عرض – مروة عبد الحليم

نشر “معهد الدراسات الأمنية ISS”، في جنوب أفريقيا، دراسة تحليلية للكاتب والمُحلل السياسي “بيتر فابريشيوس”، بعنوان “تصاعد التوتر مع مياه السد الإثيوبي”، والذي تناول الإجابة على تساؤلين رئيسين هما، هل يُمكن أن ينجح الاتحاد الأفريقي كوسيط بعدما فشل بالفعل تحت رئاسة اثنين من رؤسائه؟ وهل حان الوقت لإدخال مجلس الأمن الدولي في النزاع المرير حول السد؟

أشارت الدراسة إلى تصاعد التوتر مرة أخرى بين إثيوبيا ومصر والسودان، بسبب مياه “سد النهضة الإثيوبي”، حيث يقترب موسم الأمطار السنوي بسرعة، ومن شبه المؤكد إجراء إثيوبيا عملية الملء الثاني لخزان السد بسعة 74 مليار متر مكعب إذا لم يكن هناك اتفاق مسبق بخلاف ذلك بين الأطراف الثلاثة المتنازعة.

ويبدو التوصل إلى اتفاق بعيد المنال، حيث لا توجد مؤشرات على استئناف وشيك للمفاوضات، وانتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي في “كينشاسا” في 5 أبريل 2021 دون أي لمحة عن اتفاق حول كيفية إدارة السد الضخم الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق منبع مصر والسودان، لتوليد 6,45 جيجاوات من الطاقة الكهرومائية.

سافر وزير الخارجية “سامح شكري”، الأسبوع الماضي، إلى ست دول أفريقية هي جنوب أفريقيا وتونس وكينيا والسنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجزر القمر لعرض موقف مصر، حيث تعتمد القاهرة بالكامل تقريبًا على نهر النيل للحصول على مياهها العذبة، وتخشى أن يؤدي “سد النهضة” إلى تقليل إمداداته بشكل كبير.

وفقاً للدراسة، أشارت مصر قبل جولة وزير الخارجية إلى أنها قد تُحيل الخلاف إلى مجلس الأمن الدولي كما حاولت في يوليو 2020 قبل تدخل “سيريل رامافوزا” رئيس جنوب أفريقيا بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي في ذلك الوقت، وأقنع الأطراف بقبول الاتحاد الأفريقي كوسيط، لكن “رامافوزا” فشل في إبرام صفقة خلال ستة أشهر من المفاوضات، وفشل الآن “فيليكس تشيسكيدي” رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية رئيس “الاتحاد الأفريقي”.

تضمنت التلميحات حول نوايا مصر محاولة العودة إلى مجلس الأمن الدولي بعض التهديدات العسكرية من الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، الذي حذر إثيوبيا من لمس قطرة من مياه مصر، لأن جميع الخيارات مفتوحة، دليل آخر كانت رسالة كتبها وزير الخارجية إلى مجلس الأمن الدولي يحثه فيها على إقناع إثيوبيا بعدم اتخاذ أي إجراء بشأن السد قبل التوصل إلى اتفاق مُلزم قانونًا مع مصر والسودان، وحذر من أن عدم التوصل إلى توافق من شأنه أن يضر بمصالح مصر والسودان المائية وأمنهما، ويزيد من التوترات في جميع أنحاء شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وتشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين، ولذلك بدا “شكري” وكأنه يُمهد الطريق لطلب تدخل مجلس الأمن الدولي. كما أشار “ياسر عباس”، وزير الري السوداني إلى، إحالة النزاع إلى مجلس الأمن الدولي إذا بدأت إثيوبيا ملء السد مرة أخرى دون اتفاق بين الدول الثلاث.

لم يضغط “شكري” على “رامافوزا” في اجتماعهما الأسبوع الماضي، لدعم إحالة الموضوع إلى مجلس الأمن الدولي، وبدلاً من ذلك قال، إن مصر ستطلب من “تشيسكيدي” عقد اجتماع خاص لمكتب الاتحاد الأفريقي لوضع مسار للمضي قدمًا، ولا توجد دلائل على أن مثل هذا الاجتماع وشيك على الرغم من الموعد النهائي الذي يلوح في الأفق للملء الثاني، ومن المفترض، رغم ذلك، أن مصر لا يزال بإمكانها استخدام اجتماع مكتب الاتحاد الأفريقي لتقديم طلب لتدخل مجلس الأمن الدولي.

وأضافت الدراسة، تسعى مصر والسودان، اللتان تخشيان من تأثير التدفق غير المنظم للمياه في اتجاه مجرى “سد النهضة”، إلى اتفاق ملزم قانونًا بشأن تشغيل السد، بما في ذلك سرعة ملئه وكمية المياه التي يتم إطلاقها في فترات الجفاف الطويلة وآلية حل النزاعات، وتعتبر إثيوبيا السد قضية سيادية ورفضت الالتزام من أي شخص آخر بكيفية تشغيلها لسد النهضة.

ليس واضحًا ما إذا كانت هوية الوسطاء مُهمة، أو أنها عبارة إخفاء للنوايا الحقيقية، فهناك شكوك حول الوسيط الأفضل، ففي نوفمبر 2019، كانت الولايات المتحدة المفاوض الرئيس، ولكن بدا أنها تُفضل حليفتها مصر على إثيوبيا، ورفضت إثيوبيا اقتراح حل وسط صاغته واشنطن في فبراير 2020.

كانت هناك بعض الافتراضات حول شعور مصر بأن وساطة الاتحاد الأفريقي بقيادة جنوب أفريقيا تُفضل إثيوبيا، وعلى الرغم من ذلك رفض الأطراف الثلاث مسودة إطار عمل بريتوريا، وفي لقائه مع “رامافوزا” الأسبوع الماضي، قال “شكري”، إن مصر مستعدة لإعادة النظر في هذا الحل الوسط.

عندما سلمت جنوب أفريقيا رئاسة الاتحاد الأفريقي إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية في فبراير 2021، حاولت مصر والسودان توسيع وساطة الاتحاد الأفريقي بإضافة الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذين كانوا يعملون بالفعل كمراقبين، لكن إثيوبيا رفضت ذلك، وفضلت الاستمرار في قيادة الاتحاد الأفريقي للوساطة.

بعد فشل جولة “كينشاسا”، بدا أن مصر تُعيد إحياء خيار الوساطة الرباعية، لكن “شيفيرو مينباشو، سفير إثيوبيا في جنوب أفريقيا أوضح، أن إثيوبيا ترغب في مواصلة الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، وقال “كانت إثيوبيا مستعدة دائمًا للمفاوضات الثلاثية بما في ذلك تحت رئاسة الاتحاد الأفريقي، وإثيوبيا تثق وتحترم الحلول الأفريقية باعتبارها مسألة سيادة قارة وكرامة وهوية”.

يتفق “محمد دياتا”، الباحث في “معهد الدراسات الأمنية ISSعلى أن الاتحاد الأفريقي يجب أن يواصل مساره وأن يستخدم قدرته على الجمع بين الأطراف الثلاثة معًا، خاصة وأن التوترات ستندلع مرة أخرى حول الملء التالي للسد، وأضاف في أحدث تقرير لمعهد الدراسات الأمنية حول السلم والأمن، بأن ذلك سيُساعد في منع المواجهة التي سيكون لها عواقب وخيمة على الدول المعنية والمنطقة. ولكن هل يُمكن أن ينجح الاتحاد الأفريقي كوسيط بعدما فشل بالفعل تحت رئاسة اثنين من رؤسائه؟، يرى “دياتا”؛ أن ذلك ممكن، لكن على الاتحاد الأفريقي التفكير في كيفية إنشاء إطار وعملية أكثر ملاءمة للمفاوضات بما في ذلك عملية وساطة محددة بوضوح.

ربما سيوفر ذلك الحافز لبدء المفاوضات المتوقفة، أو ربما يتعين على الأطراف النظر في تكوين مختلف، ويبدو أن هناك القليل من الفائدة من إشراك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في دور الوساطة الرسمي، ولكن قد يكون من المنطقي إشراك الأمم المتحدة كرئيس مُشارك مع الاتحاد الأفريقي، ويُمكن أن يعالج ذلك شك مصر الواضح في أن الاتحاد الأفريقي يُفضل إثيوبيا، بينما يعالج أيضًا مخاوف إثيوبيا من خلال إبقاء يد الاتحاد الأفريقي في العملية.

إنه من الصعب تحديد أين يُمكن أن تنتهي المواجهة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، لقد لقي تصريح “السيسي” صدى لدى بعض المحللين العسكريين المصريين، وأشاروا إلى التدريبات العسكرية المشتركة الأخيرة بين مصر والسودان على أنها تحذير من إمكانية لجوء الدولتين إلى القوة إذا مضت إثيوبيا في الملء الثاني.

واختتمت الدراسة بالإشارة ألى أنه من الواضح أن الخلاف يُفسد العلاقات بين ثلاث دول أفريقية مُهمة، وهناك خطر اندلاع بؤرة توتر، ويُشير هذا إلى أن نزاع “سد النهضة” موضوع شرعي لاهتمام مجلس الأمن، وهذا الخيار قد يكون ضروريًا إذا لم تنجح المفاوضات قريبًا.

Scroll Up