على مدار تاريخها تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من الصراع تسيطر على طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى الإقليمية، وكذلك بين الفاعلين الدوليين الذين يحاولون فرض سيطرتهم على الإقليم؛ ولعل الصراع بين إيران بما تمثله من مشروع وإسرائيل بما تمثله من دور وظيفي وفكر أمني ورؤية للمنطقة كنموذج يمثل واحدًا من أهم صراعات المنطقة الكلاسيكية خلال العقود الماضية، وفي ظلاله يمكننا رؤية وتفسير بعض السياسات الخاصة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا.

وتتوالى المناوشات والصدامات والضربات في جولات تحسب بالنقاط، ولكنها لن تعلن أي منها فائزًا في معادلة ليست صفرية كما يعتقد ويروج البعض، لكنها خاضعة لحسابات ومصالح وتوازنات قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراع ولكنها لن تحسمه؛ بالتوازى هناك وجود لدول عربية تسكن تلك المنطقة لها مخاوف ومطالب يغيب عنها المشروع والرؤية وآليات الحركة والتمدد وربما الاحتواء، ويظل مصيرها رهن التفاعلات ومصالح الآخرين.

وقد يعتقد البعض أن الأمر مقصور على ما أعلن عنه من عمليات مخابراتية إسرائيلية داخل إيران ضد شخصيات ومنشآت لها علاقة بالملف النووي؛ ولكن الأمر يمتد ميدانيًا على مسارح عمليات الإقليم مستهدفًا البنية العسكرية لإيران وخاصة في سوريا، لقد رصد عدد من المصادر الاستخباراتية الغربية والإقليمية أن إسرائيل وسعت خلال الفترة الماضية وبشكل كبير ومعلن وغير معلن الضربات الجوية على مراكز إنتاج الصواريخ والأسلحة الإيرانية في سوريا لصد ما تراه تعديًا عسكريًا خفيًا من قبل “عدوها اللدود” في المنطقة؛ فتل أبيب تزعم أنه بالاستفادة من تحالف طويل مع سوريا، تقوم إيران بنقل أجزاء من صناعة الصواريخ والأسلحة المتقدمة إلى مجمعات تحت الأرض موجودة مسبقًا لتطوير ترسانة متطورة تستهدف المراكز السكانية الإسرائيلية، وفقًا لمصادر استخباراتية إسرائيلية وغربية ومنشقين سوريين.

كان التدخل الإسرائيلي المعتاد في مرات سابقة على المسرح السوري عبارة عن ضربات جوية متفرقة لتدمير شحنات الأسلحة إلى جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران، ومنع الميليشيات من إنشاء قواعد في جنوب غرب سوريا، بالقرب من الأراضي الإسرائيلية. لكن مع إنهاء الرئيس السوري بشار الأسد بالكامل للتمرد المستمر منذ عقد من الزمن بمساعدة حاسمة من القوات الإيرانية والروسية، تحولت إسرائيل إلى استهداف اختراق إيران للبنية التحتية العسكرية لسوريا، حسبما قال ثلاثة مسؤولين أمنيين إسرائيليين ومسؤولين غربيين مطلعين على الأمر لوكالة رويترز.

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافى، في ديسمبر الماضى، إن أكثر من 500 ضربة صاروخية إسرائيلية في عام 2020 “أبطأت ترسخ إيران في سوريا … لكن لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه لتحقيق أهدافنا في هذه الساحة”. على رأس قائمة الضربات الإسرائيلية كان أي بنية تحتية يمكن أن تعزز جهود إيران لإنتاج المزيد من الصواريخ الموجهة بدقة، والتي يمكن أن تقوض التفوق العسكري الإقليمي لإسرائيل، بدلًا من أي أصول عسكرية مرتبطة بإيران. إن تطوير صواريخ دقيقة التوجيه تحت غطاء في سوريا يُنظر إليه على أنه أقل عرضة للهجوم الإسرائيلي من نقلها برًا أو جوًا من إيران.

على مدى ثلاث سنوات، استخدمت إسرائيل 4239 سلاحًا ضد 955 هدفًا مع مشاركة 70 ٪ من الطيارين الإسرائيليين في الحملة، حيث قادت الطائرات المقاتلة الجديدة من طراز F-35I Adir عشرات المهام. “لقد مرت … شهور من الضربات المؤلمة، ولم تعد (بعد الآن) مقصورة على مرتفعات الجولان أو جنوب سوريا (بالقرب من إسرائيل) أو حول أطراف دمشق، فقد ذهبوا شمالًا إلى حلب وحماة والبوكمال” على حد وصف العميد أحمد رحال وهو منشق عن الجيش السوري لرويترز “على الحدود العراقية”. ومع ذلك، فإن بعض المجمعات تحت الأرض تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات (6.2 ميل)، مما يجعل من الصعب اختراقها بشكل كامل حتى بالنسبة للقنابل الإسرائيلية الموجهة بالأقمار الصناعية والتي تزن 500 رطل.

وقال العميد يوسي كوبرفاسر، المدير العام السابق بوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية والرئيس السابق لجناح الأبحاث في المخابرات العسكرية الإسرائيلية: “لا أعتقد أن إسرائيل مهتمة بضرب كل هدف ينتمي إلى القوات التي تقودها إيران. هذه ليست القضية؛ نحن نحاول ضرب أهداف ذات تأثير استراتيجى”. وقال كوبرفاسر لرويترز “نريد منع إيران من تحويل سوريا إلى قاعدة إيرانية قريبة من إسرائيل قد تحدث تغييرًا استراتيجيًا جذريًا في الوضع … لهذا السبب نستمر في قصف القواعد الإيرانية حتى لا يسيطروا على البلاد.”.

وتعتبر إسرائيل إيران تهديدًا لوجودها وسعت إلى إضعاف سعي إيران إلى قوة إقليمية أوسع بمزيج انتقائي من الأعمال العسكرية والسرية، بما في ذلك ما تصفه طهران بأنه هجمات تخريبية على برنامجها النووي.

فتح الصراع على مصراعيه

ودعمًا لسلسلة الحملات الإسرائيلية، شنت الولايات المتحدة في 25 فبراير الماضي ضربات جوية على مواقع لميليشيات شيعية تدعمها إيران في أقصى شرق سوريا على الحدود مع العراق، في أعقاب إطلاق صواريخ على قواعد أمريكية في العراق؛ حيث ذكر عدد من مسؤولي المخابرات والمنشقين عن الجيش السوري أن الحرب الجوية الإسرائيلية المتوسعة دفعت قوات الميليشيات المدعومة من إيران إلى إعادة انتشارها من مواقع أمامية بالقرب من الحدود الجنوبية الغربية لسوريا مع إسرائيل باتجاه الحدود الشرقية. وقال سكان منطقة دير الزور بشرق سوريا إن عشرات منصات إطلاق صواريخ الفخ وثكنات المزارع المهجورة التي تحمل أعلام الميليشيات الإيرانية تنتشر الآن على الطرق السريعة الرئيسية في محاولة لإبعاد إسرائيل عن أهداف حقيقية.

ومنذ يناير الماضي عزز فيلق القدس، ذراع القوات الخاصة خارج الأراضي التابعة للحرس الثوري الإيراني، وجوده حول البوكمال، محاطًا بممر لقوافل الأسلحة الثقيلة القادمة من العراق، وفقًا لمصدرين استخباراتيين إسرائيليين، مستشهدين بمراقبة مكثفة بطائرات بدون طيار واتصالات سورية على الأرض.

لم تكن إسرائيل وإيران على وشك تصعيد كبير أو حرب حتى الآن، ومن المرجح أن يؤدي التقدم المستمر في المحادثات النووية الإيرانية في فيينا إلى إحباط أي منها، إذا رأت إسرائيل أن محاولة تقويض صفقة ما ستكلف الكثير من العلاقات مع واشنطن، لكن العوامل التي قد تؤدي إلى انفجار كبير تتصاعد الآن بطريقة مخيفة.

لقد كان انفجار 11 أبريل في منشأة نطنز النووية -الذي يُفترض أنه من صنع إسرائيل- ضربة دراماتيكية في حرب الظل حول برنامج إيران النووى. ردًا على الهجوم، عززت إيران قدرتها على التخصيب. سقط صاروخ انطلق من الأراضى السورية بالقرب من ديمونة في إسرائيل في 22 أبريل، وردت إسرائيل على موقع الإطلاق في سوريا. مثل هذه السلسلة من الأحداث تخاطر بالتصعيد، حتى عن غير قصد، لفتح الصراع على مصراعيه.

ورغم ذلك أعربت إدارة بايدن، المنشغلة بسياسات التعافي المحلي، عن نيتها العودة إلى الاتفاق النووي الإيرانى لعام 2015، لكن يبدو أنها ليست في عجلة من أمرها للقيام بذلك. لكن بدون الدبلوماسية الأمريكية المكثفة المصممة لكبح كل من إسرائيل وإيران، يمكن للإدارة أن تجد نفسها بسهولة منجذبة إلى صراع لا تريده ولا تحتاجه ويقوض أولوياتها الحقيقية في الداخل.

وسائل إعلام إسرائيلية ذكرت أن رئيس الموساد “يوسي كوهين” التقى منذ أيام الرئيس الأمريكي جو بايدن ووزير خارجيته ومدير السي آي إيه ومستشار الأمن القومي الأمريكي للحديث عن برنامج إيران النووي – ويقولون إن هذه الزيارة لم تكن مدرجة على جدول أعمال جو بايدن، ولكنها جاءت لمناقشة أمور قد تبدو طارئة وتنسيقية؛ وهذا هو اللقاء الأول لمسؤول إسرائيلي مع الرئيس الأمريكي منذ تنصيب بايدن رئيسًا مطلع العام الجاري.

 وكان عدد من المسؤولين الإسرائيليين عقدوا خلال الأيام القليلة الماضية لقاءات مع مسؤولين أمريكيين تركزت حول الملف الإيراني بالتزامن مع محادثات فيينا. في الإطار نفسه، التقى رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شابات مع نظيره الأمريكي جيك سوليفان، كما التقى كوهين مع وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن، فيما عقد مسؤولون من الجيش الإسرائيلي محادثات مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية.

وذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية: “بينما يستكشف الرئيس جو بايدن إمكانية عودة الولايات المتحدة إلى اتفاق عام 2015 لاحتواء البرنامج النووي الإيراني الذي تخلى عنه سلفه دونالد ترامب، كثفت إسرائيل الدعوات لفرض المزيد من القيود الشاملة على التقنيات والمشاريع الإيرانية الحساسة”.

توظيف الأزمات الإيرانية

في إحاطة للكونجرس في 14 أبريل، حددت مديرة المخابرات الوطنية الأمريكية أفريل هينز إيران كواحدة من أكبر أربعة تهديدات تواجه الولايات المتحدة. وأشارت “نتوقع أن تخاطر إيران بما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات وتهديد مصالح الولايات المتحدة والحلفاء في العام المقبل”. ينبع هذا التقييم جزئيًا من الإحباطات المتزايدة لإيران في الداخل والخارج. لقد دمرت العقوبات الاقتصاد الإيرانى. حالات الإصابة بفيروس كوفيد -19 آخذة في الارتفاع؛ ومواقف إيران المتطرفة -التي تطالب بإزالة جميع العقوبات الأمريكية، بما في ذلك تلك المتوافقة مع الاتفاق النووي، بينما ترفض التعامل مباشرة مع واشنطن- جعلت تخفيف العقوبات بعيد المنال في الوقت الحالى.

حتى الآن، تتجنب طهران المخاطرة في الرد على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بما في ذلك اغتيال عالم إيراني كبير وتخريب المواقع النووية الإيرانية. لكن هذا الموقف يمكن أن يتغير. قد تصبح إيران أكثر استعدادًا للمخاطرة -كما كانت في عام 1996 عندما هاجمت منشأة عسكرية أمريكية في المملكة العربية السعودية، وخريف عام 2019، عندما ضربت منشآت النفط السعودية- بسبب شعورها بالإحباط بسبب عدم تخفيف العقوبات، والارتباك من السهولة التي تخترق بها إسرائيل أمنها الداخلي.

إن قرار إيران البدء في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة هو دليل واضح على أن البلاد لديها القدرة على الوصول إلى 90 في المائة، وهي درجة تصنيع أسلحة، بسرعة نسبية. حقيقة هذه القدرة لا تشير بأي حال من الأحوال إلى أن طهران يمكن أن تصنع قنبلة على الفور، أو حتى اتخذت القرار للقيام بذلك. ولكن إذا فشلت المفاوضات، ستواصل إيران المضي قدمًا بأجهزة الطرد المركزي المتقدمة لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي.

أصدرت الحكومة الإسرائيلية تحذيرات صارخة من أن العودة إلى الاتفاق النووي دون تغييرات لن تجدي إذا عادت الولايات المتحدة وإيران إلى المسار التفاوضي في ظل هذه الظروف، فقد تزداد احتمالية التصعيد. وهناك قطاع كبير من المراقبين يرى أنه عاجلًا أم آجلًا من المرجح أن تستخدم إسرائيل القوة العسكرية لمحاولة منع إيران من تسليح اليورانيوم المخصب، وستنجر الولايات المتحدة إلى الصراع.

نتنياهو يمارس الضغط

خلال حملته الرئاسية، وعد جو بايدن بالعودة السريعة إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015. ربما من وجهة نظر مستشاريه لا ينبغي أن يفعل؛ إذ إنه يواجه أكثر مهمة شاقة تتمثل في التعافي الوطني لأي رئيس منذ فرانكلين روزفلت، والأولويات المحلية والسياسة تجعل العودة إلى الاتفاق النووى الإيراني أمرًا صعبًا بشكل خاص.

تعقد المهمة سياسات سلف بايدن، الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فرضت إدارة ترامب عقوبات على إيران لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. لأن هذه العقوبات لا يغطيها الاتفاق النووى، فإن العودة إلى الاتفاقية لن تجعلها تختفي. لكن إيران طالبت برفع كل هذه العقوبات قبل أن تمتثل لالتزاماتها النووية. لا يوجد سوى إجماع محدود في واشنطن للعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران وفقًا للشروط نفسها تمامًا كما كان من قبل. يعارضها الجمهوريون وحتى بعض الديمقراطيين المهمين. كل هذه العوامل، جنبًا إلى جنب مع الحاجة إلى الاحتفاظ برأس المال السياسي للأجندة المحلية للإدارة، جعلت بايدن حذرًا وعادًا إلى المخاطرة بتطوير إيران النووى.

تعكس تصرفات إسرائيل المتصاعدة ضد إيران مخاوف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأمنية وتزايد عدم ثقته في الولايات المتحدة وهذا ما يفسر إرساله كل هؤلاء المسؤولين الأمنيين والعسكريين إلى واشنطن خلال الأيام الماضية والتحرك في كواليس صنع القرار الأمريكى. لا يعتقد نتنياهو أن الولايات المتحدة مسؤولة بالكامل عن التهديدات التي يشكلها برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية ودعمها للهجمات على إسرائيل. من وجهة نظره، يجب إعطاء العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على إيران عند انسحابها من الصفقة مزيدًا من الوقت لتشكيل اقتصاد إيران وقراراتها السياسية. وبدلاً من ذلك، إذا عاودت الولايات المتحدة الدخول في الاتفاقية النووية دون تغييرها للتعامل مع برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو أنشطتها في المنطقة، فستجد إسرائيل نفسها في موقف يتعذر الدفاع عنه.

لدى نتنياهو أسباب تجعله واثقا من قدرة بلاده على تولى هذه الأمور بنفسها. على عكس عدة سنوات، عندما كان للجيش الإسرائيلي نفوذ مقيد، يتمتع نتنياهو الآن بدعم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي، الجنرال أفيف كوخافي فضلًا عن أن القدرات العسكرية لإسرائيل في مواجهة إيران أكثر تقدمًا بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. وقامت إسرائيل بتأمين مسارات طيران فوق عدد من دول المنطقة وحصلت من الولايات المتحدة على صهاريج وقود معززة. تعمل هذه التطورات مجتمعة على تحسين قدرة سلاح الجو الإسرائيلي بشكل كبير على تنفيذ طلعات جوية متكررة ضد أهداف داخل إيران. بالإضافة إلى ذلك، تتمتع إسرائيل الآن بإمكانية الوصول إلى قواعد في دول المنطقة لإجراء المراقبة أو الغارات ضد إيران، عبر الخليج العربى.

علاوة على ذلك، قد يكون التصعيد مع إيران حتميًا لنتنياهو لأنه يواجه مشاكل داخلية، بما في ذلك تهم الفساد والمأزق السياسى. رئيس الوزراء الإسرائيلي مسؤول للغاية عن قيادة بلاده إلى الحرب فقط من أجل الهروب من مشاكله القانونية. لكنه سيستفيد بالفعل، لأن الجمهور الإسرائيلي لا يريد أن يثقل كاهل رئيس وزراء في زمن الحرب بمحاكمة، والتي من المحتمل أن يتم تأجيلها، حيث سيضطر المعارضون السياسيون إلى الالتفاف حوله في تحالف وحدة وطنية.

لا توجد خيارات سهلة متاحة للولايات المتحدة لصرف نتنياهو المصمم عن مسار التصعيد الذي يسلكه وإقناعه بالمصلحة الأمريكية. نتنياهو يعتقد أنه يعرف كيف يتعامل مع واشنطن. لديه دعم كبير داخل الحزب الجمهوري وبين العديد من الديمقراطيين. وقد حسب أيضًا أن إدارة بايدن لن ترغب في تعريض أجندتها التشريعية المحلية للخطر من خلال الانخراط في نزاع عام مع إسرائيل.

في الواقع، فإن السياسة الأمريكية الوحيدة التي قد تردع نتنياهو عن الطريق المؤدي إلى الحرب ستكون الرفض الصارم والدبلوماسية القوية. سيتعين على واشنطن أن تجعل نتنياهو يفهم أن المزيد من التصعيد مع إيران من شأنه أن يضر بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية وأن الإدارة لن تتراجع في مواجهة الضغوط السياسية الداخلية. في الوقت نفسه، ستحتاج الإدارة إلى الضغط على الموقعين الآخرين على الاتفاق النووي لإخبار إيران بعبارات لا لبس فيها أن أفعالها استفزازية، وأن بعض مواقفها في محادثات فيينا غير معقولة، وأن الوقت ينفد للعودة إلى الامتثال الكامل. 

قد يسمح الموقف الحازم مع إسرائيل والدبلوماسية الصارمة بشأن الاتفاق النووي للولايات المتحدة بتجنب الانزلاق نحو التصعيد الخطير بين إسرائيل وإيران. وفي هذا الإطار يمكن فهم بعض من أسباب تسريبات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف؛ التي أشارت إلى علاقة خاصة مع واشنطن وجون كيري وزير الخارجية في إدارة أوباما وكيف تم إبلاغ إيران بهجمات إسرائيلية محتملة على إيران حينذاك حيث يمكن توظيف هذا التسريب على الطرفين في اتجاه إسرائيل لإحداث نوع من المقارنة في التعامل بين الإدارات؛ وفي اتجاه إيران في إقناعها بأهمية الاستجابة الإيجابية للإشارات الأمريكية بوقف التصعيد الذي لا يخدم الطرفين وبناء الثقة.

ولكن يظل أن هدف إسرائيل ونتنياهو الحقيقي هو إثارة رد إيراني من شأنه أن يوفر غطاءً للهجوم على منشآت إيران أو ببساطة لأن استراتيجية أي من البلدين ليست ذكية أو مضبوطة بدقة مثلها. في سبتمبر 2019، شنت إيران هجومًا بطائرة بدون طيار على شركة النفط السعودية الكبيرة أرامكو، مما أدى إلى توقف نصف إنتاج النفط السعودي في غضون دقائق وفاجأ الرياض وواشنطن. الواقع؛ لا يمكن لإسرائيل أن تعرف أي من هجماتها المتزايدة ستؤدي إلى رد إيراني يمكن أن يؤدي إلى تصعيد متصاعد، ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما هو مستوى التخصيب النووى أو تراكم المواد الانشطارية التي ستؤدى إلى هجوم إسرائيلي شامل على إيران.

بطريقة أو بأخرى، سوف يجر التصعيد الولايات المتحدة إلى حرب لم تسع إليها، في وقت ومكان لم تختره، وفى الوقت الذي يجب فيه على إدارة بايدن اتخاذ قرار حيث يمكنها أن تراهن على أن الاستقرار الهش سيستمر حتى تكتمل أجندتها التشريعية ووعودها الإنتخابية، وفي هذه الحالة لا تحتاج إلى التدخل. أو يمكن أن تتدخل الآن، على افتراض أن العواقب القريبة المدى للمواجهة السياسية مع إسرائيل والدبلوماسية القوية مع إيران ستكون أكثر قابلية للإدارة من عواقب الحرب في غضون العامين المقبلين.

تعمل الحكومة الإسرائيلية، التي تتبع استراتيجيتها الخاصة، على أهداف متعارضة مع الإدارة الأمريكية التي ترى أن أهدافها حاسمة للتماسك المحلي واستقرار الشرق الأوسط. حملة نتنياهو الحالية تديم معارك رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الرؤساء الديمقراطيين وتقوض التعاون المفترض الذي يميز التحالف الطويل الأمد بين البلدين.

 ربما تتعارض المصالح الأمريكية والإسرائيلية ببساطة. من المؤكد أن على رئيس الوزراء الإسرائيلي واجب الحفاظ على أمن بلاده. لكن الرئيس الأمريكي يفعل ذلك أيضًا. في مد وجذر العلاقات الدولية، لا تكون اللحظات المحورية واضحة دائمًا، لكن الأزمة التي أثارها التحدي المفتوح للحكومة الإسرائيلية للولايات المتحدة تبدو بالتأكيد واحدة منها.

“حرب بلا نهاية”

نتنياهو ومجموعته الأمنية والعسكرية تدرك طبيعة الجدل والتغيير داخل أروقة صنع القرار الأمريكي وكل ما يطرح من نقاش جاد حول قضية الانسحاب المتكرر من ميادين القتال والحروب المستمرة والتي لا يبدو أنه لا نهاية فيها للصراع والحرب، مع التأكيد على أهمية أمن إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط؛ لقد طرح الانسحاب المخطط له من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر سؤالًا لمجتمع السياسة الخارجية الأمريكية: ماذا الآن؟ وأصبح “إنهاء الحروب التي لا نهاية لها” شعارًا سياسيًا أنيقًا وفعالًا للمحللين من اليسار واليمين، ولكن ماذا يعني ذلك بالفعل بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية بعد أفغانستان في إيران وفي غيرها من المناطق والمسارح الشرق أوسطية؟

في السنوات الأخيرة، امتد مصطلح “حروب بلا نهاية” ‘Forever War’ إلى ما هو أبعد من أفغانستان ويستخدمه مجموعة من المحللين وصانعي السياسة -المعروفين باسم “القيود”- لوصف مجموعة من الجهود الأمريكية عبر الشرق الأوسط. خذ سوريا كمثال. في عام 2014، أعاد الرئيس باراك أوباما قواته إلى العراق لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن استولى على الموصل. تضمنت الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية نشر القوات الأمريكية في سوريا، حيث أقامت دولة الخلافة المعلنة عاصمتها في الرقة. ويبقى بعض هؤلاء الجنود لمواصلة الضغط على فلول الدولة الإسلامية، ومراقبة إيران، والحفاظ على بعض النفوذ مع روسيا. تدعم الولايات المتحدة سقوط نظام الأسد ولكن ليس بشكل مباشر من خلال العمل العسكرى. يمكن للمرء أن يجادل في هذه الأهداف، لكن هل من الحكمة وصف سوريا بأنها حرب أبدية وفقا لهذا المفهوم واللانهاية للاحداث وتباعاتها؟

نظرًا لعدم وجود تعريف جيد للحرب “الأبدية” أو “اللانهائية”، فقد أصبح إنهاء الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط بمثابة بطاقة اتصال وعبارة شائعة لكل من التقدميين والمحافظين الذين يشاركونهم الرغبة في الخروج من الشرق الأوسط. من السهل فهم أسبابهم بالنظر إلى سجل أمريكا الأخير في الفشل والموارد المهدرة في المنطقة. ومع ذلك، فإن جاذبية الانسحاب هي الأكثر شيوعًا. انتخب الأمريكيون رئيسين على التوالي انتقدا صراحة السياسات الخارجية الطموحة للغاية لأسلافهم، وكان الرئيس الجديد واضحًا بنفس القدر بشأن تقليل التركيز على الشرق الأوسط. بالطبع، لم يتم انتخاب أوباما ودونالد ترامب وبايدن فقط أو حتى بشكل أساسي لأنهم أدانوا السياسات الإقليمية لأسلافهم. ومع ذلك، كانت انتقاداتهم اللاذعة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط جزءًا من المنطق الكامن (والناجح) لحملاتهم الرئاسية.

ربما يكون أوباما وترامب وغيرهما من المدافعين عن إنهاء الحروب إلى الأبد على صواب أو ربما ليسوا كذلك. في كلتا الحالتين تشير حالة الجدل في واشنطن إلى أن هناك سعي إلى تحديد أفضل نهج للشرق الأوسط بحيث يجب أن تستند السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة إلى إعادة صياغة الأولويات وفهم ما هو مهم والموارد المتاحة لها لتحقيق أهدافها. 

لبعض الوقت، كانت أهداف أمريكا في الشرق الأوسط هي: تأمين التدفق الحر لموارد الطاقة؛ ضمان الأمن الإسرائيلي؛ تعزيز إجراءات مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار؛ والحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في خدمة تلك الأهداف الأخرى. الآن الجدل يتركز حول النظر في ما إذا كانت هذه الأهداف تظل مهمة للولايات المتحدة، وإذا كان الأمر كذلك، لتحديد أفضل السبل لتحقيقها.

لقد قدم المدافعون عن إنهاء الحروب إلى الأبد وجهة نظر تتحدى مجتمع السياسة الخارجية على افتراضاته. ويرون أن هناك حدودًا للقوة الأمريكية، وليس لكل مشكلة حل أمريكى. بينما ترى وجهة النظر المقابلة أن السعي إلى إنهاء الحروب إلى الأبد أمر صعب للغاية. فهو لا يسمح بتصحيح المسار والأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة كانت ومازالت لاعبًا بنّاءً في الشرق الأوسط.

 قد يكون ضبط النفس والتحرك المتوازن هو المطلوب في نهج الولايات المتحدة تجاه المنطقة، لكن الطريقة التي يتحد بها ضبط النفس مع شعار “إنهاء الحروب إلى الأبد” محدودة للغاية. ويرون أنه بعد إنفاق تريليونات الدولارات، وفقدان الأرواح، وفقدان البوصلة، وتشويه السياسة، يحتاج الأمريكيون إلى توخي الحذر في الشرق الأوسط، لكن هذا لا يعني أن يصبحوا متشبثين بشعار أنيق بلا مضمون حقيقي أو واقعي. المخاطر كبيرة جدًا على حد قول جبهة الرفض للشعارات والإكليشيهات التي تدعو للانسحاب الأمريكي التام، وهو ما يجعل الأمور معلقة بين شاطئين تحتاج السباحة بينهما إلى مهارات ورؤى خاصة واستثنائية.
ختاما؛ يبدو جليا أن واشنطن تعيش حالة من الجدل الشديد بشأن صياغة سياساتها الخارجية وتضع على المائدة كل الثوابت وتناقشها بصوت عال وهناك توجه بدأ مع إدارة ترامب ويستمر مع إدارة بايدن بضرورة وضع نهاية لعدد من الصراعات والحروب أو الانسحاب منها مع توجه بعدم التورط في صراعات جديدة لا تمس مباشرة المصالح الأمريكية؛ وتحاول تل أبيب وحكومة نتنياهو الحفاظ على موقعها ومكانتها في أولويات السياسة الأمريكية وتضغط من أجل جر واشنطن لصراع مع إيران أو تحييدها في أي تصعيد إسرائيلي تجاه طهران؛ وهو ما يشير إلى أن عددًا من دول المنطقة عليها أن تفتح حوارًا استراتيجيًا مع واشنطن في تلك المرحلة للحفاظ على قوة الدفع تجاه عدد من الملفات والاهتمامات التي يفسرها البعض بعدم المبالاة وكي لا تصب تلك المواقف في صالح دول تتحرك في خانة العداء والمنافسة والتمدد وإعادة ترتيب أوراق الإقليم؛ فإذا كان انسحاب التأثير والضغوط الأمريكية في عدد من الملفات أمر مرحب به ومطلوب تاريخيًا لشعوب المنطقة، إلا أنه عندما يحدث يجب أن يكون محسوبًا وتدريجيًا ودون تخلٍ عن المسؤوليات.

Scroll Up