرات الفلسطينية في القدس الشرقية يصدر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرة أخرى إلى الواجهة. سيما وأن المتظاهرين نجحوا في رسم صورة إيجابية عن طبيعة المقاومة السلمية ضد قوات الأمن الإسرائيلية التي قد تشكل رغبة لدى الفلسطينيين في مناطق أخرى في الضفة الغربية. ربما ذلك يفسر سرعة رد الفعل الإسرائيلي في طلب الوساطة من أجل التهدئة.

تسبب هذا المؤشر في الضغط على إسرائيل (من قبل الأمم المتحدة ودول أوروبية) للسماح بعقد انتخابات فلسطينية بما فيها القدس الشرقية. وهو ما دفع إسرائيل بتأجيل ردها الرسمي لعدم الدخول في موجات من التوتر الدبلوماسي مع المجتمع الدولي.

  • تأزم الجبهة الداخلية لإسرائيل

طالما حرصت إسرائيل على إخراج جبهتها الداخلية عن حدود الاحتكاك مع دولة معادية أو أي فصيل من دون الدول وهو ما يفسر حيوية التنسيق الأمني بينها وبين السلطة الفلسطينية لضمان استقرار الشارعين العربي واليهودي في الضفة الغربية. ولكن منحت مظاهرات القدس الشرقية فرصة سانحة لإيران ووكلائها في المنطقة لتأزيم الجبهة الداخلية الإسرائيلية واستغلال المشهد لتوجيه مناوشات محدودة ضد إسرائيل.

هذا يفسر التصعيد الأمني المفاجئ من قبل الأطراف الفلسطينية في غزة، كما يفسر الدافع وراء إطلاق حزب الله طائرة مسيرة اخترقت الأجواء الإسرائيلية شمالا.

  • مزيد من التصدع بين التيار الديني والتيار القومي في إسرائيل:

أصدرت النخبة الحاكمة للتيار الديني (الحريديم) في إسرائيل بيانًا تنصلت فيه من مسؤولية اندلاع موجة الكراهية في القدس الشرقية، وألصقت المسؤولية إلى التيار القومي المتطرف بل ودعت مريديها إلى عدم الانجرار لمثل تلك الدعوات المتطرفة.

ويمكن إرجاع دوافع الحريديم لعمل مثل هذا السلوك إلى: (1) درء احتمالات النبذ المجتمعي من المجتمع الإسرائيلي ضد الحريديم والتي تعود إرهاصاتها للاتهام الذي لاحقهم بالتسبب في نشر فيروس كورونا في إسرائيل. (2) درء احتمالات التعرض لموجات عنف من الفلسطينيين في الضفة الغربية. 

ولكن يعكس هذا المؤشر حجم التصدع بين التيارين الديني واليميني القومي والذي ظهرت في عبارة تضمنها البيان الحريدي “إن القوميين المتطرفين لا يريدون صحة ومصلحة الحريديم، كما أنهم يد شريكة في اقتلاع الدين وتمزيق التوراة”.

ملامح فرص ممكنة

يحمل المشهد إمكانات تشكل فرص ممكنة قد تستغلها إسرائيل لتعزيز روايتها وموقفها، يمكن إيضاحها أكثر فيما يلي:

إمكانية تحفيز تشكيل حكومة: يواجه نتنياهو أزمة سياسية تتمثل في عجزه عن تشكيل ائتلاف حكومي مستقر، ولكن ظهرت تصريحات مشجعة من قبل زعماء أحزاب إسرائيلية ما زالوا يمثلون عائقًا أمام تشكيل الحكومة، مثل نفتالي بينيت زعيم حزب يمينا الذي قال إن تطورات المشهد الحالي تدعونا إلى سرعة تشكيل حكومة فاعلة، وأن الحزب سيقف ليمنع الدخول في سيناريو انتخابات خامسة.  ولكن يحتاج نتانياهو حربًا موجهة ضد فصائل فلسطينية من أجل تشجيع الأحزاب اليمينية الدينية للموافقة على سرعة تشكيل حكومة برئاسته.

  • تأجيل الانتخابات الفلسطينية وضرب التفاهم بين حماس وفتح

ترى الأجهزة الأمنية في إسرائيل أن فرص حماس تفوق فرص فتح في الفوز بالانتخابات، سيما وأن الأخيرة تعاني من التفكك الحزبي بداخلها. لذا تستمر إسرائيل في تأجيل ردها الرسمي على السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية؛ (1) لعدم تعزيز رواية المقاومة الشعبية ضد إسرائيل كما حدث في تظاهرات القدس. (2) لضرب التفاهمات الإيجابية بين حماس وفتح؛ سيما وأن الأولى لا توافق على تأجيل الانتخابات وتترجم موقفها بالسماح بتوجيه ضربات صاروخية ضد إسرائيل من قطاع غزة. 

  • مزيد من التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة

كانت توافقت الولايات المتحدة وإسرائيل على إنشاء مجموعة عمل تبحث تهديدات البرنامج النووي الإيراني على إسرائيل. ولكن بعد تحولات المشهد الأخير خاصة فيما يتعلق بالصاروخ الإيراني المتفلت (حسب الرواية الإسرائيلية) الذي سقط في ديمونا، فقد اتفق الجانبان على توسيع عمل المجموعة ليشمل تهديد الطائرات المسيرة الإيرانية والقذائف الصاروخية الموجهة بدقة. جاء ذلك بعد زيارة وفد أمني إسرائيلي إلى واشنطن (الاثنين 26 إبريل) شمل رئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.مما سبق يمكن القولإن، إسرائيل بما فيها رئيس حكومتها الحالي “نتنياهو” تقع بين تجاذبين سياسيًا وأمنيًا: يعني أن إسرائيل قد تُقرر عدم السماح بإجراء انتخابات مما يمنح السلطة الفلسطينية فرصة أطول للبقاء، ولكن سيكلفه ذلك مواجهة عسكرية مع حماس واندلاع الفوضى في الضفة الغربية، قد تستغلها إيران في سوريا وحزب الله في لبنان بتوجيه مناوشات محددة، ربما يُفسر ذلك رغبة إسرائيل في تسكين الجبهة الشمالية مع حزب الله عن طريق تقديم موقف مرن فيما يتعلق بمسألة ترسيم الحدود البحرية مع لبنان.