نصب رهبان أحباش من إثيوبيا (في 29 إبريل) خيمة مرفوعا عليها علم الدولة الاثيوبية في ساحة الدير القبطي الملقب بـ “دير السلطان. المملوك للكنيسة المصرية للأقباط الأرثوذكس ويقع داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس.
أثار ذلك استياء الرهبان الأقباط الأرثوذكس فدفعهم لمحاولة إنزال العلم، ولكن ما كان على الرهبان الاثيوبيين إلا منع الأقباط من إنزال العلم الاثيوبي والتهكم عليهم.
تتزامن الواقعة مع حوادث المواجهة المستمرة بين الفلسطينيين في القدس الشرقية مع قوات الشرطة الإسرائيلية في منطقة باب العامود والتي انطلقت شرارتها بعد مسيرات التحريض التي نظمها قوميون إسرائيليون وحركات إرهابية مثل حركة اللهب الإسرائيلية، في 24 أبريل.

واقع الأزمة

حاول عدد من الإثيوبيين الرهبان نصب خيمة في ساحة الدير تحمل العلم الإثيوبي، إلا أن رهبان الكنيسة القبطية المصرية الموجودون تعاملوا مع الواقعة بنوع من الحكمة وضبط النفس في محاولة لتجنب الصدام مع أي طرف.
استمرت عملية نصب الخيمة الاثيوبية في ساحة الدير الذي تبلغ مساحته 1800 م مربع، كما تم تغطيتها بالكامل بواسطة العلم الاثيوبي كعلامة رمزية على هوية الخيمة، وتبعية الدير، وكذلك اختبار ردود الفعل المسيحية المصرية. وعليه استمرت دعاوى الرهبان الاقباط على إزالة العلم والخيمة من ساحة الدير المملوك للكنسية المصرية.
تجمع الرهبان المصريون بالدير لإزالة الخيمة والعلم الإثيوبي (29 إبريل)، وسط تدخل من أفراد الشرطة الإسرائيلية، فيما جرى إبلاغ الكنيسة المصرية ووزارة الخارجية المصرية بكافة التفاصيل للتدخل بشكل رسمي بهدف تهدئة الموقف.
وعلى إثر هذه الأحداث، نظم مطران القدس الأنبا أنطونيوس، وقفة احتجاجية بمشاركة الرهبان المصريين؛ احتجاجا على هجوم الرهبان الإثيوبيين عليهم، وسط تواجد محدود من أفراد الشرطة الإسرائيلية الذين حاولوا تهدئة الموقف.

تاريخ الأزمة

يرجع تاريخ دير السلطان في القدس، حسب بيانات الكنيسة المصرية، إلى عهد السلطان عبد الملك بن مروان “684-705م”، والذي وهبه للأقباط فسمي دير السلطان. ثم تم التأكيد على ملكية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للدير في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر بعد استعادته من ايدي الصليبيين.
لجأ الأحباش للكنيسة القبطية ليجدوا لهم مأوى مؤقتًا للإقامة لديهم إلى أن تحل مشكلتهم ويعودوا إلى أماكنهم وكان ذلك في عام 1654. واستمر وجود الاحباش في الدير المصرية طيلة قرنين من الزمن.
وفي 1820 قامت الكنيسة القبطية بأعمال ترميم بدير السلطان مما استدعى إخلاء الدير من كل قاطنيه؛ الأقباط والأحباش، وسمح لهم بالعودة كضيوف بالدير في عام 1840م باعتبارهم من أبناء الكنيسة القبطية.
يوظف الاثيوبيون أداتين رئيستين من أجل اختراق دير السلطان وفرض سيطرتهم عليه، وهي:
أولا: أوقات الأزمة والتوتر
منذ انفصال الكنيسة الاثيوبية عن الكنيسة المصرية في 1959، وهناك محاولات من الاحباش لفرض سيادتهم على دير السلطان في القدس. كانت أولى هذه المحاولات نجاحهم في إقناع ملك الأردن (الملك الحسين) أثناء فترة حكمه للضفة الغربية بملكيتهم للدير وتسليمه لهم (في 1961)، ولكن لم يلبث إلا ان تدخل الرئيس جمال عبد الناصر من خلال إرساله وفد قبطي إلى العاصمة الأردنية لإقناع الملك بأحقية الكنيسة القبطية التي تمتلك 46 وثيقة تثبت ملكيتها للدير، وبالفعل عاد الدير إلى الحضن المصري.
ثم بعد نكسة 1967، وبالتحديد في إبريل 1970، سلمت الشرطة الإسرائيلية مفاتيح الدير إلى الاحباش وعندما علم الرهبان الأقباط بهذا هرعوا إلى دير السلطان لاستعادة ممتلكاتهم ولكن القوات الإسرائيلية منعت بالقوة دخول مطران الأقباط وكل من معه إلى دير السلطان.
وإزاء ذلك، تقدم مطران الأقباط بدعوى أمام المحكمة العليا الإسرائيلية والتي أقرت بالإجماع بإعادة مفاتيح الكنيستين وأبواب الممر لأيدي الأقباط في 16 مارس 1971، إلا أن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تمتنع عن تنفيذ حكم المحكمة العليا حتى الآن، على الرغم من الدعاوى العديدة التي قدمت إليها.
ثانيا: ترميم الدير وتغيير الملامح
وفى عام 1906 طلب الرهبان الأحباش، القيام بترميم الدير كخطوة تمهيدية في محاولة الاستيلاء عليه ولذلك أسرعت الكنيسة القبطية بتقديم طلب للقيام بالترميم والذي وافقت عليه السلطات الرسمية المختصة في عام 1910 مؤكدا بذلك أحقية الأقباط كأصحاب الشأن والتصرف في دير السلطان.
وفى عام 1945 وفى فترة الانتداب البريطاني، قام الأحباش بطلاء إحدى الغرف التي كانوا يقيمون فيها، فأرسل محافظ القدس خطابا يؤكد فيه أن ذلك العمل لا يمكن اعتباره فى المستقبل قرينة تؤيد أي حق لهم فى دير السلطان، ووجه صورة من هذا الخطاب لمطران القدس آنذاك.
تكرر الأمر في اكتوبر 2018، إذ تقدمت الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط من اللوبي الاثيوبي بطلب ترميم دير السلطان، مما أثار غضب الاقباط كون الطلب تم تنفيذه دون موافقة من الكنيسة المصرية، وعلى إثره اعتقلت الشرطة الإسرائيلية راهبًا وعشرات المحتجين من الأقباط الأرثوذكس، الذين خرجوا في وقفة تنديدا ببدء أعمال الترميم في كنيسة الدير؛ كونها محاولة لطمس الهوية المصرية للدير.
ويستدل على تسييس عملية الترميم للدير هو أن الانبا انطونيوس مطران القدس والشرق الأدنى تعاقد مع شركة لترميم كنيسة الملاك التابعة لدير السلطان، والتي تم انتزاع حجر أساسي منها أثناء قيام الكنيسة المارونية بترميم إحدى كنائسها التي تقع أعلى الدير. لكن السلطات الإسرائيلية رفضت دخول الشركة التي تم التعاقد معها، وأبدت الحكومة الإسرائيلية رغبتها في القيام بأعمال الترميم، وهو الأمر الذي ترفضه الكنيسة.

ختاما، يمكن القول إن المناوشات المتكررة بين الرهبان الاحباش والرهبان الاقباط حول حيازة وملكية دير السلطان تنتقل من أبعادها التاريخية إلى محددات سياسية تغذيها التوترات السياسية مثل رفض الحكومة الإسرائيلية تنفيذ قرار محكمة العدل العليا الإسرائيلية بنقل ملكية الدير إلى الكنيسة المصرية.
ربما تقع أولى تفسيرات دوافع إسرائيل من هذا الرفض هو وقوع دير السلطان على الممر الرئيسي المؤدي إلى كنيسة القيامة، واعتراف إسرائيل بملكية مصر على الدير يعني موافقة إسرائيلية على استغلال الدير في تعزيز قوة مصر الناعمة في القدس.